اجتماعيات

ثالوث الشر: الوكلاء الحصريين لشؤون الربوبية

ثالوث الشر
mm
إعداد: غياث عباس

الكلام عن ثالوث الشر لا يعني على الإطلاق وجود ثالوث الخير، كما أنه ليس الشر الوحيد في العالم، إنما أخص الكلام هنا حول الأنظمة الأكثر شرا في الشرق الاوسط، فكانت ثلاث بمحض الصدفة، وذلك بناء على معطيات الواقع السياسي، والآليات الإحترافية في صناعة الشرور في المنطقة وحول العالم.

وكما تؤشر تلك المعطيات أن الأمل ضعيف للغالية بأن تتحول تلك الأنظمة إلى كيانات طبيعية. هذا المقال لن يدخل في التفاصيل التاريخية التي لا تخلو من تحيز، لذا سيكتفي في اشتقاق معطياته من العموميات الكافية لتوضيح الصورة الكلية.

حكومة الرب

منذ سنة 1898، عقد الحلف التأسيسي بين رجال المال والحاخامات لتشكيل المنظمة الصهيونية في بال سويسرا لتقرر مصير يهود العالم، وحشرهم في منظمة سياسية إلى يوم اللقاء على الأرض الموعودة في فلسطين، الذي تقرر طرد أهلها وتوطين يهود العالم بناء على الوعود التوراتية أسستها ميثولوجيا العهد القديم حتى إعلان دولة اسرائيل 1948، في أضخم عملية سطو في القرن العشرين.

وبعد سنوات قلائل تعاونت السي أي أي بطلب من الاستخبارات البريطانية على تدبير انقلاب ضد حكومة مصدق والتجربة الديمقراطية الوليدة بعد أن حاول هذا الأخير مراجعة الاتفاقيات النفطية، وبذلك تخصبت الأراضي الايرانية لنمو الأصولية الدينية ولا سيما نظرية ولاية الفقيه، التي تعني الوجوب الشرعي على الأمة الاسلامية تقديم الطاعة والولاء للفقيه الأعلى نائب الإمام في أرضه وخليفة الله في العباد، إلى أن نجحت الثورة الاسلامية سنة 1979 بقيادة خميني في استكمال الحزام الأخضر حول الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي ذات المرحلة التاريخية كانت قد اكتملت الحلقة الأخيرة من تحالف آل سعود زعماء الأصولية الوهابية على أن يتعهد آل سعود بالحفاظ على السلفية الدينية دينا رسميا للدولة، إلا أن المملكة لم تكتمل سياسيا حتى الانقلاب على الملك سعود 1969 وتولي فيصل، وهذا الأخير لم يدم طويلا بعد استعمال النفط سلاحا في حرب 73 فأردي قتيلا فكان خالد الذي أسس مجلس التعاون الخليجي وتنظيم القاعدة وترك شؤن النفط لصاحبه.

وبذلك تأسست ثلاث كيانات لاهوتية إحداها تحقق الدولة التي وعد الرب، وثانيها تقيم دولته المفقودة، ثالثها تقوم على عهد حماية شريعته من التحريف والتزوير.

سيوف الرب

وقع تأسيس دولة إسرائيل كالكارثة على رؤوس اليهود العرب الذي بلغوا المليون في مطلع القرن العشرين، في الوقت الذي كان تعداد دولة كسلطنة عمان يقارب الـ500 ألف نسمة، بعد أن عملت الاستخبارات الصهيونية على تجنيدهم لكنها لم تنجح إلا بنسب لا تذكر، بينما نجحت الفاشيات الدينية العربية تحريك مشاعر الكراهية مما دفع الأغلبية العظمية إلى الهجرة غالبا إلى دول أوربة الغربية والولايات المتحدة ولم تختر الاغلبية دولة اسرائيل كمستقر لها.

الأمر الذي عزز مشاعر التخوف والقلق لدى جميع الاقليات العرقية في العالم العربي وبدأت تتشكل النزعات الاستعلائية الأقلوية فيما بدت الدول الغربية بمظهر حامي الأقليات وراعيتها.

وفي خطوة غير مسبوقة أسست إسرائيل ميلشيات تقاتل خارج أراضيها ومن جملتها حزب الكتائب اللبنانية وجيش اللبنان الجنوبي، التي سجلت أفظع المذابح عبر التاريخ في المخيمات الفلسطينية وذلك على هدى ميليشيات الهاجانا والاورغون في دير ياسين وسواها.

ولم تلبث إيران حتى أنشأت ميليشياتها الخاصة أيضا كميلشيات حزب الدعوة العراقي المتورط في تفجير السفارة العراقية في بيروت، وكان من ضحاياها بلقيس زوجة الشاعر السوري نزار قباني، والشيء بالشيء يذكر فإن المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق كان أحد منفذي الهجوم، إضافة إلى حزب الله في لبنان وانصار الله في اليمن وسواها.

وهذه الأخيرة لم تكن إلا وبالا على رؤوس أبناء الطائفة الشيعية العرب ولا سيما الأغلبية التي لا ناقة لها في ذلك الجنون ولا جمل، فلا يمر يوم واحد إلا تدوي الانفجارات في أحد مساجدهم أو أسواقهم، ولا يمر يوم إلا عن قرية شيعية تحاصر من ميلشيات سعودية وأخرى تقصفها وثالثة يختطف أهلها، ولا تكف المكنة الإعلامية الإيرانية عن التحريض الديني الطائفي لعرب ضد عرب آخرين ولدوا على المذهب الخطأ.

بينما بدت المملكة الأكثر قدرة على بناء المليشيات الدولية وقد سبق ذكر تنظيم القاعدة لمناهضة الاتحاد السوفييتي سابقا، كما تعد المملكة الداعم الأساسي للميلشيات المقاتلة على الأراضي السورية بما فيها الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وهذه الأخيرة لا تتردد في تأسيس فرع لتنظيم القاعدة ودعمه في أي دولة تتخيلها عدوا، بل وزجت المملكة مع حلفائها القطريين السنة العرب في حرب كراهية لا تنهي، فحسب آخر الاحصائيات أن 80% من المكنة الاعلامية العربية يقف ورائها داعمين خليجيين، كما لا تكف الاستخبارات السعودية عن شراء ذمم الاعلام المستقل وذلك حسب تسريبات وكيليكس.

فلم تلبث الخارطة الجديدة أن تضع أوزها حتى انجر المشرق العربي دينيا شيعة وسنة ويهود وعرب وكرد وأمازيغ وسريان وقبط ..إلخ جراء ماكنة الرعب الاعلامية التي تقودها مراكز الشر الجديدة.

وصاية الرب

لم تكف اسرائيل عن شعورها بالوصاية على يهود العالم حتى أولئك المناهضين للحركة الصهيونية لم تتوانى الدعاية الصهيونية وتجريمهم بمعاداة السامية حتى قبل التأسيس، ولعل أشهرهم مؤسس التحليل النفسي سغموند فرويد حتى تروتسكي وسواهم الكثير.

وكما لا تخفى دلالات اللقب الذي قلد به مرشد الثورة الاسلامية نفسه به (ولي أمر المسلمين) فقد أعطت النظرية اللاهوتية له الولاية العامة على الشؤون الشخصية لكل شيعة العالم، بما فيها الولاية على أموالهم وارواحهم، واستتباعهم كرعية شرعية للقائد الأعلى وظل الرب على أرضه.

وفي سياق التقلد بالألقاب اللاهوتية فلم ينتظر عبد الله حتى رد بتلقيب نفسه بـ(خادم الحرمين الشريفين) الذي شحن سلطته الزمنية بطاقة لاهوتية عالية الرمزية مستمدة من مركزية الحرمين في الذهنية العربية عموما، كما دأبت الدعاية السعودية على تقديم السلطان كراعي رسمي لتسيير شؤون القداسة، والبطل المعظم (super hero) المنافح عن مصالح أهل السنة والجماعة.

وطبعا كل ما سبق ليس سوى بالونات فارغة، فأبناء الاديان المذكورة أعلاه فضلوا الموت غرقا هربا من سلطانهم، وقدموا أجسادهم قرابين في المتوسط، بعد ما عاث ثالوث الشر في العالم العربي فسادا وتخريبا وحروبا، أما تلك الألقاب والدعاية والتحريض ليست سوى مادة للاستهلاك الشعبي، يتلقى قبولا لدى ضعيفي الادراك..

فلو اجرينا إحصاء سريعا لضحايا الكراهية الدينية التي يقودها ثالوث لشر، لفاق العدد أضعافا مضاعفة نسبة لما زعموا أنهم بصدد حمايتهم، بينما لم تستقبل الدول المذكورة أعلاه أي لاجئ واحد ممن فروا من آلة الموت، وأكثر، فإن سير المعارك الدينية كانت قد خططت عن سبق إصرار وتصميم بزج أتباع الديانات في حرب سوداء ومنعهم من الفرار، بمشهد يذكرنا بمسارح الموت الرومانية الهمجية، حين يلقي الملك أحد جنوده في مواجهة حيوان مفترس لمجرد الرغبة في مشاهدة الموت والتلذذ بمشاهد نزع الارواح، الأمر الذي يتقارب بشدة مع احتفاليات دفن الضحايا، ولا يبعد أنه نابع من منشأ نفسي واحد يربط السادية الرومانية والدينية، كما يتضح أن السلطات المذكورة أعلاه غير قادرة على حماية مواطنيها أصلا، بل الحماية مركزة على حماية عروشها المتهالكة بينما تعمد إلى إشعال الحروب الدينية خارج حدودها، وذلك لضعف قدرتها على حماية سلطتها غير الشرعية لا قانونيا ولا اجتماعيا.

مقال من إعداد

mm

غياث عباس

باحث عربي.

عدد القراءات: 2٬949