تاريخ

هل بإمكانك أن تحزر في أي مجال كانت تُستخدم هذه الأداة الرومانيّة العجيبة؟

متعدد الأوجه الإثنا عشري الروماني الغريب

في عام 1987 وبينما كان رجلٌ إنجليزي يعمل على ملء حفرة في حديقة منزله فإذ بمعوله يصطدم بشيء ما، ينحي الرجل ليلتقط ذاك الشيء فيجد جسماً معدنياً غريب الشكل بحجمٍ أصغر من كرة المضرب وتكسوه طبقة من الطين، يضعه على عتبة النافذة ويبقى هناك لعقدٍ من الزمن، إلى أن يذهب الرجل لزيارة القلعة الرومانية ومنتزه الآثار في (سالبيرغ) بألمانيا، وبينما هو يتفرج على التحف في هذا المنتزه فإذ به يجد قطعة مطابقة لتلك التي لديه.

كان هذا الرجل هو (برايان كامبيل) وما وجده هو «متعدد الأوجه الإثنا عشري» أو Dodecahedron، الأداة التي مازالت تشكل لغزاً بالنسبة للعلماء إلى يومنا هذا.

وصف متعدد الأوجه الإثنا عشري:

هو جسم أجوف ذو شكلٍ هندسي وله إثنا عشر وجهاً، لكل وجه عدد من النتوئات التي تحيط بزواياه وفي منتصف الوجه ثقب تختلف أقطاره من جهة لأخرى ولا يتساوى وجهان. صنعت أغلب هذه الأجسام التي عثر عليها إما من الحجارة أو البرونز أو النحاس، وقد تكون أحياناً خليطاً من المعادن، وتتنوع أحجامها بين ما يساوي حجم كرة الغولف إلى ما يقارب حجم كرة البيسبول.

القطعة الموجودة في منتزه (سالبيرغ) للآثار الرومانيّة

القطعة الموجودة في منتزه (سالبيرغ) للآثار الرومانيّة – صورة: Itub من ويكيميديا

لمحة تاريخيّة:

عُثر على أول «متعدد الأوجه الإثنا عشري» روماني قبل 300 عام في حقلٍ بالريف الإنجليزي مع بعض القطع النقديّة القديمة، وعُرض في جمعيّة الآثار في لندن عام 1739، تبع هذا الاكتشاف العثور على أكثر من 100 قطعة مماثلة على امتداد أوروبا الشماليّة، وقدِّر أن تلك القطع تعود إلى ما بين القرن الأول والخامس ميلادي، ويُعتقد أن لـ«متعدد الأوجه الإثنا عشري» قيمة مادية كبيرة لأنه غالباً ما كان يُعثر عليه مخبأ مع قطع نقدية.

في الحقيقة، لم يتم العثور على أية وثائق أو مخطوطات تشرح ما عمل هذه الأداة الغريبة، وبالرغم من قلة ما نعرفه عنها فإن العديد من المتاحف على امتداد أوروبا تعرضها في وقتنا هذا.

(هجوم لسلاح الفرسان الروماني/ قوس قسطنطين في روما/ يعود لحوالي315م)

فرضيات:

اعتقد علماء الآثار في القرن التاسع عشر أن أفضل فرضية لعمل هذه الأداة هو أنها نوع من الأسلحة، والأرجح أنها كانت تستخدم كرأس للهراوة أو ذخيرة للقاذفات اليدويّة، ونقطة الضعف في هذه الفرضية هي كون حتى أكبر «متعدد الأوجه» الذي عُثر عليه غير قادر على إحداث ضرر كبير، وأنه قد عُرف عن الرومان استخدامهم لكرات مصممة من الرصاص.

تقول الفيزيائية (إميليا سبارافيغنا) في جامعة التقنيات المتعددة في (تورينو) في إيطاليا في ورقة بحثيّة نشرت عام 2012 أن الاستخدام الحربي لهذه الأداة ليس بالضرورة أن يكون كسلاح بل كأداة لتحديد الأهداف، حيث ناقشت إمكانيّة حساب المسافة التي تفصل بين الأداة وجسم آخر معروف الأبعاد -كساريّة عسكرية أو سلاح مدفعيّة-، يتم ذلك عبر النظر من إحدى ثقوب الأداة وتحريكها حتى يصطّف الثقب مع ثقب آخر مع الجسم المراد قياس المسافة عنده. طبقاً للباحثة؛ فإن زوجاً واحداً من الثقوب قادر على الاصطفاف عند مسافة معينة، وفسّرت (سبارافيغنا) النتوءات على حواف الأداة بأن مهمتها هي تسهيل عملية القياس حيث تساعد في إحكام قبضة الجندي المتمرّس على الأداة.

ما يدعم هذه النظريّة هو العثور على العديد من متعددات الأوجه الإثنا عشرية في مواقع حربيّة.

لكنّ العديد من الباحثين يخالفونها الرأي، راجعَ المؤرخ (تيبورغرول) من جامعة Pècs في بلاد المجر البحث الخاص (بسبارافيغنا)، ويخالفها الرأي للأسباب التاليّة:

  1. لا يتطابق قياس اثنين من الـ«متعددات الأوجه الإثنا عشري»، فلو كان بستخدم للقياس لكانت على الأقل هنالك عدة نسخ بالأبعاد ذاتها.
  2. عدم وجود أي أرقام أو رسومات محفورة عليها –تلك أمور من المفترض أن تراها على أدوات القياس والحساب الرياضي.
  3. أغلب «متعددات الأوجه الإثنا عشري» التي عُثر عليها كانت في المنطقة الممتدة من بلاد المجر إلى إنجلترا (شمالي الإمبراطورية الرومانيّة سابقاً)، ولم يتم العثور على أيٍ منها في إيطاليا أو إسبانيا أو شمالي أفريقيا أو حتى الشرق الأوسط، وهو أمرٌ مثير للحيرة، فإن كانت هذه الأداة هي بالفعل أداة حريبة ما سر عدم العثور عليها إلا في مناطق محددة!

استخدامات أكثر سلميّة:

متعدد الأوجه الإثنا عشري الروماني الغريب

متعدد الأوجه الإثنا عشري الروماني الغريب.

قد تكون هذه الأداة المحيرة مجرد لعبة للأطفال، كلعبة الأكواب والكرة (مبدأ اللعبة هو استخدام عدد من الاكواب وكرة صغيرة، يتم اخفاء الكرة تحت أحد الأكواب ومن ثمّ تحرّك وعلى الشخص أن يحزر مكان الكرة، حيث تعود هذه اللعبة للعصور الوسطى)، حيث يطرح شكل هذه الأداة فكرة أن تكون قد استخدمت في القِمار، لكن النرد عند الرومان كان سداسيّ الوجوه ومصنوعاً إما من الخشب أو الحجر أو العاج، وما ينفي هذه الفرضيّة تماماً هو أن لهذه الأداة وجهاً أثقل من باقي الوجوه دوماً، ما سيجعلها عند رميها تستقر عليه جاعلاً إياها نرداً سيئاً.

استخدامات ثقافيّة:

ترتبط هذه الفرضيات بأمور دينية وثقافيّة، وما يدعمها هو العثور على إحدى القطع في قبر امرأة غنية قرب ألمانيا، ويعود تاريخ القبر إلى القرن الرابع عشر. تبعاً لمقال نُشر من قبل المتحف الروماني-الغاليّ Gallo-Roman في (تونغيرين) Tongeren في (بلجيكا)، فمن الممكن أن يكون «متعدد الأوجه الإثنا عشري» ثُبّت على قمة صولجان ليعطي صاحبه ”قوى سحرية“، تمنحه هيبة وسلطة دينية. قد يشير كذلك امتلاك هذه الأداة لإثني عشر وجهاً إلى الأبراج السماويّة، وقد عُرف عن الرومان اهتمامهم بالماورائيات وقراءة الطالع.

يربط آخرون الأداة (بأفلاطون) وقوله بأن متعدد الأوجه الإثنا عشري هو الشكل الذي استخدم في تحديد التشكيلات النجمية والأجرام السماويّة (ليس من الواضح تماماً ما كان يعنيه أفلاطون).

استخدامات مهنيّة:

يشير (رودجر شفارتز) عالم الآثار في منتزه (سالبرغ) الروماني للآثار -نفس المنتزه الذي زاره (كامبيل)- إلى أن استخدام «متعدد الأوجه الإثنا عشري» كان مجرد عرض لمواهب وقدرات الحدادين في تلك الفترة، غير أن الباحث الهولندي (ج. م. س. فاغيمانز) يقول أن الغرض من هذه الأداة هو حساب تواريخ فلكية مهمة من أجل المزارعين، وذلك عن طريق حساب زوايا مرور أشعة الشمس عبر أزواج الثقوب المختلفة.

استخدم كذلك أحد رواد اليوتيوب الطابعة ثلاثيّة الأبعاد ليصنع نماذج مختلفة من هذه الأداة من أجل الحياكة، وشرح كيفية استخدامها في حياكة القفازات، وهذه النظرية ضعيفة -برغم نجاحه في صناعة قفاز- لأن تكلفة صناعة هذه الأداة في ذلك الوقت كانت باهضة، وما سيُنفق عليها يكفي لصناعة الكثير من القفازات، بالإضافة لأن أحجام القفازات التي ستنتج حتى عن أكبر «متعدد أوجه إثنا عشري» تم العثور عليه بالكاد تتسع ليد طفل صغير.

هل سنعرف الحقيقة في يومٍ ما؟

إن لم يجد أحدهم كتيّب تعليمات روماني! فستبقى هذه الأداة مجهولة الوظيفة للأعوام القادمة، وفي الواقع طالما لم يتم اكتشاف أي مخطوطات تشرح عملها حتى الآن فعلى الأرجح أنه لا وجود لها.

تستقر تلك القطعة العجيبة على أحد الرفوف في منزل السيد (كامبييل) بينما يقف أمام نافذة منزله متخيلاً كيف وصلت تلك الأداة إلى حديقته الخلفية، فيرى عشرات الجنود الرومان يستعدون للتخييم وإراحة أحصنتهم، فيخلدون للنوم، وفي الصباح الباكر وبينما يستعدون للرحيل يترك أحدهم خلفه تلك الأداة ويمضي.