in

دخلك بتعرف كيف تستخدم المدن التصاميم المعمارية لإحباط المخططات الإرهابية!

أمام ملعب الإمارات الخاص بنادي أرسنال لكرة القدم في لندن، يمكننا مشاهدة لافتة مكونة من أحرف كبيرة باللغة الإنكليزية تُكوّن كلمة أرسنال Arsenal، تقع هذه الأحرف أمام مدخل الملعب، ما يعني أنّ 60 ألف من المشجعين سيمرون أمام هذه اللافتة وهم يدخلون الملعب، وقد أصبحت هذه اللافتة والساحة التي تقع خلفها نقطة تجمع لمشجعي نادي أرسنال الذين يُلقبون بـ(الغونرز)، وذلك لأن النادي يُلقب بـ(الغانرز) أي المدافع.

أمام ملعب الإمارات الخاص بنادي أرسنال لكرة القدم في لندن
أمام ملعب الإمارات الخاص بنادي أرسنال لكرة القدم في لندن.

لكن في الحقيقة فالهدف من هذه اللافتة ليس الافتخار باسم النادي وتشجيعه فقط، بل حماية المشجعين أيضاً، حيث يُمكن القول أنّ هذا المكان معرض بشكلٍ كبير إلى هجومي إرهابي باستخدام مركبةٍ ما، وذلك لكون معرفة متى سيتجمع هنا عدد كبير من المشاة أمرٌ سهل للغاية بسبب اضطرار المشجعين إلى المرور من هنا مشياً للأقدام عند الدخول إلى الملعب.

تقوم هذه اللافتة بحماية هؤلاء المشجعين وتُبعد عنهم خطر حدوث هجومٍ إرهابي وذلك بطريقةٍ حميلة تُسعد الناس، لذا يُمكن القول أنّ هذه اللافتة هي مثالٌ رائع للطريقة التي يُمكن بها استخدام التصميم لتجميل الأمكنة العامة وحماية الناس في ذات الوقت.

للأسف فإنّ إنكلترا قد شهدت الكثير من الأعمال الإرهابية مثل الانفجار الذي حصل في مدينة مانشستر في عام 1996، والهجوم باستخدام قذائف الهاون الذي شهدته لندن في عام 1991، والتفجير الذي شهدته لندن في عام 1982، فقد شهدت إنكلترا الكثير من الهجمات الإرهابية التي نفذها الجيش الجمهوري الإيرلندي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

حلقة لندن الحديدية.

لكن رد فعل السلطات الإنكليزية على هذه الهجمات الإرهابية كان صلباً للغاية، فقد قاموا إنشاء ما أصبح يُسمى بالحلقة الفولاذية في لندن، وهو عبارة عن طوق من الأمن والمراقبة يتكون من حواجز طرقية ونقاط تفتيش ومسافة ما بين السيارات والمشاة والمباني والعديد من لكاميرات المرتبطة بنظام الدائرة التلفزيونية، كما تم وضع قوانين صارمة لضبط سرعة السيارات، وبينما تبدو هذه الإجراءات بائسة ومخيفة إلا أنّها كانت بنظر السلطات ضرورية للحفاظ على الأمن.

لكن كيف بإمكاننا الحفاظ على الأمن من دون إخافة المواطنين في نفس الوقت؟ التصميم المعماري للمدن، فمصممو المدن مثل المسؤولون عن لافتة فريق أرسنال التي تحدثنا عنها سابقاً أصبحوا يبحثون عن طرق لإبقاء سكان المدن آمنين، لكنهم يحاولون فعل ذلك بطرقٍ مبدعة تُحسن من مظهر المدينة في ذات الوقت، وذلك كي لا يشعر السكان أنّهم يعيشون في منطقة حرب.

الهجمات الإرهابية التي حصلت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي مثل التفجيرات التي نفذها الجيش الجمهوري الإيرلندي، وتفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك باستخدام شاحنة مفخخة في عام 1993، والتفجير الإرهابي الذي شهدته مدينة أوكلاهوما غيرت كل شيء، فقد أصبح على مصممو المدن وضع احتمال الهجمات الإرهابية في ذهنهم أثناء عملهم، لكن هذا التصميم لا يكون دائماً واضحاً مثل الحلقة الفولاذية.

في عام 2005 تم تنصيب جدار محيط بنصب واشنطن وذلك لمنع الشاحنات من الاقتراب، كما زاد استخدام العواميد المعدنية القصيرة بشكلٍ كبير، كما تم إزالة سلال القمامة المعدنية الموجودة في محطات الميترو أو شوارع المدن في عدة بلاد أو تم استبدالها بسلال مصنوعة من مواد لا تتحول إلى شظايا في حال حدوث انفجار.

لكن الأمور تغيرت، وأصبحت المدن تواجه تحديات مختلفة، وهذه حقيقة نشاهدها في نشرات الأخبار كل يوم، فقد حصلت مؤخراً العديد من الهجمات الإرهابية مثل الهجوم الإرهابي الذي شهدته باريس في عام 2015، والهجوم الإرهابي الذي حدث في مدينة لاس فيغاس في عام 2017، بالإضافة إلى الهجوم الإرهابي الذي شهدته مدينة كريستتشرش في نيوزيلاندا في عام 2019، فالمشترك في هذه الهجمات الإرهابية الثلاث هو أنّها حدثت باستخدام الأسلحة النارية وليس القنابل.

تفجير أوكلاهوما الشهير من عام 1995.

فالهجمات الإرهابية باستخدام إطلاق النار الكثيف على السكان أصبحت حقيقة ثابتة في عالمنا المعاصر، فقد شهدت فرنسا عدة هجمات مماثلة خلال السنوات القليلة الماضية لذا قامت بتركيب ألواح زجاجية مضادة للرصاص في محيط قاعدة برج إيفل، كما يُوجد تقنية أخرى يستخدمها المصممون لحماية الأمكنة العامة وهي خلق نقط اختناق.

نقاط الاختناق هي مساحات ضيقة يُمكن منها دخول أو مغادرة المكان وهكذا يُصبح من السهل مراقبة المداخل باستخدام كاميرات المراقبة، كما يسمح لعناصر الشرطة الموجود في المكان بمراقبة الأشخاص الداخلين إلى المكان، لكن لا حاجة لأن تكون نقاط الاختناق هذه قاسية وعنيفة، بل من الممكن أن تبدو لطيفة وتزيد جمالية المكان عبر وضع مداخل ملونة ولطيفة.

كما حدثت في السنوات القليلة الماضية هجمات إرهابية من نوعٍ آخر، فعوضاً عن التفجير أو إطلاق النار قام المهاجم بدهس السكان باستخدام مركبةٍ ما، كما جرى خلال احتفال سكان طوكيو بالسنة الجديدة في اليوم الأول من عام 2019، وكما حدث في عام 2016 في مدينة نيس، وكما حدث في مدينة نيويورك في عام 2017.

نتيجة هذه الهجمات بدأت المدن تُحاول مجدداً إيجاد تدابير للحفاظ على أمانٍ أكبر في المناطق المكتظة بالمشاة، فعلى سبيل المثال تقوم بلدية مدينة نيويورك حالياً باستثمار أكثر من 100 مليون دولار أمريكي لتنصيب المزيد من العواميد المعدنية القصيرة أو ما يُشابهها وذلك في أبرز الأماكن العامة والمكتظة مثل الطريق السريع الغربي وساحة (تايم سكوير) وساحة (هارولد سكوير) وتمثال الحرية.

المنطقة المخيطة بتمثال الحرية تبدو مفتوحة جداً، حيث تُوجد مساحة كبيرة، لكن في الحقيقة فهذه المساحة مغلقة بإحكام باستخدام عواميد معدنية قصيرة وما يُشبهها مما يُؤمن حماية كبيرة تمنع حدوث هجوم باستخدام مركبةٍ ما، وقد تم استخدام تدابير مماثلة في كافة أنحاء العالم، كما يُطالب البعض بالسماح بدخول السيارات ذاتية القيادة فقط، بينما يُطالب البعض الأخر بمنع دخول أي سيارة من أي نوعٍ كان في الأماكن المكتظة بالمشاة بشكلٍ مشابه لحي Flatiron في مدينة نيويورك.

إحدى الأمثلة عن كيفية جعل المناطق آمنة، وجميلة في نفس الوقت.

فقد تم خلق ما يُشبه الحدائق العامة باستخدام الكراسي الخشبية والأشجار والحدائق، لكن لم يتم وضع هذه الأشياء بشكلٍ عشوائي، فبشكلٍ مشابه للافتة نادي أرسنال تم وضع هذه الأشياء هنا بهدف الحفاظ على الأمن وحماية المشاة، فعوضاً عن وضع العواميد المعدنية القصيرة بدأت المدن بالبحث عن طرقٍ أخرى لمنع حدوث هجومٍ إرهابي باستخدام المركبات، وهذه الأشجار والكراسي الخشبية هي جزء من الحل.

فعلى سبيل المثال تقوم السلطات في العاصمة الأمريكية واشنطن بإعادة تصميم الحي الصيني الموجود في المدينة لمنع حدوث هجمات إرهابية باستخدام المركبات، ولكن عوضاً عن وضع عواميد معدنية قصيرة تُوحي أنّ المدينة تخوض حالة حرب يقومون باستخدام كراسٍ خشبية وأشجار لتحقيق هذه الغاية، وبذلك يُصبح الحي مُريحاً أكثر وأكثر أماناً في ذات الوقت.

لكن بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية باستخدام المركبات فعلى السلطات التعامل مع الهجمات الإرهابية التفجيرية، فقد شهدت العديد من المدن حول العالم تفجيراتٍ انتحارية مثل الهجوم الانتحاري في مقديشو الذي جرى في عام 2017، والهجوم التفجيري الانتحاري الذي شهدته مدينة مانشستر في عام 2017، والهجوم الانتحاري الذي شهدته مدينة فولغوغراد الروسية في عام 2013.

الطريق بين مورغيت ستيشن وساوث بليس. بإمكاننا ملاحظة بعض نقاط التفتيش، والتي صممت لتكون جزءاً من الحلقة الحديدية. صورة: Wikipedia

للتعامل مع الهجمات الإرهابية التفجيرية اتكل المسؤولون عن التخطيط المعماري لمدينة لندن على ذات الفكرة التي لجأوا إليها في نهايات القرن الماضي، حيث بدأوا يخططون لإنشاء حلقة حديدية جديدة في لندن مكونة من عواميد معدنية قصيرة وحواجز تفتيش وطرق محظورة وحواجز مقاومة للمركبات، ومن المفترض أن يُنتهى من هذا المشروع في عام 2021 أو 2022، وذلك بهدف حماية ناطحات السحاب المتواجدة في المدينة.

عندما يقوم المهندس المعماري بتصميم محطات المترو فهم يرغبون بجعلها مفتوحة وسهلة الوصول بقدر المستطاع، فبحسب تقرير تُشر في مجلة Informedesign في عام 2008 يُنصح المصممون بجعل تدفق المشاة وزائري المحطة سلساً أكثر وتخفيف العراقيل أمامهم، أي بتخفيف عدد نقاط الاختناق كي لا يتجمع الناس جميعاً في نقطة واحدة، كما ينصح التقرير بتخفيف عدد سلال القمامة وآلات البيع وذلك لإنقاص الشظايا في حال حدوث تفجير إرهابي.

تفيد هذه الأوتاد، ذات المنظر المعماري الجميل، في إعاقة حركة المرور ضمن هذه المنطقة، ما قد يفيد في اتقاء شر الهجمات الإرهابية باستخدام السيارات.

فبحسب التقرير فعلى المصم أن يجعل انتشار الناس ممُكناً في حال وقوع إرهابي وبذلك يُمكنهم رؤية أفضل مخرج يُمكنهم استخدامه، كما يقترح التقرير استخدام أنظمة تنقية للهواء يُمكنها التعامل مع هجومٍ كيميائي سواءً حدث فوق المحطة أو في داخلها.

فإذا أردنا الحديث نظرياً، فالمخطط المثالي للمدينة الذي يستطيع إحباط المخططات الإرهابية ويُساهم بتحسين سرعة استجابة القوى الأمنية سيضم النقاط التالية/ ارتفاع مختلف للمباني في المدينة وبذلك يُمكن للقوى الأمنية في المباني العالية المراقبة بشكلٍ أفضل، كما يجب أن تكون الشوارع ملتوية وبذلك تضمن عدم قدرة المركبات على الوصول إلى سرعاتٍ خطيرة، كما يُمكن إضافة لافتات مشابهة للافتة نادي أرسنال.

مشروع حماية وول ستريت، نفذه Rogers Partners Architects وUrban Designers.

بالطبع فإحباط المخططات الإرهابية يتطلب جهداً كبيراً على كافة المستويات، لكن الهدف من هذا المقال إظهار كيف يُمكن لتفاصيل صغيرة في تصميم المدن المساهمة بحفظ الأمان بشكلٍ كبير، فهل لاحظتم وجود تفاصيل مشابهة في مدنكم؟ شاركونا أجوبتكم في التعليقات.