اجتماعيات

وهم التفوق الأخلاقي

بضعة عقود من الدراسات والإحصائيات التي تتناول التصنيف الأخلاقي والصفات الإنسانية للناس من وجهات نظرهم الشخصية ستنتج شيئاً وحيداً: تقريباً كل الناس فوق المتوسط بالصفات الأساسية التي تتضمن الذكاء والطموح والودية وحتى التواضع، أو على الأقل فهذا هو الحال ضمن تفكير المشاركين بهذه الدراسات والاحصائيات.

بطبيعة الحال، أي نتيجة تجد أن معظم الناس فوق المتوسط لا يمكن الأخذ بها أبداً، فالمتوسط موجود لكونه النقطة الوسطى التي يجب أن تقسم البشر بين أولئك الأذكياء ومقابلهم الأغبياء والودودين ومقابلهم الانعزاليون وكذلك المتواضعين ومقابلهم المغرورون. بالتالي فكون النتائج أظهرت أن معظم الناس يجدون أنفسهم فوق المعدل بالصفات الجيدة، فهذا الظن ناتج عن وهم موجود لدى نسبة منهم على الأقل وهذا الوهم ينتج عما يسمى تأثير ”تحسين الذات“ في علوم الإنسانيات وعلم النفس.

تأثير ”تحسين الذات“ هذا يجعلنا نظن بأننا أفضل من معظم الآخرين وبالتالي نصنف أنفسنا بشكل مرتفع في الصفات الجيدة، حيث نرى أنفسنا أكثر عدلاً واستحقاقاً للثقة وحتى أخلاقيين أكثر من الوسط المحيط بنا، لكن هذا التأثير الذي قد يبدو غير مؤذٍ ودون ضرر قد يلعب دوراً مدمراً بالنسبة لنا، حيث يحد من رغبتنا في التغيير ورغبتنا بتطوير أنفسنا للأفضل.

ففي الحالة الطبيعية لن نرغب بالتغيير عندما نكون راضين عن أنفسنا ولن نسعى بشكل حقيقي للتحسن سوى عند معرفتنا بأن المنافسين يتقدمون علينا، فالمبدأ الأساسي في سوق العمل يسير أيضاً على الصفات الشخصية ومنظورنا الخاص لمواقفنا الأخلاقية.

كل من الباحثين بين تابين (Ben Tappin) وريان مكاي (Ryan Mckay) في جامعة لندن (University of London) قاما بدراسة على المعايير الأخلاقية التي يقيم بها الأشخاص أنفسهم ويقيمون وفقها الآخرين، الدراسة تضمنت مجموعة من 30 صفة بشرية بعضها أخلاقي؛ كالصدق والأمانة، وبعضها اجتماعي؛ كالحميمية ومحبة الآخرين، وصفات أخرى كالتنافسية والإبداع. بطبيعة الحال فالدراسة كالعادة أظهرت أن الناس – في معظم الحالات – يعطون أنفسهم تقييمات عالية بالصفات الجيدة، لكن مع النظر لتقييم الأشخاص لأنفسهم وللآخرين فالباحثان قدما تفسيراً ممكناً لتأثير تحسين الذات.

وفقاً للباحثين فمعظم الأشخاص يصنفون أنفسهم ضمن الغالبية في معظم الأوقات، هذا الأمر سيجعلهم ملزمين بأن يروا أن الآخرين أعلى من المعدل كذلك كونهم في النهاية ينظرون لهم كأنداد مشابهين لهم في الصفات العامة، وإعطائهم تقييماً سيئاً من شأنه أن ينعكس بشكل سلبي علبهم. لكن الأمر يتغير عند النظر للأشخاص الذين ينظرون لأنفسهم كغير طبيعيين أو كمخالفين للجماعة، فميلهم لإعطاء أنفسهم تقييمات عالية بالإضافة لاعتقادهم باختلافهم – كان كبيراً أو صغيراً – عن الآخرين سيجعلهم يعطون الآخرين تقييمات متدنية في الصفات الجيدة، مما يؤمن لهم التفوق الأخلاقي الذي يعطيهم أفضلية ويجعلهم يشعرون براحة أكبر حيال اختلافهم عن الآخرين الأدنى منهم.

القوات الخاصة النازية

وهم الأفضلية الأخلاقية كان عاملاً أساسياً لتبرير إجرام العديد من الإمبراطوريات عبر التاريخ.

بطبيعة الحال، فوهم التفوق الأخلاقي قد يكون من شأنه أن يفيدنا بشكل كبير، فنظرياً؛ على الأقل، هذا الأمر سيجعلنا نشكك بأخلاقية الآخرين بشكل أكبر مما سيحمينا من أن نقع ضحية لهم بشكل أكبر.

لكن في الجهة الأخرى فالأمر قد يكون ضاراً بشكل كبير، فوفقاً لعدة دراسات أجريت، فأولئك الذين يشاركون بأعمال خيرية مثلاً ويظنون أنهم متفوقون على غيرهم أخلاقياً أكثر ميلاً للقيام بأعمال لا أخلاقية وتبريرها ذاتياً حتى.

في النهاية فالنازيون مثلاً كانوا يرون أنفسهم متفوقين أخلاقياً على اليهود مما جعل أمر قتلهم مبرراً ذاتياً بالنسبة لهم، وهذا المثال وإن كان متطرفاً للغاية، فهو يظهر الجانب السلبي المحتمل للتفكير بأنفسنا كمتفوقين على غيرنا.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن