in

عندما كان الإغريق والرومان قديماً يتحكمون في النمو السكاني، كلٌ حسب احتياجاته

كانت الدول-المدن في اليونان قديماً كثيراً ما تجد نفسها في مواجهة بعض المشاكل التي تعانيها المجتمعات الحديثة في يومنا هذا، ومن بين هذه المشاكل كانت محدودية الموارد التي لم تكن دائما متاحة. تطورت جميع هذه المدن-الدول على اقتصادات زراعية بالدرجة الأولى، وكما يعلمه الجميع تتطلب الزراعة الأرض، ولم تكن هنالك من فرص كبيرة في التوسع في هذا المجال دون اللجوء إلى الحروب والغزوات.

والمشكلة هي أن الغزوات والحروب الناجحة كانت تجلب معها أفواها جائعة إضافية، ومنه بدى واضحاً أكثر فأكثر بالنسبة لكل من الفلاسفة والقادة السياسيين أن الحل الأمثل للحفاظ على الموارد المتاحة هو من خلال حد النسل والتحكم في نمو السكان، وهو ما كانوا يرون فيه ضرورة يجب أن تلتزم بها الدولة.

لوحة عن اليونان القديمة

قال كل من أفلاطون وأرسطو بأنه من واجب الدولة ضمان نجاح المجتمع من خلال التحكم في نمو السكان. كانت هناك في اليونان القديمة حوالي 2000 مدينة-دولة عبر مختلف الأزمنة، وقد توحد الكثير منها ليشكل نوعا من الائتلاف أو الاتحاد، كما خاض الكثير منها حروبا ضد بعضها الآخر ومع مقدونيا وروما، وقد كانت معظم هذه الدول- المدن تقريباً قد مارست شكلا من أشكال التحكم في نمو الديمغرافي في مرحلة ما من تاريخها.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، جمعنا لك عزيزي القارئ بعضا من الطرائق التي اتبعتها المدن-الدول في اليونان وروما قديماً من أجل التحكم في نمو سكانها بهدف ضمان استمراريتها ورفاهية مواطنيها:

1. لم تكن اليونان القديمة ديمقراطية كما يتخيلها الجميع:

لوحة بريشة (رافاييل) عن «مدرسة أثينا»
لوحة بريشة (رافاييل) عن «مدرسة أثينا»

شاع اعتقاد أن أثينا في اليونان القديمة هي من أهدت الحكومة الديمقراطية للأجيال اللاحقة. لقد كان ذلك أول أشكال الديمقراطية يعرفه العالم، لكنه كان عبارة عن ديمقراطية محدودة، حيث لم يكن مسموحاً لفقراء المدينة-الدولة المشاركة فيها، كما لم يكن مسموحاً للعبيد ذلك بطبيعة الحال.

كانت العبودية متفشية في أثينا القديمة، كما هو الحال في جميع المدن-الدول اليونانية قديما، وكان العبيد يخضعون لملكية الأفراد كما قد تملكهم الدولة نفسها. لم يكن مسموحاً للعبيد بالزواج دون إذن من مالكيهم، كما لم يكن مسموحا لهم إنجاب الأطفال حتى لو كانوا متزوجين دون إذن من مالكيهم كذلك، وقد كان التحكم في نمو أعداد العبيد شكلا من أشكال تحديد النسل الذي كانت الدولة تمارسه منذ القدم.

كان بإمكان كل من الدولة والمالكين الخواص منح عبيدهم حريتهم، وغالبا ما كانوا يعدونهم بعتقهم من أجل تشجيعهم وحثهم على الاجتهاد في العمل. لم يكن العبيد المحررون يُمنحون سبيلاً نحو المواطنة، كما لم يكن مسموحاً للعبيد السابقين المشاركة في العملية الديمقراطية.

كان العبيد السابقون يبقون في فئة ”غير المواطنين“، ولم يكن رحيلهم إلى مدن أخرى يساعدهم بشيء في تحسين أوضاعهم. بعد انتهاج أثينا للنظام الديمقراطي، حذت حذوها دول-مدن أخرى وتبنت سياساتها فيما يتعلق بغير المواطنين، وقررت كل منها الحد من بعض حريات الطبقات الدنيا في المجتمع.

2. كان يُعتقد أن بائعات الهوى عامل مهم جدا للتحكم في النمو السكاني:

منحوتة لأثينا قديما مبنية على لوحة فنية بريشة (سامويل مورس).
لوحة لأثينا قديما بريشة (سامويل مورس).

هنالك سبب وجيه لوصف الدعارة على أنها أقدم مهنة يعرفها الإنسان، حيث وصفت بائعات الهوى في الكتاب المقدس في كلا عهديه الجديد والقديم، وفي النصوص القديمة للصين والهند، وتقريباً في جميع السجلات التاريخية والنصوص عبر العالم القديم.

لم تجعل المدن-الدول في اليونان القديمة من هذه الممارسة غير شرعية أو مخالفة للقانون، بل جعلت منها مهنة مرخّصة، ومشرّعة وتخضع للجباية الضريبية من طرف الحكومة. في نفس الوقت؛ كان كل رجل يلقى عليه القبض وهو يعاشر زوجة رجل آخر يعاقب بالموت، بل وينفذ زوج المرأة التي عاشرها هذه العقوبة بنفسه في حالة ما قبض عليهما متلبسين.

كانت بائعات الهوى من كلا الجنسين، ذكوراً وإناثاً، على الرغم من أنهن كن إناثاً على الغالب، وقد مارست النساء اللواتي احترفن هذه المهنة العتيقة وسائل منع الحمل، باستخدام بضعة حشائش وأعشاب وطرائق أخرى لمنع وقوع الحمل من أساسه.

وتماما مثلما جميع جوانب الحياة في المدن-الدول اليونانية القديمة، قُسّمت بائعات الهوى على طبقات، وتمت معاملتهن بناء على هذا التقسيم. كان السياسي الأثيني (سوسن) أول من وضع بائعات الهوى في مقرات خاصة بهن أسماها ”بيوت البغاء“، وهو إجراء اتخذه من أجل الحد من كل من الأمراض المتناقلة وكذا حالات الحمل غير المرغوب فيه.

وقد اعتبر تأسيس بيوت الدعارة في أثينا جزءا من الديمقراطية في هذه الدولة، وقد دعي أفراد مختلف طبقات المجتمع من أجل استخدامها بدون خشية أن تلحقهم وصمة العار أو أن يوصفوا بغير الأخلاقيين على ألسنة مواطنيهم.

3. كان بإمكان كل من المواطنين وغير المواطنين امتلاك بائعات الهوى:

لوحة (لايس أوف كورينث) بريشة (هانس هولبين الأصغر). لقد كانت (لايس) بائعة هوى يونانية مشهورة يقال أنها كانت أجمل امرأة في أيامها.
لوحة (لايس أوف كورينث) بريشة (هانس هولبين الأصغر). لقد كانت (لايس) بائعة هوى يونانية مشهورة يقال أنها كانت أجمل امرأة في أيامها.

كان في قدم السلم الاجتماعي الذي قسم بائعات الهوى رجال ونساء يملكهم ما يسمى بـ(بورنوبوسكوس)، أو ”القوادون“، الذين كانوا إما رجالاً أو نساء، مواطنين. أو غير مواطنين، والذين كانوا يحصلون على نسبة معينة مما تجنيه بائعات الهوى، في المقابل كانوا ملزمين بدفع ضرائب للحكومة.

كانت بائعات الهوى من هذه الطبقة يعتبرن عبيداً، وكن يتلقين بعض الحماية التي كانت الدولة توفرها للعبيد خصيصاً، ففي أثينا كان من غير القانوني لمالك العبيد أن يضربهم أو أن يسيئ معاملتهم بأي طريقة كانت، وكانت كل بنت تبرّأ منها والدها تصبح عبدة بطريقة آلية بعد أن يتم ”تبنّيها“ من طرف الدولة وأن يتم إجبارها على الإقامة في واحد من بيوت الدعارة المرخّص لها من طرف الدولة أيضاً، وهي المؤسسات التي ازدهرت كثيراً في عدة مناطق من المدن القديمة في اليونان.

4. استخدم اليونانيون في القديم الإجهاض كوسيلة للحد من النمو السكاني:

لوحة بعنوان «موت سقراط».
لوحة بعنوان «موت سقراط».

ورد في كتابات سقراط أن القابلات في أثينا قديماً كنّ يلجأن لعدة وسائل من أجل إجهاض الحمل غير المرغوب فيه. كان المعالجون في اليونان القديمة على علم ودراية بالعمليات الجراحية الخاصة بالإجهاض، لكنهم كانوا يترددون في أدائها وذلك لأن مخاوفهم كانت على حياة الأم، التي كانت تواجه مخاطر يواجهها كل من بصدد الخضوع لعملية جراحية آنذاك، مثل الصدمات، وفقدان الدم، والعدوى. كانت بائعات الهوى أكثر من يزور المعالجين من أجل إجراء عمليات الإجهاض، أي أكثر من النساء المتزوجات أو غير المتزوجات اللواتي حملن، وكان الإجهاض مكفولا من طرف القانون عبر جميع المدن-الدول في اليونان قديماً.

5. كانت مناسك الـ(أمفيدروميا)، تمثل تغيراً في الحالة المدنية للأطفال حديثي الولادة:

سقراط وهو يخاطب أتباعه.
سقراط وهو يخاطب أتباعه.

في أثينا، تُقام الاحتفالات بعد مرور 5 إلى 7 أيام على ولادة طفل جديد، وبعد انقضاء هذه المدة يُمنح الطفل اسماً. كانت العائلات الثرية تقيم الحفلات وهذه المناسك في اليوم العاشر بعد ولادة الطفل، فكان الطفل يقدَّم إلى عائلته وكان الحدث مخصصا للاحتفاء بقدومه.

كانت المنازل تزين بأغصان الزيتون إذا ما كان المولود ذكراً، بينما كانت تزين بالصوف إذا ما كان المولود أنثى. كان توقيت إجراء هذه المناسك والاحتفالات يقف على معتقد يفيد بأن الأطفال الذين يولدون ضعفاء أو مع أمراض لن يعيشوا ليروا اليوم السابع أو العاشر من حياتهم.

بمجرد أن يكتمل الحدث ويُمنح المولود اسمه، ينال هذا الأخير حماية الدولة، وكانت هذه الحماية تختلف من طفل إلى آخر باختلاف الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

كان الوالد هو من يمنح المولود اسمه، وقبل أن يمنحه اسمه، يكون بإمكانه قانونياً التخلص منه من خلال التخلي عنه وتركه خارج المنزل. كانت هناك في معظم المدن- الدول اليونانية قديماً مواقع مخصصة حيث كان الأطفال من المواليد الجدد غير المرغوب فيهم يُتركون ويُهجرون.

ومنه كان بالإمكان ببساطة في اليونان القديمة التخلص من الأطفال غير المرغوب فيهم، وهو ما يُعتبر شكلا قانونيا من الوأد.

بمجرد أن يتم هجر المولود والتخلي عنه، بغض النظر عن السبب الذي دعا إلى ذلك، كان قدره بين أمرين: إما الموت أو في حالة ما كان محظوظاً جدا التبني. كما كان الأطفال المهجورون أمراً شائعاً في الأدب القديم.

6. كان التخلي عن الأطفال المشوهين شكلا من أشكال الحد من النسل، الذي لم يكن حكراً على إسبرطة فقط:

لم تكن ممارسة التخلي عن الأطفال الذين كانوا يعانون من تشوهات خلقية محصورة بين أسوار إسبرطة فقط.
لم تكن ممارسة التخلي عن الأطفال الذين كانوا يعانون من تشوهات خلقية محصورة بين أسوار إسبرطة فقط.

أصبحت مدينة-دولة إسبرطة مشهورة جدا بممارسة التخلص من الأطفال والمواليد الجدد الذين يولدون مع تشوهات خلقية على مستوى الأطراف، أو يولدون مصابين بالعمى، أو يولدون مع أي علامة تدل على ضعف فيهم. وفقاً لـ(بلوتارخ)، كان المواليد الجدد في إسبرطة يقدمون إلى مشايخ المدينة من أجل تفحصهم ومعاينتهم، وكان الأطفال الأصحاء بدون أي تشوهات يعادون إلى أهاليهم مع أوامر بتربيتهم وفقاً للقوانين والأخلاق الإسبرطية، وأما في حالة ما كان المولود يعاني من تشوهات خلقية، كان يتم إرساله إلى ما كان يعرف باسم (آبوثوتي)، وهو مكان يشبه صدعاً عند سفح جبل (تايجيتيوس). بالنسبة للإسبرطيين كان هؤلاء الأطفال عالة على الدولة، ولم يكونوا ليقدموا لها شيئا مقابل عناء تربيتهم.

7. كان كل من أرسطو وأفلاطون يدعم وسائل حد النسل المفروضة من طرف الدولة:

لوحة «أفلاطون وأرسطو» بريشة (رافاييل).
لوحة «أفلاطون وأرسطو» بريشة (رافاييل).

كانت الفلسفة التي دعمها أرسطو هي أنه يجب للحكومة أن تتحكم بقبضة من حديد في النمو السكاني، وقد جادل بأن للدولة مسؤولية ضمان التوازن بين الموارد المتاحة للسكان وتزايد أعدادهم. بالنسبة له، عنت نسبة السكان الكبيرة ضغطا كبيراً على الموارد المتوفرة، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى نقص فيها، وقد تقود وضعية مثل هذه إلى فوضى وسط الشعب، وفقدان الحكومة للسيطرة على الوضع.

كما قال بأن العكس تماما لا يناسب الدولة أيضاً، حيث أن تعداد السكان القليل جدا سيقود إلى إنتاج ضئيل، وهو ما سيكون له أثر وخيم على الاقتصاد والتجارة، كما سيترك الدولة ضعيفة أمام خصومها وعاجزة عن الدفاع عن نفسها.

بالنسبة لأرسطو، كان تحكم الدولة في معدلات الولادات الجديدة ومعدلات الوفيات وإحداث التوازن بينها ضرورة ووظيفة مهمة للغاية.

8. شهد العصر الذهبي في اليونان تغيرات في الحمية الغذائية بسبب النمو السكاني:

كانت (آغنوسيد) قابلة أثينية، وطبيبة نساء، وخبيرة في التغذية.
كانت (آغنوسيد) قابلة أثينية، وطبيبة نساء، وخبيرة في التغذية.

ما أصبح يعرف في أواخر القرن العشرين على أنه «حمية البحر المتوسط» الغذائية كانت له جذور في اليونان القديمة في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد. جعل الضغط المفروض من طرف النمو السكاني المتزايد الأراضي المتاحة للزراعة ضرورية أكثر من ذي قبل من أجل إنتاج المحاصيل الزراعية الموجهة للاستهلاك البشري، ومنه تضاءلت الأراضي المخصصة للرعي على حساب الأراضي الزراعية من أجل زراعة الحبوب، والفواكه، والخضر.

تحولت أنظار المدن-الدول اليونانية في هذه المرحلة إلى البحر من أجل الحصول على البروتينات الحيوانية التي كانت في الماضي تحصل عليها من الماشية، وبينما كان ذبح الماشية والتغذي على لحومها معلماً بارزاً وشائعاً للغاية في الأدب اليوناني القديم، فإنه أصبح غائباً جداً بحلول القرن الخامس قبل الميلاد.

9. كان أفلاطون يعتقد أن التحكم في وتيرة نمو السكان واجب من واجبات الدولة:

ندوات (أفلاطون) بريشة (آنسلم فورباخ)، تظهر اللوحة كيف كان أفلاطون يرحب بضيوفه بمن فيهم سقراط الجالس على أحد المقاعد.
ندوات (أفلاطون) بريشة (آنسلم فورباخ)، تظهر اللوحة كيف كان أفلاطون يرحب بضيوفه بمن فيهم سقراط الجالس على أحد المقاعد.

في كتابه بعنوان «الجمهورية»، عبر أفلاطون عن معتقده بأن النمو السكاني المفرط كان سببا رئيساً في وقوع الحروب، وذلك لأن الأعداد المتزايدة للسكان كانت تستوجب ضرورة توسيع الأقاليم والأراضي لدعمها وكفلها. فاقترح فكرة وضع طبقة حاكمة، التي أطلق عليها اسم (ذا غارديانز)، أو الحارسون، الذين كان يوضع تحت تصرفهم الأملاك العمومية وشؤون الأزواج ليتصرفوا فيها مثلما يناسب الدولة، وكانوا ليفرضوا تقييدات قانونية على التناسل داخل الدولة، ومنه الوصول إلى حالة من التوازن الضروري لضمان التناغم في المجتمع، وكذا الحفاظ على هذه الحالة.

كما كان أفلاطون يعتقد أن الصراع بين طبقات المجتمع وبين مختلف الدول والمجتمعات وحروب التوسع كان لينتهي تماماً، وكانت كل دولة ستصل إلى حالتها من التوازن الطبيعي بتطبيقها لهذا المبدأ.

10. يشير تركيز أفلاطون على حد النسل والتحكم في النمو الديمغرافي على أن المشكلة كانت متفاقمة في اليونان القديمة:

رسم كرتوني فرنسي يتهكم بالفلاسفة اليونان ويظهرهم وكأنهم في مباراة تنس.
رسم كرتوني فرنسي يتهكم بالفلاسفة اليونان ويظهرهم وكأنهم في مباراة تنس.

تعاني السجلات التاريخية في نقص كبير فيما يتعلق بالنمو السكاني في أثينا عبر القرن الرابع قبل الميلاد. كانت (أثينا) في هذه الفترة تسيطر على مدن (أتيكا) الصغيرة، مما جعلها أكبر وأثرى المدن-الدول اليونانية قديماً متفوقة في ذلك على إسبرطة نفسها.

على الرغم من أن حجم وتعداد سكانها مبني في هذه الفترة من التاريخ، أو أي فترة تاريخية أخرى، على تخمينات وترجيحات، فإنه خلال السنوات الخمسين التي توسطت دحر الغزو الفارسي في سنة 480 قبل الميلاد والحرب البيلوبونيسية سنة 431 قد زاد تعداد سكانها أكثر من الضعف. وبحلول سنة 430 قبل الميلاد، كانت أثينا ذات كثافة سكانية عالية، تفوق 100 نسمة في كل ميل مربع من الأرض.

11. صدح أرسطو، تلميذ أفلاطون، ببعض آرائه حول التحكم في النمو السكاني:

رسم لفريق من علماء الآثار وهم يستخرجون قبر أرسطو، الرسم من مجلة بريطانية.
رسم لفريق من علماء الآثار وهم يستخرجون قبر أرسطو، الرسم من مجلة بريطانية.

كان أرسطو تلميذا لأفلاطون، وكان قد تجادل واختلف معه في الكثير من القضايا غير أنه اتفق معه في معظمها. من بين مواطن الاتفاق بينهما أن أرسطو أقر بحاجة الدولة لوضع قوانين تحدد طريقة وكيفية امتلاك الأراضي وحيازتها، لكنه لاحظ أيضاً أن العائلات التي كانت تزيد أعدادها فوق طاقة الوالدين في إعالتها، بغض النظر عن الظروف، كان مآلها الفقر المدقع.

بالنسبة لأرسطو، كان يجب موازاة تقسيم الأراضي إنصافًا مع قواعد تُبنى على عدد الأفراد في العائلة الواحدة، كما حذر أرسطو كذلك من أن النمو الديمغرافي الخارج عن السيطرة يقود إلى زيادة الفقر والجريمة، ومنه يجب على الدولة وضع قوانين خاصة بالتناسل، الذي يجب أن تتحكم فيه من أجل بقائها واستمرارها.

12. كان أرسطو معارضاً لممارسة هجر الأطفال غير المرغوب فيهم ليموتوا كوسيلة للتحكم في النمو السكاني:

أرسطو مع تلميذه الإسكندر المقدوني.
أرسطو مع تلميذه الإسكندر المقدوني.

كانت ممارسة هجر الأطفال حديثي الولادة وتركهم ليواجهوا الموت ببساطة مكفولة من طرف القانون، وكان اليونانيون القدماء لا يعتبرونها غير أخلاقية، وقد كانت تسمى بـ”التعريض“.

عارض أرسطو ممارسة التعريض هذه كوسيلة لحد النسل والتحكم في النمو السكاني، واقترح أنه يجب تغيير القانون من أجل ”منع تعريض الأطفال الصغار للموت لا لشيء إلا للتحكم في النمو السكاني وإبقائه في أدنى مستوياته“.

يبقى غير معلوم بالتدقيق مدى انتشار هذه الممارسة في اليونان القديمة، كما يبقى مجهولا عدد الأطفال الذين تعرضوا لها، غير أن البعض يقدرون أن نسبة 10 في المائة من البنات تعرضن لهذه الممارسة الوحشية.

13. نفى توسع الإمبراطوريات حجج أرسطو وأفلاطون فيما يتعلق بالتحكم في النمو السكاني:

تصوير آخر لأرسطو مع تلميذه الإسكندر المقدوني الذي سيصبح في المستقبل الإسكندر الأكبر.
تصوير آخر لأرسطو مع تلميذه الإسكندر المقدوني الذي سيصبح في المستقبل الإسكندر الأكبر.

كان كل من أفلاطون وتلميذه أرسطو يؤمنان بأن زيادة الأعباء على كاهل موارد الدولة له عواقب وخيمة وسيؤدي إلى كارثة لا محالة، حيث سيجبر هذا الأمر الدولة على الانخراط في التجارة الدولية من أجل النجاة والاستمرار، وهو ما بدوره سيخلق لها منافسين وخصوماً.

أو ستجد نفسها مجبرة على الخوض في حروب من أجل الحصول على موارد إضافية، وهو ما سيجلب معه أفواها إضافية لإطعامها.. في كلتا الحالتين، كان استمرار نمو السكان سيشكل ضغطاً إضافياً على الموارد، وهكذا ستستمر هذه الدورة. كان الحل الوحيد الذي تطابق مع وجهات نظر الفيلسوفان هو الحد من النمو السكاني لما قد تتمكن الموارد المتاحة من دعمه فقط.

غير أن غزوات الإسكندر المقدوني التوسعية جعلت من مناطق وأراضي شاسعة متاحة للاستغلال، وبذلك وجد اليونانيون من الدول-المدن في اليونان مناطق جديدة لاحتلالها واستغلال مواردها. منحت هذه المساعي التوسعية متسعاً للنمو السكاني ليزيد عن أعداده المعهودة دون خطر، وهو ما حدث بالفعل، كما قام الكثير من اليونانيين بالهجرة من اليونان إلى هذه الأراضي الجديدة. غير أن الأراضي داخل اليونان بقيت في ملكية الأغنياء حصراً.

وبهذه الطريقة، عوضت الإمبراطورية المتوسعة المدن-الدول الصغيرة ووضعت حدا للجدل المتعلق بالنمو السكاني، على الأقل لبعض الوقت.

اتبع الرومان لاحقاً نموذجا مشابها، بعد أن خاضوا في الأول في جدالات لا حصر لها حول كيفية التحكم في النمو السكاني.

14. مارس الرومان التحكم في الكثافة السكانية، لكن بطريقة عكسية:

مارس الرومان سياسات متعددة للتحكم في النمو السكاني، قبل وبعد عصر يوليوس قيصر.
مارس الرومان سياسات متعددة للتحكم في النمو السكاني، قبل وبعد عصر يوليوس قيصر.

لم يكن للرومان أية نية في إنشاء مدن-دول صغيرة نسبياً مع توازن معين بين النمو السكاني والموارد المتاحة. لقد كانت الجمهورية، ثم الإمبراطورية لاحقاً، منذ بداياتها تركز اهتمامها على ضرورة زيادة النمو السكاني، حيث أن غزو أراض جديدة واحتلالها كان يتطلب جيوشاً كبيرة.

يشير مصطلح (ليكسا يوليا)، الذي يعني قانون جوليان، إلى جملة من القوانين التي فرضها أي من أفراد سلالة (جوليان) الحاكمة، لكن المصطلح يستخدم غالباً للإشارة إلى سلسلة من القوانين التي تغطي نظام الطبقات الاجتماعية والزواج مثلما سنّها الإمبراطور الروماني (أغسطس) في سنتي 18 و17 قبل الميلاد. كانت هذه القوانين تهدف إلى التحكم في من يتزوج من، كما شجعت على الزواج وإنجاب الأطفال.

جعل واحد من أوائل القوانين التي سنها (أوغسطس جوليان) في سنة 18 قبل الميلاد الزواج بين حدود الطبقات الاجتماعية جريمة، ومنه كان لهذه القانون أثر سيئ تمثل في المساهمة في تفشي امتلاك الأغنياء للمحظيات.

سنّ (أوغسطس) هذا القانون من أجل تشجيع الالتزام بالأخلاق من خلال الزواج، غير أنه حقق في الكثير من الحالات العكس تماماً. كانت الدولة في روما قديماً تعترف بالمحظيات، سواء كانوا ذكوراً أم إناثًا، وكان وجودهم مبررا من خلال التقييدات التي فرضت على الزواج العابر لطبقات المجتمع.

كان يُحتفظ في أغلب الأحيان بالنساء من طبقات المجتمع الدنيا كمحظيات، سواء كان الشخص الذي يحتفظ بهن متزوجاً أم لا.

15. دافعت قوانين التحكم في النمو السكاني في روما على قداسة وحرمة الزواج:

كإمبراطور، سنّ (أغسطس) قوانيناً من أجل حماية الزواج وزيادة النمو السكاني في الإمبراطورية.
كإمبراطور، سنّ (أغسطس) قوانيناً من أجل حماية الزواج وزيادة النمو السكاني في الإمبراطورية.

في سنة 17 قبل الميلاد، سنّ الإمبراطور الروماني (أغسطس) قانوناً يدافع عن الزواج ضد الخيانة الزوجية والزنا. كان الزواج يعتبر في نظر القادة الرومان مهمًا جداً لأمن الدولة نظراً للأطفال الذين كان يساهم في جلبهم لها، على وجه الخصوص الأطفال الذكور. استهدف هذا القانون على وجه الخصوص ممارسة الخيانة الزوجية والزنا، وكان يملي بأن كلا الطرفان المنخرط في علاقة خارج إطار الزوجية يعاقبان بالنفي إلى جزر منفصلة، وأنهما في حالة كانا يملكان أية ملكيات من أي نوع فهي تتعرض للمصادرة من طرف الدولة.

غير أنه كانت هنالك بعض الاستثناءات، حيث إذا ترك الزوج المعاقب بالنفي وراءه زوجة وأولاداً وأرضاً على سبيل المثال يعيلون بها أنفسهم، كانت الدولة هنا تغض النظر عن هذه الأرض وتتركها في ملكية العائلة. كما كان القانون يجبر الأزواج على تطليق زوجاتهن اللواتي اقترفن جريمة الزنا أو الخيانة (ممارسة الجنس خارج إطار الزوجية)، كما كان نفس القانون يشجعهم على الزواج من جديد.

16. شجعت قوانين التحكم في النمو السكاني في روما قديما على الزواج وإنجاب الأولاد:

كانت الحروب التي خاضتها الإمبراطورية الرومانية تتطلب كثافة سكانية عالية من أجل دعم جيوشها.
كانت الحروب التي خاضتها الإمبراطورية الرومانية تتطلب كثافة سكانية عالية من أجل دعم جيوشها.

في سنة 9 ميلادي، أدخل قنصلان رومانيان اثنان بضعة تعديلات على القوانين التي سنها (أغسطس)، وعلى الرغم من أن القوانين كانت تهدف إلى تشجيع الزواج والإنجاب، فإن كلاهما كان أعزباً.

فرض هذا القانون الجديد الذي أدخله القنصلان وهما: (ماركوس بابيوس ميتيلوس) و(كوينتوس بوبيوس سوكوندوس)، المزيد من التقييدات على من يمكنه الزواج بمن، على سبيل المثال، منع القانون على أبناء أعضاء مجلس الشيوخ الزواج من أشخاص كان آباؤهم من مؤدي العروض، أو عبيداً سابقين، أو بائعات/بائعي هوى، وتضمنت فئة مؤدي العروض كلا من المجالدين، والموسيقيين، والراقصين، وغيرهم الكثير.

17. كانت القوانين الرومانية تعاقب الأزواج الذين لم يتمكنوا من الإنجاب:

شجعت القوانين الرومانية على الزواج كما فرضت عليه الكثير من التقييدات، وطالبت الأزواج بالإنجاب.
شجعت القوانين الرومانية على الزواج كما فرضت عليه الكثير من التقييدات، وطالبت الأزواج بالإنجاب.

كان الأزواج المتزوجين والعاجزين عن إنجاب الأبناء يتعرضون لعقوبات يفرضها عليهم القانون الروماني، حيث كان هذا القانون يفرض على الأزواج بين سن 25 و60 سنة والزوجات بين سن 20 إلى 50 سنة التكاثر والإنجاب.

كانت عقوبات الامتناع أو العجز عن الامتثال لهذا القانون مالية في طبيعتها. حاول بعض الأزواج التبني ومنه الاحتفاظ ببعض الأطفال في منازلهم، لكن مجلس الشيوخ لم يكن يعتبر التبني بمثابة الإنجاب، وكان يرى فيه محاولة للالتفاف حول القانون والنية التي سُنّ لأجلها.

في الجهة المقابلة، كانت العائلات التي تملك العديد من الأبناء تكافأ بامتيازات فيما يتعلق بالضرائب، كما كانت تتم ترقيتها في السلم الاجتماعي في الكثير من الحالات.