اجتماعيات

جمعتنا الموسيقى ولم تفرّقنا الأديان..

في صغري، كنتُ أرى حين يأتي موعد ”حصة الدين“ كيف يخرج التلاميذ المسيحيون من الفصل ونبقى نحن في غرفة الدراسة، لينفرد بنا مُعلّم اللغة العربية – الذي عادةً ما يُدرّس التربية الدينية الإسلامية – ويقصّ علينا قصصاً تثير الرعب في نفوسِنا وترهبنا.

لم يفكّر يوماً أيّ من المعلّمين على مدار 11 عاماً تلقّيتُ فيها مادّة التربية الدينية أن يحرّك بداخلنا دافعَ المحبة أو الرغبة في فعل أيّ شيء خيّر لأجل الخير، أو أن نحب زملاءنا الذين يتركون غرفة الدرس ويخرجون. بل أكثر من ذلك، فرضَ علينا أحدُ المعلّمين في سنة من السنوات ارتداءَ الحجاب، كنوعٍ من تقريب الفكرة لأذهاننا حتى نعتاد ونحب الحجاب. كان ذلك في الصف الرابع الابتدائيّ، أيّ كان عمري وقتها لا يصل إلى عشر سنوات!

بالرغم من كوننا في مدرسة من الطراز الرفيع، وتعلّمُ اللغات والمواد العلميّة باللغة الإنجليزية وتحظى برقابةٍ لا بأس بها، لم يفكّر أيّ من المشرفين أو مديرة المدرسة في سؤال أيّ تلميذٍ في أيّ مرحلة عمّا يُقال له في ”حصة الدين“، سواء المسيحي أو الإسلامي.

لكُم أن تتخيلوا ما يحدث في المدارس التي لا يوجد فيها رقابة تُذكر. لن أقول هنا إلّا ما كان يُقال لنا لأنّي لا أعرف بالضبط ما كان يُقال لزملائي المسيحيين، ولكن نستطيع أن نخمّن إذا نظرنا برويّة إلى الحال التي وصلنا إليها، حين نكيل التُهم والسباب لبعضنا على صفحات التواصل الاجتماعي ونصدر أحكامنا المُطلقة على بعضنا البعض حسب دياناتنا، وننسى تماماً أنّ كل ديانة في وقت سطوع قوّتها قد نكّلت بكل من كان يطالب بالتصالح والإخاء وفصل الدين عن الدولة وجعل المحبة والعلوم والفنون هي المقياس والمُحرّك الأوحد لنا، ولنا في ما فعلوه بـ”هيباتيا“ و”الحلاج“ وغيرهم أوضح مثال.

كل عام دراسيّ كانوا يبنون سوراً آخر لتزداد تلك الأسوار حولنا دون سببٍ نفعله، كانوا يصوّرون لنا أنّ الآخر عالمٌ خفيٌّ لن نستطيع سبر أغواره ولن نعرف ما يحيكوه ضدنا لأنهم يريدون إذلالنا وهدم ديننا ويخططون لذلك، وحين تأتيهم الفرصة لن يُبقوا على أحدٍ منّا. كان هنالك شعور خفيّ بيننا وبين زملائنا المسيحيين باللّاطمأنينة، فهم يخافوننا ونحن نخافهم.

من دواعي السخرية أنّنا كنّا نعتقد إذا قرأ أيّ منّا في كتاب الآخر الخاص بالدين فإنّه سيصبح على هذه الديانة! وهي مأساةٌ ما بعدها مأساة كما تعلمون! ورغم كل ذلك كان ثمّة استثناءات رائعة، كنّا وكأننا نختلس تلك اللحظات الصافية التي أتقاسم فيها ”القُربان“ مع صديقتي وأحضر أنا ”الشوكولا“ لنأكلهما معاً أو نروي لبعضنا القصص الحلوة، وكانت هناك من تقول لي ”أين هي المشكلة إذا قرأتُ كتابك وقرأتِ كتابي؟“ لأقول لها ”ليس ثمة مشكلة من الأساس حسب علمي“ لنجلس سوياً ونتباحث في الأمر ونقرأ ونفسّر لبعضنا البعض.

رأيتُ الكثيرين ممّن يتشدّقون بالانفتاح على الآخر، وحتى طريقة اللبس والتصرفات في منتهى الحرية ويزيدون الكلمات الإنجليزية على كلامهم حتى يظهروا بهيئة المتحضّر، ولكن حين يأتي الأمر إلى ”الآخر“ الذي لا يعتنق ديننا أو حتى لا يعتقد بأيّ دين تجدهم أشدّ أصوليّة من الأصوليين، ودمويين على استحياء، يرون القتل والسحل حلالاً لكل من يخالفنا، سواء في المذهب من داخل الدين أو من الدين نفسه، وبالطبع حسب هذه القاعدة فإنّ الملحدين لهم النار دنيا وآخرة.

جمعتني صداقةٌ منذ ستّ سنوات وأكثر بصديقتي ”ميرنا“ اللبنانية المسيحية، هذا هو اسمها ولم استخدم اسماً مستعاراً لأنها حقيقة وأجمل من أيّ حقيقة، لنجد أنفسنا نحتفل بكل الأعياد معاً، ونسخر من كل هؤلاء معاً، ونقضي الساعات الطويلة في الحديث وكأننا أخوة أشقّاء لا يفصل بيننا لا الجغرافيا ولا الجنسيات ولا الأديان.

تفاجئني في يومٍ تبعث لي فيه بصورة لورقة مكتوبٌ عليها اسمي ضمن أسماء أخواتها لتُقرأ في الصلاة وليدعو لي المصلّون. وأفاجئها أنا بتسجيل صوتي أغنّي لها ترنيمة ”المجد لك“ التي تحبها. نعيش تفاصيل كل شيء في حياةِ كلّ من الآخر دون أن ننتبه حتى لأيّ اختلاف؛ لأنه لا يوجد اختلاف من الأصل.

أصبحَت بمثابة أبنة ثالثة لأمّي، تسرد لها مشاكلها وتتحدّث معها لساعات وتحبّها أمي وتعزّها كما تحبّنا، وحين تغيب تسأل عنها وتعاتبني أمّي حين تعرف بانشغالي أو انشغالها واهمالنا لعلاقتنا.

أرسل سلامي لوالدها وأخواتها ويرسلون محبّتهم وسلامهم لي وأتحدّث مع كل من حولها، ويعرفني الجيران والأصدقاء ويعرفها كل معارفي. وكأننا أبرمنا أتفاقاً ضمنياً بأن نروي قصة صداقتنا لكل من نعرفه لينتهجوا نهجنا.

جمعتنا الموسيقى وتحديداً حبّنا ل”فيروز“، ندندن معاً ونتمعّن في معاني الكلمات والموسيقى والتراكيب. تطلب منّي غناء هذه الأغنية وذلك الموشّح، غير عابئتان بما يحدث خارج إطار هذه الدائرة فهي فقط للأخوّة والصداقة التي ستطول مدى أعمارنا وسنعلّمها لأبنائنا وبناتنا، انتفت الحساسيات والحذر في أحاديثنا من الأساس وباتت تحكُمنا المحبّة والودّ الخالص، صارت جزءاً من ذكرياتي وفرداً من أسرتي وصرتُ أختاً لها لم تنجبها أمها.

أجد كلّما مرّت السّنون أنّ هذا هو الصحيح، الذي لا يمكن أن ينافيه كل هذا الكمّ من الكراهية العمياء أو التعالي لأنّ أحدهم يتّبع الدين أو المذهب الذي يراه عين الصواب دون غيره من 4200 ديانة حول الأرض! كل ما أحلم به هو ترك الاعتقاد لكل شخص كيفما يشاء ولنتعايش دون نفاقٍ أو مداهنة أو من باب ”الصدقة“، نعم هناك من يتعاملون على استحياء مع غيرهم من الذين ليسوا على الديانة نفسها من باب الصدقة لأنهم ضمنوا الجنة والجزاء الحسن والآخرون هالِكون لا محالة.

أتمنّى أن يأتي اليوم الذي يكون سؤال ”ما دينك؟“ غير مطروحٍ من الأساس كما كُنا من قبل. أن توحّدنا إنسانيّتنا فقط. لا جنس ولا دين ولا لون ولا جنسيّة، فليس هناك فضلٌ لأحدٍ منّا على غيره، وإذا فعلنا خيراً يكُن من إحساسنا بأنّنا إذا لم نفعله لن نحترم أنفسنا وسنشعر بأنّ هذه الأرض لن تحتمل وطأ أقدامنا المتخاذلة عن فعل الخير ودعم الحق والإنسان.

عدد القراءات: 493

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.