أقصوصة

قضية الوجود

mm

تجربة مثيرة تلك التي بدأت أخْبَّرُها؛ وهج من الصفاء الذهني ممزوج بشعورٍ غامض بالشموخ والعظمة. لقد فاقت كل تطلعاتي، وسبَّحْتُ بمجدها تلك الطاقة والعنفوان المتألق في علياه أنا، والتي منحني القوة والرزانة لتنفيذ المهمة المقدسة. بعد كل شيء، كانت نقطة فاصلة لنظرة مختلفة لصورة العالم، إنها رحلة تصوف وانعتاق تنبلج عنها البراءة الأولى للإنسان.

هيا، يجب أن أتوقف عن هذه المقدمة الملغزة وأتطرق إلى صلب الموضوع، إلى سرد التجربة الغنية بقضية الوجود. لعل أحدهم سيعترض بأن في الأمر مفارقة غاية في البشاعة، لكنني وجدت رسالتي التي طالما بحثت عنها وحاولت تكريس حياتي لها، ثم إنني لا أجد أي بشاعة فيما يتعلق بهذه القضية، وأنا لا أنتظر تفهُّما لقضيتي من أي أحد كان، لأن التربية والمجتمع خدرتا أصالة الإنسان وعززتا لديه الوضاعة والخنوع والعجز والغباوة والذل والخسة والزهد واللين.. تبا، إنني أبصق على القيم، وأبصق على كل تأملات المجتمع العرجاء التي جعلت الإنسان أجوف في سريرته..

أعتذر، لقد فقدت أعصابي لوهلة.. هل بإمكاني التدخين هنا؟ حسنٌ، شكرا.

دعني أسألك، ألم تجد يوما لذة حريفة في إلقاء حيوان ما في الترعة أو من عال؟ ألم تخطر في بالك، ولو مرة واحدة في حياتك، فكرة مهووسة بدفع صديقك من الجرف أو سحق عنقٍ هش بقبضتك الكبيرة؟ يبدو الأمر جريئا، ولولا مخافة العواقب والقانون لفعلت مسرورا.. لا تقاطعني أرجوك! لأنك لن تتحدث نيابة عن الضمير والفطرة، وإنما ستتفوه بصوت المجتمع الوضيع الذي استحوذ على ملكاتك الفكرية.

لننظر إلى القضية من جانب آخر، لماذا كل السعادة الغامرة عندما تكون منخرطا في لعبة فيديو، ولا تشترط تلك اللعبة القتل كـمهمة، ولكنها تتيح لك فرصة قتل كل بريء بدا أنه مستفزٌ بحضوره في اللعبة، فإنك تفعل وضحكة ماجنة تصدر من أعماق أصالتك الإنسانية؟ يا لك من مُجادل جاحد لو أصررت على أن الأشخاص الموجودين في اللعبة محض وحدات الكترونية بدون روح. ستكون مجرد منافق مدعٍ للفضيلة، بينما ذهنك يتقد مستعرا بخيالات جامحة.

حسنٌ، يبدو أنني ثرثار فيما يتعلق بشرح قضيتي، ولعلك ستجد أنني أبرر مواقفي رغم أنه سيتم تجاهلها لاحقا. إلا أنني أخبرتك من قبل، أنا لا أنتظر تفهما من أحد خاضع للمجتمع.

سأحكي قصتي…

في يوم ماطر بفَوْرة السماء، كنت شاردا أتطلع إلى الجدار الأبيض المنتصب أمامي بمهابة. وقد كان حضوره طاغيا بـلُجَّة أفكاري أكثر من ذي قبل، فأغدق عليَّ بأسراره التي ترصدتها والتقمتها. شعرت بمدى وضاعتي حينها لأنني لم أصغي للجدار سابقا، رغم أنه يقبع في شقتي ناحية الصالون منذ أمد طويل. هناك همدت بسكينة ناعمة، وأفلحت بـفهم قضية الوجود. استوطن كياني إرهاص البراءة الأولى، وما كان عليَّ سوى تجرعها بالكامل.

يا له من يوم سعيد. فيما بعد نجحت أساليبي ومناوراتي في عدم إثارة الشهود واستقدمت بائعة الهوى إلى شقتي. كانت مسرورة للسعر المجزي الذي عرضته عليها، فـابتسمتُ بخبث. كان كل شيء في مكانه الصحيح، وأنبأتها بأنها الملاك الذي حلّ أخيرا في بيتي لأتمكن من تلقينه قضية الوجود! ضحكت بنزق كأي عاهرة محترمة، وأخبرتني كم أبدو شاعرا في عباراتي.

لم أرغب في جنس كامل حتى لا يتسنى إيجاد أي سائل منوي يخصني في مهبلها، فـطلبت منها جنسا فمويا. غمرتني نشوة فارقة بأن هذه الفتاة التي تلعق قضيبي الآن ستصير بعد دقائق جثة هامدة. ارتعشت، وعندما قذفت شعرت بمدى احتقاري لها. أمسكتها من تلابيبها ثم صفعتها بقوة انهدت على إثره فوق السرير. اعتليتها معيقا إياها بجسدي فحاولت الصراخ، عندها أخرستها بصفعة ثانية ثم ثالثة. تشوش ذهنها ثم تطلعت إليَّ بحزن وغمغمت: ”أبي، اقتلني أرجوك.“ وطفرت من عينيها دمعتين زادت من حميتي، فلم أعير عبارتها تلك أدنى انتباه. سحبتها على الأرض الباردة وسط الشقة جيئة وذهابا وأنا أطارح انشراحا متبتلا، إنني أسير فوق سرٍ عظيم انجلى أمامي بدون مراوغة. تحدثت إلى عجلة القدر بمزيد من الجذل والحبور كاشفا لها حمدي وثنائي: ”فلتنعق الغربان، وليُطري الحانوتي عمله المجيد، إنه مَنٌّ مديد، ورزقٌ رغيد، وجسدٌ سعيد، يطمره اللحد إلى الأبد المديد..“

بدا على الفتاة أمارات العودة إلى الوعي، فاستطردتُ وأنا ألف أصابعي على عنقها الرفيع: ”فليغني الملاك: إنه يوم العيد.“

بالطبع، انتهى كل شيء ليلتها وتخلصت من الجثة – بعدما غسّلتها ونظفتها – وذلك بمنتهى البساطة، كأنني غير مبالي إذ كشفني أحدهم فجأة وأنا أحملها على كتفي ملفوفة في كيس أسود. نزلت إلى القبو ووضعتها في حقيبة السيارة ثم اتجهت إلى الفلاة وحفرت لها قبرا مناسبا ثم دفنتها هناك. كنت أفعل كل هذا بـقلب مطمئن مستشعرا عناية سامية من السماء، كنت أفعل كل هذا وأنا مدرك مدى الغاية التي من أجلها مضيت في تقديم الفتيات كـقرابين. نعم، لقد كررت العملية كل شهر بطرق مختلفة وفي منتهى الإبداع، دون شهود، دون أدلة. وقد زادت خبرتي في التخلص منهن دون عراقيل بقدر الضحايا التي أفنيت، إلا أنني أكرمتهن جميعا بقبر محترم.

ربما أبدو لك كمجنون، ولكن دع في بالك دائما أن المجانين هم أشخاص ظُلموا من قِبل المجتمع الراكد فـخرجوا عن طواعيته مبشرين بقضية الوجود. الآن، يبدو أن من واجبي أن أشرح القضية إياها التي أرغمتك على سماعها عدة مرات بالتباس.

قضية الوجود هو فهم الموت عينه، إنه كشفٌ جوهري عن ضعف الإنسان أمام هذه الحالة. وإذ كان الإنسان يخشاه فلا بد له من أن يواجه. لطالما كان المرء ينازع الموت كلما هجع إلى النوم، وكلما استيقظ وغادر إلى ممارسة طقوس حياته، وفي كل يوم عندما يعود إلى منزله فإن لسان حاله يقول: ”لقد نجحت في اجتياز الوضع، لقد نجوت من الموت مرارا هذا اليوم!“ ثم قد يصاب بمرض ما أو كسر فيتراءى له ظل الموت سلطانا فيسارع إلى الاستشفاء والعلاج. ولعله إن كان شخصا مؤمنا فإنه سيحمد إلهه على نعمة الحياة والصحة، وسيتعبده من أجل أن يتغمد بحفظه في كل مكان وأوان.

مواجهة الموت والعيش من خلالها، مرفقا بانتهاج سبل المغامرة والحرب، هو ما يعطي لقضية الوجود معنى. وإن عم السلام فـيلزم على المبشِّر أن يضحي بنفسه في سبيل إحياءها أو يجتهد في تعقب الموت وفهم نمطه؛ وقد اتخذتُ أنا أساليبي لذلك، وسأعيش وفقها وعلى طريقتها إلى أجل غير معلوم.. أو يعم الفناء!

مقال من إعداد

mm

حكيم حزليف

طالب شعبة التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، ومقيم بنفس المدينة.

عدد القراءات: 470