in

تعرّف على هذه المرأة التي ساعدت نساء روما على تسميم أزواجهن

صورة: Wikimedia Commons

لم يكن أمام نساء إيطاليا في القرن السابع عشر سوى ثلاث طرق تساعدهن على الحفاظ على أجسادهن وأرواحهن معاً وتجنب التحول لراهبات ودخول الدير وهي: التسول أو ممارسة الدعارة أو الزواج، أغلب النساء كن يخترن الزواج ولكنهن عانين من حياة صعبة نظراً لسلطة الرجال العليا في ذلك الوقت، وبما أن الطلاق لم يكن مسموحاً فكان عليهن التحلي بالصبر والخضوع لإرادة أزواجهن وبذل جهد مضاعف لإرضاء رغباتهم لتجنب المعاملة السيئة.

وهكذا قضت معظم النساء حياتهن بالدعاء والصلاة لعل وعسى يغير الزوج الظالم من أسلوبه، كما كن يدعين لربهن أن يخلصهن من عذابهن ويترملن في سن مبكر، ولكن البعض منهن لم يكتف بالدعاء فحسب بل حاولن قتل أزواجهن، حيث كن يتعاملن مع امرأة تدعى (جوليا توفانا) التي كانت تتاجر بمستحضرات التجميل وأُطلق عليها لقب ”ملاك الخلاص” وذلك بسبب مساعدتها للعديد من النساء على تحرير أنفسهن من اضطهاد أزواجهن عبر تسميمهم بسم سُمي على اسمها “أكوا توفانا”، وعندما تم القبض عليها اعترفت بأعمالها التي سببت صدمة كبيرة للمجتمع في ذلك الوقت بعد أن علموا أنها المسؤولة عن موت أكثر من 600 رجل!

معلومات عن هذه المرأة المُسمِمة

جوليا توفانا. صورة: Wikimedia Commons

على الرغم من سجل (جوليا توفانا) الحافل بقتل الرجال، إلا أن سجلات التاريخ لم تكشف لنا سوى القليل من المعلومات عن طفولتها وعائلتها وشبابها، حيث يُقال إنها كانت امرأة جميلة بشكل استثنائي تماماً مثل والدتها (ثوفانيا دي أدامو) ولكن للأسف لا يوجد صور توثق لنا صحة هذه المعلومة.

ما هو معروف هو أن (توفانا) قد ولدت ونشأت في صقلية، كما تم إعدام والدتها التي كانت تعمل في مجال صنع العطور ومستحضرات التجميل والأدوية العشبية في مدينة باليرمو يوم الـ 12 من شهر يوليو سنة 1633، بعد إدانتها بجريمة قتل زوجها (فرانسيس أدامو) الذي لم يكن من المعروف ما إن كان قد مات مسموماً ولكن جميع الاحتمالات تشير إلى أنه مات مسموماً، وبعد ذلك امتهنت (توفانا) مهنة والدتها بعد أن أبدت اهتماماً كبيراً بصنع المستحضرات التجميلية والأعشاب الطبية في سن مبكر.

اشتهرت (توفانا) باختراعها لسم حمل اسمها ”أكوا توفانا“ إلا أن بعض المصادر تشير إلى أنه ربما قد يكون من ابتكار والدتها التي أعطت الوصفة لابنتها، ولكن في كلتا الحالتين تمكنت (توفانا) من إتقان صنع هذا السم بشكل سري تحت غطاء مستحضرات التجميل، كما كانت تعبئه داخل قوارير صغيرة تحمل صورة (مانا القديس نيكولاس من باري)، وأغلب زبائنها كن نساء رغبتهن الوحيدة إنهاء زيجاتهن بأسرع طريقة ممكنة والترمل.

كانت (جوليا توفانا) امرأة أرملة شابة عندما بدأت بالترويج لسمها للمرة الأولى، حيث يُعتقد أنها قد اختبرت وصفتها الأولى على زوجها وقتلته، وكان لديها ابنة منه تدعى (جيرولاما سبيرلا) التي اتبعت خطى والدتها أيضاً، أي أن صنع السموم وبيعها أصبح أشبه بمهنة العائلة، وبقيت هذه المهنة سراً بين الأم وابنتها لعقود من الزمن، حيث تنقلتا في إيطاليا من باليرمو إلى نابولي أولاً ثم من نابولي إلى روما.

معظم عملاء (توفانا) كن من النساء اللواتي يردن التخلص من أزواجهن ولكن ليس جمعهن، حيث اعترفت (توفانا) ببيع سمها لرجال ونساء استخدموه لحل خلافاتهم العالقة أو للقضاء على المنافسين التجاريين والرومانسيين أو كوسيلة للانتقام، أما بالنسبة للنساء اللواتي قتلن أزواجهن فلم يكن الدافع سوء المعاملة فحسب بل كن يقتلن أزواجهن طمعاً بالميراث، ففي الكثير من الأحيان كان يُستخدم السم في إيطاليا لتسريع عملية الحصول على الميراث ولذلك أُطلق عليه اسم ”جرعات الميراث“.

السم المثالي

نبتة البيلادونا، أو ست الحسن. صورة: Wikimedia Commons

كل ما نعلمه عن هذا السم المثالي هو أنه سائل عديم اللون والطعم والرائحة ومصنوع من ثلاث مكونات أساسية وهي: نبتة البلادونا والزرنيخ والرصاص، ولكن ما نجهله هو طريقة مزج هذه المواد لكي نحصل على سم ”أكوا توفانا“ الذي كان من الصعب معرفة ما إن تمت إضافته للماء أو للنبيذ نظراً لكونه سائل عديم اللون والطعم والرائحة كما ذكرنا مسبقاً، كما أننا نعلم أن بضع قطرات منه مقسمة على عدة جرعات كفيلة بقتل الضحية.

بمجرد دخول السم للجسد، تظهر أعراضه بشكل بطيء والتي تكون شبيهة بأعراض الموت الطبيعي، فمثلاً أعراض الجرعة الأولى من السم مماثلة لأعراض نزلات البرد أما أعراض الجرعة الثانية فهي شبيهة بأعراض الإنفلونزا، وعند تناول الجرعة الثالثة يبدأ الشخص بالشعور بألم في معدته إلى جانب الإسهال والجفاف والإقياء، ثم يأتي دور الجرعة الرابعة التي تتسبب بموت الضحية.

كان يعتبر سم (أكوا توفانا) السم المثالي لتنفيذ الجريمة المثالية نظراً لحالة المعرفة الطبية في ذلك الوقت، حيث لم يكن من الممكن اكتشاف وجود السم في فحص ما بعد الوفاة بالإضافة لأعراضه المشابهة لأمراض أخرى، كل هذه الأشياء ساهمت بتشكيل الغطاء المثالي لهذا السم الذي تسبب بموت الكثيرين لأسباب لم يتمكن الأطباء من معرفتها بسهولة.

وصفت إحدى الصحف هذا السم: ”قامت ميديا بدس الجرعة الأولى من السم في شراب زوجها الشاي أو النبيذ أو أي مشروب آخر وعندها شعر زوجها بالقليل من الضعف والوهن ولكن لم يتم استدعاء الطبيب، زاد شعور الضعف لدى الزوج بعد تناوله الجرعة الثانية من السم…سيطر شعور القلق والخوف على ميديا الجميلة مما جعلها بعيدة كل البعد عن الشك، وعندها تمكنت من دس الجرعة الثالثة في طعام زوجها الذي كانت تعده بحسب تعليمات الطبيب الذي شعر بالحيرة عند رؤيته أن مريضه لم يتعاف على الرغم من تناوله دوائه، وفي وقت كان زوجها ينازع الموت قامت ليديا بإعطائه الجرعات الأخرى إلى أن وجد الموت طريقه إليه“.

كانت الزوجة تطالب بفحص جثة زوجها لإبعاد الشكوك عنها ولحماية سمعتها، وعندما تظهر نتائج الفحص التي لم تكشف السم ستظهر الزوجة بمظهر البريئة أمام أقاربه وخاصةً أن زوجها قد مات دون إصابته بأي التهاب أو حمى أو تشنجات، وبعد مرور عام أو اثنين ستتمكن الزوجة من الدخول بعلاقة مع رجل آخر ولن يتمكن أحد من لومها ولكن شعور الذنب سيلاحقها لكونها تحمل اسم الرجل الذي يتهمها أقاربه بتسميمه.

السقوط والإرث

كان الحذر أمراً بغاية الأهمية بالنسبة لـ (توفانا) نظراً لعملها في مجال صناعة السموم وبيعها، حيث كانت تبيع سم “أكوا توفانا” لأشخاص من طرف عملائها السابقين بالإضافة لأولئك الذين ارتكبوا جريمة قتل باستخدام سم (توفانا)، أي أنهم بموضع خطر حالهم كحالها مما يجعلهم بحسب تقديرها موضع ثقة مطلقة.

كانت تعمل (توفانا) بشكل منفرد ثم انضمت إليها ابنتها الأمر الذي ساعدهما على العمل بشكل متخفي وإبعادهما عن دائرة الشكوك، ولكن كل هذه السرية قد ذهبت مع الريح بسبب امرأة كانت قد اشترت سم ”أكوا توفانا“ ووضعته داخل حساء زوجها ولكن في اللحظة الأخيرة بدأ ضميرها بتأنيبها وسحبت الحساء من بين يدي زوجها الأمر الذي أثار شكه وأجبر زوجته على قول الحقيقة، ثم قام بأخذها إلى السلطات البابوية للاعتراف بفعلتها وإخبارهم عن مصدر السم، ولكن لم تتمكن السلطات من إلقاء القبض على (توفانا) على الفور حيث تمكنت من الهرب إلى كنيسة قديمة وطلبت الاحتماء بداخلها.

لم تدم فترة تواجدها داخل الكنيسة لفترة طويلة بعد أن انتشرت شائعة في جميع أنحاء أوروبا بأنها قد سممت إمدادات مياه المدينة، لذلك اقتحمت مجموعة من الغوغاء الكنيسة وألقوا القبض عليها ثم قاموا بتسليمها إلى السلطات البابوية التي استمرت بتعذيبها إلى أن اعترفت بتسميمها لأكثر من 600 رجل بين عامي 1633 و1651، وفي شهر يوليو من عام 1659 تم إعدام (جوليا توفانا) وابنتها (جيرولاما سبيرلا) وثلاثة موظفين آخرين في ساحة كامبو دي فيوري في روما، ثم أُلقيت جثتها فوق حائط الكنيسة التي فتحت أبوابها لها والتجأت بداخلها، كما تم إعدام بعض من زبائنها وشركائها، في حين تم وضع الآخرون داخل زنزانات قصر المكتب المقدس، والبعض الآخر تمكن من الهرب.

من الممكن أن يكون عدد ضحايا (توفانا) مبالغاً به نظراً للتعذيب الذي تعرضت له أثناء التحقيق، حيث يمكن للشخص تحت التعذيب أن يعترف باقترافه أشياء لم يفعلها على أمل أن ينتهي كابوس التعذيب هذا، فنظراً للكثير من الأدلة التي تدينها والاعترافات التي تم سحبها من أفواه أشخاص تحت وطأة التعذيب فمن المحتمل أن تكون (جوليا توفانا) امرأة بريئة، ربما كانت مجرد امرأة تهوى صنع مستحضرات التجميل في وقت كانت أوروبا مهووسة بالبحث عن الساحرات والقضاء عليهن.

لوحة بعنوان “الساعات الأخيرة لموزارت” بريشة الفنان هنري نيلسون أونيل. صورة: Wikimedia Commons

بقي إرث (توفانا) حياً حتى وبعد موتها بفترة طويلة، ففي عام 1791 أُصيب الملحن الشهير (أماديوس موزارت) بمرض خطير وكان مصراً أن أحدهم قد سممه، حيث قال: ”لن أبقى حياً لفترة طويلة، أنا متأكد أنني قد سُممت، لا يمكنني التخلص من هذه الفكرة، أحدهم دس سم أكوا توفانا في طعامي وحسب موعد وفاتي بدقة“، ولكن كان (موزارت) مخطأً حيث يعتقد المؤرخون أنه توفي إثر إصابته بحمى الروماتيزمية أو الزهري أو أنه تناول لحم الخنزير الغير مطهو جيداً.

كان جنون الارتياب يسيطر على (موزارت) وعلى الكثيرين ممن أصابهم المرض في تلك الفترة، مما جعلهم يشكون بصحة التشخيص الطبي، يشير هذا الخوف والشك إلى أن الرعب الذي تسببت به (توفانا) لم يمت بموتها.