اجتماعيات

دخلك بتعرف اليهود الناطقون بالسريانية؟

السريانية
mm

عاش اليهود في العراق منذ زمن السبي البابلي، وأثروا في حضارة الرافدين العراقية، وأصبح وجودهم مهماً لسيرورة أمور باتت المجاميع العراقية الأخرى تعتمد عليهم فيها.

كثيراً ما اقترن اليهود بمهن معروفة كالصياغة والعطارة والصرافة والتجارة، فأشتغلوا في الإقتصاد حتى كادوا يحتكرونه، وبرزت أسماء لامعة لهم في الإقتصاد العراقي، مثل إعتلاء اليهودي العراقي ”ساسون حسقيل“ أول وزارة للإقتصاد في أول حكومة عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي، فحقق منجزات إقتصادية هامة أنقذت الإقتصاد العراقي من الإنهيار، بل اتجه في عهده هذا الاقتصاد إلى الازدهار، لن نتكلم في هذا المقال عن اليهود بصورة عامة ولا عن كيفية وجودهم أو هجرتهم بقدر ما سوف نتخصص في موضوع اليهود الناطقين بالسريانية الآرامية.

يشكل اليهود الناطقون بالسريانية ”الآرامية“ مجموعة جيدة من نسيج اليهود الذين إنتشروا في أرجاء الإمبراطورية البابلية إبان السبي وحتى التاريخ الحديث، ثم تفرقوا جغرافياً وذلك بقيام دول إتفاقية سايكس بيكو ”إيران – تركيا – العراق – سوريا – الأردن – فلسطين“، لكن هذه الأمور السياسية لا تؤثر كثيراً في المسار الثقافي واللغوي -لأن المجتمع اليهودي مجتمع متماسك يضيف على الثقافة المجاورة ولا يتركها تؤثر عليه- بالرغم من ذلك لم يستطع اليهود صدّ بعض التسللات اللغوية والثقافية والاجتماعية من طرف جيرانهم في المنطقة، حتى امتزجت لهجتهم ببعض الكلمات للهجات الجارة.

لم يكن اليهود في العراق والشرق الأوسط الكبير مجتمعا واحداً، بل عدة مجتمعات، فمنهم اليهود الناطقون بالكردية (قاطني كُردستان ومجاوري الكورد)، واليهود الناطقون بالعربية (ساكني المدن الكبرى: بغداد، الموصل، البصرة وغيرها)، واليهود الآراميون (والذين يتشاركون مع السورايي «الكلدان/السريان/الآشوريين» لغة وعادات وتقاليد عديدة)، حيث يكاد يكون التفريق بينهم مستحيلا.

يجهل الكثير منا وجود يهود يتكلمون السريانية الآرامية كلغة أُم، وتسمى أيضاً الآرامية الجديدة أو الآرامية اليهودية وهي تتقارب مع اللغة السريانية الحديثة سليلة الآرامية كل القرب لما لهما من نقاط مشتركة كثيرة، ويكاد الناطقون باللغتين التفاهم والتحاور فيما بينهم دون أي اشكال، ومن هذه اللهجات الآرامية اليهودية: لهجة ”ليشان ديدن“ -ليشان دنوشن- أو -ترجومك-، ولهجة ”هولالا“، هؤلاء القوم تواجدوا في المنطقة الواقعة من الحدود السورية الشمالية الشرقية ومنطقة ”وان“ التركية غرباً إلى منطقة ”أذربيجان“ الإيرانية وحول بحيرة ”أورميا“ إلى الشرق، ومن الموصل جنوباً حتى الحدود الآرمنية شمالاً، والمميز في ذلك وجود مجموعة أخرى من اليهود ناطقين بالسورث «السريانية العامية»، ويرجع ذلك إلى تعايشهم مع المسيحيين الناطقين بالسريانية الآرامية بلهجتها العامية السورث في المناطق التي يشكلون بها غالبية كـ”ألقوش“ و”شقلاوة“ و”زاخو“ و”كويسنجق“، ومنطقة ”كانى ماسى“ -إينه د نونيه-، كما قطنوا قرى خاصة بهم مثل قرية ”بيث تنوره“.

يقول أحد اليهود العراقيين من الناطقين بالسورث رفض الكشف عن إسمه: ”كان والداي يتحدثان معنا بالسريانية العامية (السورث)، فهما لم يجيدا غير السورث والكرمانجي (الكـُردية البادينية)“، ويكمل حديثه: ”لم يكن أحد ليفرق بيننا وبين المسيحيين الناطقين بالسورث، فقد تشاركنا في كل شيء تقريباً، اللغة، والعادات، والثقافة، والأسلوب، والطبخ“، وعن وجودهم في إسرائيل يقول: ”غادرنا العراق في خمسينيات القرن الماضي، ونحن الجيل الآخير تقريباً ممن حافظوا على هذه اللغة، فأطفالنا وأولادنا يتحدثون باللغة العبرية الحديثة التي تعلموها ويدرسون بها وتتخذها إسرائيل لغتها الرسمية“.

”كَوش عتصيون“ هي مستوطنة إسرائيلية تقع في جبل الخليل إلى الجنوب مباشرة من القدس وبيت لحم في الضفة الغربية، وتحتوي العديد من اليهود الناطقين بالسورث ومنهم الحراس القدامى لمقام النبي ”نحميا“ في ألقوش الواقعة شمال سهل نينوى.

يتراوح عددهم ما بين 5000 – 10000 فرد، وتواجه لغتهم خطر الإنقراض نتيجة عدم تعلم أبنائهم لها، وميلهم بدل ذلك الى تكلم اللغة العبرية الحديثة، كذلك لا يوجد إهتمام علمي وأدبي بها، عدا بعض المحاولات الفردية لكتابة أغاني بتلك اللغة التي تكاد تكون أغانيها كالأغاني السريانية الأشورية.

هذا المقال عبارة عن بحث قام به الكاتب.

مقال من إعداد

mm

ريميل صومو

كاتب كلدو-آشوري عراقي، رئيس تحرير مجلة رودانا، اختصاصي العلمي هو بكالوريوس هندسة سدود وموارد مائية ودبلوم علوم دينية، أتقن اللغات السريانية (الأم) والعربية والكُردية والإنكليزية والقليل من اليابانية.

عدد القراءات: 830