اجتماعيات

الفئات المنبوذة في اليابان: عنصرية غريبة ومتجذرة دون أي أساس عرقي أو ديني

العنصرية في اليابان

ما هو أول أمر يخطر ببالك عندما تسمع عن العنصرية؟ في الوقت الحالي ربما أول ما سيخطر بالبال هو التمييز العنصري ضد ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة (بسبب الهيمنة الأمريكية على الإعلام، فأول ما سيخطر ببالك هو عنصريتهم لا العنصرية القريبة منك)، بالطبع فالعنصرية ضد الأفارقة على الرغم من كونها خاطئة قطعاً (كما أي نوع آخر من العنصرية) ترتكز على أساس عرقي لتبريرها، أي أن الاختلاف هنا هو اختلاف جيني بين الضحية والفئة الظالمة، في حالات أخرى قد يكون الاختلاف الديني هو السبب، أو ربما الاختلاف الفكري حتى.

لكن ماذا عن العنصرية التي لا تعتمد أياً من هذه الاختلافات بل يمكن تلخيصها ببساطة هكذا: أجدادكم كانوا فقراء، إذاً أنتم أدنى مرتبة منا!

في هذا المقال سنتحدث عن هذه الحالة، في مجتمع ربما يعد الأغرب والأكثر مسالمة حالياً من قبل الكثيرين، لكن تحت مظهره الخارجي يتضمن الكثير من الأشياء غير المحبذة.

يابانٌ مختلفة عما تتخيل

حتى الآن لا تزال أول صورة تخطر ببالي عند الحديث عن اليابان هي أزهار الساكورا مع جبل فوجي الشهير في الخلفية.

طوال حياتي في الواقع، وحتى الآن في الكثير من الأحيان أتخيل اليابان كمكان جميل جداً وبشكل مختلف للغاية عن الواقع، فما أتخيله هو غابات الكرز وزهورها (ساكورا باللغة اليابانية) والمنازل القديمة والشاي المقدم في أكواب غريبة، وفي أفضل الحالات أتخيل التقدم التقني الهائل والأبراج في كل مكان والثقافة الغريبة والمغرية للاطلاع عليها، لكن قلما تجد أحداً يتخيل الجوانب السيئة لـ”كوكب اليابان“، فلا أحد يتحدث عن المجتمع المتفكك والجريمة المنظمة والأهم من هذا: العنصرية المتجذرة بشكل عميق جداً هناك.

ربما تكون مثلي تعرف اليابان من الوثائقيات والصور ومسلسلاتها الكرتونية (Anime)، أو ربما من كونها بلد الاختراعات والاكتشافات والروبوتات والأمور الغريبة، أو حتى بلد برامج الألعاب التلفزيونية المثيرة والمختلفة (بالأخص برنامج ”الحصن“ في حال كنت ولد قبل منتصف التسعينيات) لكن الجوانب المغطاة في هذه الأمور لا تعكس الواقع الياباني بالضرورة، وما تتخيله من مجتمع فيه التقنية بكل مكان ومتفاهم تماماً دون اضطرابات كبرى وتمييز ضد المختلف هو مجرد فلتر موضوع على الواقع وليس الواقع نفسه.

كما ذكرت في البداية، فالفئات المهمشة في اليابان لا تختلف بشيء عن الآخرين في الواقع، فهم يمتلكون نفس التركيبة الجينية ولا يختلفون بالصفات الجسدية ولا يمكن تمييزهم عن الآخرين شكلياً حتى، كما أنهم ينتمون إلى نفس المجموعات الدينية: الشنتو والبوذية (مذهب الـZen بالتحديد)، ومع كون هذه الأمور موحدة فقد يكون التمييز ضدهم مستغرباً، ومع أنه يمكن تبسيط الأمر إلى أن أجدادهم كانوا فقراء، فالأمر أعقد بقليل من هذا ويمتد لجذور تاريخية قديمة؛ وللتأثير الديني ومن ثم الحكومي على المجتمع الياباني قديماً.

من هم ”البوراكمِن“

البوراكمن

أعطى عمل البوراكمن مع الموتى وفي ذبح الحيوانات ”طاقة سلبية“ بشكل مستمر أسرع مما من الممكن أن يطهروا أنفسهم منها وفق المعتقدات اليابانية.

في اللغة اليابانية تعني كلمة بوراكمِن (Burakumin) أهل القرية، ومع أنها تبدو وكأنها تشير للمزارعين للوهلة الأولى، فهي في الواقع تشير إلى جميع المنبوذين من اليابانيين والذين ينقسمون إلى قسمين رئيسيين يجتمعان بكونهما عرضة للاضطهاد، لكن يختلفان بشكل كبير في سبب نبذهم، هاتان الفئتان هما: (من الجدير ذكره ان اسمي الفئتين تعدان خطاب كراهية كونهما تحملان الكثير من الانتقاص والإهانة، لذا سنستخدمهما ضمن نطاق تاريخي بحت فقط)

– ”إيتا“ أي ”الغير أنقياء“: وهم الأشخاص الذين ارتبطت أعمالهم بما يعتقد بأنه يلوث الروح وفق الثقافة اليابانية القديمة، مثل اللحامين وحافري القبور ومن يدفنون الموتى وغيرها من المهن ”الملوثة“.

– ”هينن“ أي ”اللابشر“: وهم الأشخاص الذين كانوا يمارسون مهناً منبوذة من المجتمع مثل المتسولين والعاملين بالدعارة والممثلين، وبالطبع النشالين والمجرمين وغيرهم.

هاتان الفئتان من الناس كانتا مكروهتين اجتماعياً بشكل عام، لكن التأثير الأساسي الذي تسبب بنقلهما من ”مكروهتين“ إلى اعتبارهما فئة واحدة تصنف كلا بشر أو كأشخاص يمتلكون جزءاً من إنسانيتهم فقط يعود في الواقع إلى زمن سحيق للغاية أي قبل حوالي 2500 سنة، وفي الصين لا في اليابان نفسها.

من أين أتى كره البوراكمِن؟

مع أن معظم أفكار كونفوشيوس تمتلك ميلاً إيجابياً، ففكرته عن تقسم المجتمع الطبقي استخدمت للتمييز ضد الكثير من الأشحاص وتدمير إرثهم لأجيال تالية.

قد يبدو الأمر غريباً بأن يكون الأمر بدأ في بلد آخر أصلاً، لكن السبب الأساسي كان ظهور ”الكونفوشيوسية“ في الصين، هذا المذهب الفكري الذي يتبع لفيلسوف صيني عاش في القرن الخامس قبل الميلاد كان قد ركز على الناحية البشرية لا الروحانية للحياة، ويعتقد أن مفكرين من هذا المذهب هم من قدموا أسلوب تصنيف البشر التصاعدي: في الأعلى الباحثون والمفكرون، وتحتهم الفلاحون والمزارعون، ومن ثم الحرفيون والفنانون، وبعدهم التجار والبائعون، هذا النظام الطبقي لم يتحدث عن المهن الغير مشمولة بهذه التصنيفات وبالتالي فهي ببساطة كانت خارج التصنيف أصلاً.

لاحقاً أتت البوذية إلى الصين وساعد انتشارها بين الطبقات العليا من المجتمع على دمجها مع النظام الطبقي وزيادة تأثيره بشكل ديني وقانوني حتى، ومع انتشار البوذية في الطبقات العليا من المجتمع الصيني والكوري انتقلت تدريجياً إلى اليابان، ومع أنها لم تلاقي شعبية بين العوام الذين كانوا يؤمنون أصلاً بديانة الـ”شنتو“ فقد انتشرت بين النبلاء ونقلت معها فكرة الطبقات المتعددة التي تركت أعمال الـ”إيتا“ والـ”هينن“ دون تصنيف، ونظراً لمفهوم ”Kegare“ الموجود أصلاً في الـ”شنتو“ فقد ظهرت فكرة أن هؤلاء غير المصنفين أصلاً هم أدنى من البشر حتى ولا يمتلكون سوى جزءا من الصفات البشرية، بحيث أنهم أقرب للحيوانات كون أرواحهم ملوثة.

مفهوم الـKegare في الـ”شنتو“ قريب جداً من مفهوم الكارما، لكنه ليس محدوداً بما يفعله الشخص فقط، بل ما يحدث للشخص أيضاً، أي أن السرقة مثلاً تتسبب بـKegare يتطلب تطهير النفس، وبنفس الوقت موت أحد الأقارب يتطلب تطهير النفس كذلك لأن الموت يلوث روح الأشخاص القريبين منه، ومع كون أعمال اللحامين وحافري القبور تتضمن التعامل مع الموت بشكل دائم فهم عرضة لـKegare مستمرة طوال الوقت، ومن هنا تشتق تسمية eta معناها للإشارة إلى الأرواح الملوثة.

قوننة التمييز ضد البوراكمِن

خلال فترة طويلة من التاريخ الياباني عومل البوراكمن كعبيد وكائنات غير بشرية أصلاً، بسبب طبيعة الأعمال التي يمارسونها أو التي أرغموا الالتزام بها لكونها مهن أسلافهم.

حتى بداية القرن السابع عشر كان التمييز الاجتماعي ضد هذه الفئة موجودا أصلاً بشكل عادات اجتماعية وحتى اتجاه ديني، لكن تلك الحقبة جلبت معها فرض النظام الإقصائي (أو الطبقي) بشكل مقونن، ومع أن الطبقات الأخرى من المجتمع كانت عرضة لقيود كبيرة على طريقة الإرث والتعامل مع الطبقات الأخرى والزواج مثلاً، فقد كان من الممكن في بعض الحالات أن تنتقل العائلات من طبقة إلى أخرى بناءً على وضعها الاقتصادي، بينما بقي البوراكمن دون أي خيار من هذا النوع كونهم لا يعتبرون ضمن المجتمع أصلاً ولا يتم عدهم ضمن الإحصائيات حتى.

خلال تلك الفترة ألزمت هذه الفئات بالسكن ضمن أماكن معينة وأحياء معزولة وغالباً قرى نائية حتى، وترافق ذلك مع لباس قسري وتصرفات إذلال عند التعامل مع أفراد الطبقات الأخرى كالتوقف ونزع ما يغطي الرأس والانحناء عند مرور شخص من إحدى طبقات المجتمع أمامهم، بل وحتى وشمهم بوسوم خاصة للدلالة على انتمائهم للفئة المنفية من المجتمع.

أدى هذا الإقصاء بالطبع إلى فقر مدقع في الأحياء التي تقطنها هذه الفئة من الناس، ولم تتحسن أمورهم حتى بدأت المقامرة بالدخول إلى المجتمع الياباني في القرن التاسع عشر، حيث أن طبيعة كون المقامرة ”عملاً سيئاً“ ومحظوراً من الحكومة جعله شبه حصري لهم.

الاتجاه للجريمة

حتى اليوم لا تزال النسبة الأكبر من الياكوزا (جماعات الجريمة المنظمة) في اليابان ينتمون لفئة البوراكمن.

الثروة الناشئة في يد بعض أفراد هذه الفئة جعلهم مرتابين أكثر من تصرفات الحكومة خصوصاً مع طبيعة عملهم غير الشرعي والتمييز الواضح ضدهم، وهنا بدأت العصابات بالظهور لتنتظم لاحقاً وتشكل ما يعرف بالـ”ياكوزا“، والتي هي أقرب ما يوصف بالمافيا اليابانية التي تدير النشاطات غير الشرعية في البلاد من مقامرة واختلاس وحتى العمليات البنكية في بعض الحالات، وتعد اليوم واحدة من أكبر المنظمات الإجرامية المنظمة المستمرة منذ عقود طويلة ولا تزال تتمتع بنفوذ كبير.

وقام أفراد ”الياكوزا“ في الكثير من الحالات بتبني أساليب التمييز ضدهم كمصدر فخر لهم حيث يعرفون بالوشوم التي تغطي أجسادهم وحتى ببتر إصبع الخنصر (أصغر أصابع اليد) كإشارة للولاء، بحيث تبقى اليد بأربع أصابع فقط حيث أن الإشارة بأربع أصابع كانت تستخدم كخطاب كراهية ضدهم، ويعتقد أن أصلها إما أنهم نتيجة عملهم في مجالات خطرة عادة يفقدون أصابعهم أو أنها إشارة إلى أربع أرجل أي أنهم مماثلون للحيوانات.

إنهاء النظام الطبقي في اليابان

نهاية فترة حكم الشوغون (الإقطاعيين) في اليابان جلبت لاحقاً إزالة التمييز المقونن ضد البوراكمن، لكنها لم تغير من التمييز الشعبي.

عام 1871، وضمن إصلاحات حكومية واسعة النطاق، تم إنهاء النظام الطبقي في اليابان بشكل نهائي، واستعادت الفئات المنبوذة صفة المواطنة بشكل قانوني ورسمي، لكن بالطبع فالتمييز والعنصرية لا تحتاجان لقانون للاستمرار.

لذا فمع أن القانون ينص على أنهم مواطنون كغيرهم فالنظرة الدونية والتمييز ضدهم في مجال الحصول على الوظائف والزواج من الآخرين وحتى التعليم استمرا لمدة طويلة من الزمن، وحتى الوقت الحالي لا تزال بعض بقايا هذا التمييز موجودة وبقوة.

على الرغم من أن إصلاحات الحكومة اليابانية حررت البوراكمِن من أن يكونوا معتبرين قانونياً أدنى من البشر، فعلى الصعيد الاقتصادي على الأقل فقد تسببت الإصلاحات بضرر كبير نسبياً، فالنظام الطبقي كان قد أتاح للبوراكمِن ما يشبه الاحتكارية على بعض الحرف والمجالات التي لا يجوز أن يقوم بها المواطنون من الطبقات الأخرى، وزوال النظام الطبقي أدى إلى كسر هذا الاحتكار وخسارة الكثير من العائلات للأفضلية الاقتصادية التي حققتها.

شهدت الحقبة التالية للإصلاحات الكثير من الانفتاح نحو الثقافة الغربية على الصعيد الاقتصادي على الأقل، وكون الكثير من البوراكمن قد فقدوا أفضليتهم في مهنهم؛ كانت المراهنات والمقامرة أمراً جذاباً للغاية كما ذكرنا في الفقرة السابقة، وكانت النتيجة هي الاتجاه نحو الجريمة المنظمة لاحقاً.

الحركات الحقوقية للبوراكمن

منظمات البوراكمن المطالبة بالمساواة

أعضاء من إحدى منظمات البوراكمن المطالبة بالمساواة والحصول على حقوق وفرص متكافئة مع بقية الشعب.

بدأت أولى الحركات الحقوقية لهذه الفئات المهمشة منذ وقت مبكر في القرن العشرين، حيث تم تأسيس حركة ”اتحاد المطالبين بالمساواة في اليابان“ منذ عام 1922، وعلى الرغم من الانقسامات العديدة ضمنه مع ظهور اتجاهات قومية وأخرى بلشفية أو ديموقراطية اجتماعية وحتى أناركية، فقد تمكنت هذه المنظمة من الاستمرار حتى نهاية الثلاثينيات مع أن مطالبها لم تتحقق بسبب مساعي الحكومة اليابانية لتحجيمها وتجاهل مطالبها حتى، ومع الحرب العالمية الثانية توقفت هذه النشاطات حتى الفترة التالية للحرب.

في الفترة التالية للحرب نشأ ”اتحاد تحرير بوراكو“ الذي نجح بحصد تأييد كبير من البوراكمن والأحزاب اليسارية وبالأخص الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في اليابان، وبالوصول للستينات والسبعينات نجح بالضغط على الحكومة لإجراء إصلاحات كبيرة منها تمرير قانون لمساعدات حكومية لتأهيل مناطق البوراكمن وتحسين الخدمات فيها، كما تم حظر استخدام المحققين الخاصين للبحث في أصول العائلات للأشخاص ضمن محاولة لتقليل التمييز في حالات الزواج والتوظيف في الشركات، حيث كان من الشائع الاستعانة بمحقق خاص للتأكد من ”نقاء سلالة“ طالب الزواج أو طالب التوظيف قبل اتخاذ القرار.

واحدة من الحالات الأشهر ضمن فترة نشاط الحركات الحقوقية كانت اكتشاف كتاب سري ممنوع مكتوب بخط اليد ومكون من أكثر من 300 صفحة يفصّل مناطق سكن البوراكمن من أسماء الأحياء ومواقعها وأسماء العائلات القاطنة فيها وغيرها من المعلومات، حيث كان الكتاب يباع عبر خدمات البريد وبشكل غير مباشر للشركات والعائلات المحافظة لاستخدامه وتجنب ”عار توظيف أو تزويج شخص من البوراكمن“.

ووفق اتحاد تحرير بوراكو فبعض من أكبر شركات اليابان كانت متورطة بشراء هذا الكتاب مثل Toyota وHonda وNissan وDaihatsu، وعلى الرغم من أن الكتاب قد حظر تماماً عند اكتشافه، فهناك العديد من الحالات التي تم اكتشاف شركات لا زالت تقوم باستخدامه وفي بعض الحالات بعض العائلات كذلك.

ماذا عن الوضع حالياً؟

ألا تزال حياء البوراكمن تبدو بشكل أفقر بكثير ومع بنى تحتية أسوأ بمراحل من الأحياء اليابانية الأخرى.

واحدة من المقولات التي لم أستطع أن أجد مصدراً يحدد قائلها هي: ”إذا أردت أن تدمر فئة من الناس، خذ منهم مستقبلهم“، وكما العديد من الفئات التي تعرضت للاضطهاد والعنصرية عبر الزمن فالأمر ينطبق على البوراكمن إلى حد بعيد، فمع أن عالم اليوم لم يعد كما السابق عنيفاً بشكل ظاهر ومباشر ضدهم، فالأمر لم ينتهي في الواقع بمساواتهم بالحقوق أو حتى بكون الكثير من اليابانيين حالياً لم يعودوا يهتمون للتقسيمات الاجتماعية السابقة، فآثار ما تعرضوا له عبر السنوات لا تزال موجودة كما العديد من الفئات المهمشة بشكل أوضح ربما في المجال الاقتصادي.

لا يزال اليوم المنحدرون من سلاسة البوراكمن يعيشون (أو على الأقل نسبة كبيرة منهم) ضمن الضواحي الفقيرة المحيطة بالمدن، هذه الضواحي شبيهة إلى حد بعيد بالاختلافات التي تلاحظ بين أحياء البيض والسود في بعض مدن الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فهي أشبه بمناطق عشوائية مع خدمات أسوأ وأمان أقل واهتمام حكومي أدنى بكثير من المناطق المحيطة، هذه الظروف تجعل أبناء هذه الطبقة محرومين من العديد من الميزات التي يلاقيها نظرائهم الآخرون، ففقرهم المدقع يحد من قدرتهم على الوصول لمراتب تعليمية عالية أو الحصول على وظائف ذات أجور عالية، وغالباً ما يجدون أنفسهم عالقين في حلقة مفرغة من كون فقر أهلهم يورث بهم ولاحقاً يورث لأبنائهم وأحفادهم.

حالياً لا يزال المنحدرون من البوراكمن أفقر بشكل ملحوظ من أقرانهم، ويمتلكون فرصاً في الحياة أقل بكثير، ولتحقيق النجاح فهم غالباً يجب أن يبذلوا جهداً أكبر بكثير من أقرانهم من الفئات الأخرى لتجاوز العائق المادي من ناحية والعائق الاجتماعي الذي لا يزال موجوداً في اليابان، فحتى مع كون العنصرية باتت أمراً قديماً فالنظرة للمختلف ليست إيجابية، فحتى المقيمون في اليابان من أصول كورية أو صينية ينظر لهم بشكل أدنى وعلى أنهم أجانب، حتى لو كانوا قد ولدوا في البلاد وأجدادهم هاجروا منذ أجيال عدة إليها.

في النهاية يمكن تشبيه قصة البوراكمن للعديد من قصص الفئات المنفية حول العالم، فالضغط الكبير لأسباب اجتماعية أو دينية أو عرقية دائماً ما يترك فئات مهمشة تعيش على حافة المجتمع، وتستمر بالمعاناة لأجيال عديدة حتى بعد التوقف عن التمييز ضدها نتيجة الظروف السيئة الموروثة، والتي غالباً ما تشكل فخاً من الصعب الهروب منه بسهولة.

عدد القراءات: 61٬648