in

دخلك بتعرف سياج الشجيرات العظيم في الهند

سياج الشجيرات العظيم في الهند.

قديما في القرن التاسع عشر، كانت الهند الشرقية منفصلة عن الغربية بواسطة حزام غير قابل للاختراق من الأشجار التي كان معظمها شوكيا على شاكلة شجيرات البرقوق الهندية وأشجار الإجاص الشوكي، إلى جانب أشجار البامبو والبابول.

شكلت هذه الشجيرات معا حاجزا منيعا، الذي تعدى طوله ألف كيلومتر، والذي امتد من (لاياه) في البنجاب وصولا إلى (بورهانبور) على ضفاف نهر (نارمادا).

زُرع سياج الشجيرات العظيم هذا في الهند على يد البريطانيين في أربعينيات القرن التاسع عشر من أجل تعزيز خط الرسوم الجمركية البري الذي وضعه الحكام المستعمرون من أجل استغلال المكون الأساسي لجميع الأطعمة الهندية وهو ”الملح“.

تاريخيا، كان الملح يُنتَج على الساحل الغربي للهند على طول ما يعرف بـRann of Kutch، وهو مستنقع ملحي شاسع يقع في أقصى شمال الساحل الهندي المطل على بحر العرب.

على الساحل الشرقي، كان الحصول على الملح يتم بشكل أكبر على طول ساحل (أوريسا)، ولأن إنتاج الملح كان محصورا في المناطق الساحلية، قام تقريبا جميع الحكام الذي حكموا الهند منذ ما قبل الميلاد بفرض ضريبة على الملح الذي يتم توصيله إلى المناطق الداخلية للبلاد، وذلك كوسيلة لتعزيز مداخيل الدولة.

بحلول أواخر القرن الثامن عشر، استحوذت شركة الهند الشرقية البريطانية على قسم كبير من تجارة الملح في الهند. كانت الشركة تؤجر أعمال الملح لمن يدفع أكثر، وكان هؤلاء المستفيدون من استخراج وتصنيع الملح مجبرين على بيع منتوجهم للشركة وفقا لسعر ثابت يتم تحديده مسبقا. ثم كانت الشركة الهند الشرقية البريطانية تبيع ذلك الملح في السوق الحرة بأسعار خيالية مما جعل القليلين فقط قادرين على اقتناء هذه السلعة.

أجبر هذا الأمر الكثير من الناس على سرقة الملح من المستودعات الخاصة بالشركة، كما حمل الكثيرين غيرهم على تهريبه نحو المناطق الداخلية التي كانت تفتقر له.

من أجل مكافحة تهريب الملح هذا، تم بناء سلسلة من مكاتب الجمركة والحواجز على معظم الطرقات الرئيسية والأنهار في البنغال من أجل جمع الضرائب على الملح وبعض السلع الأخرى على شاكلة التبغ. في نهاية المطاف، امتد خط الرسوم الجمركية الداخلي هذا ليصل إلى البنجاب في الشمال.

تم تشييد خط الرسوم الجمركية الأصلي من شجيرات ذات أشواك، التي تم تقطيعها وتكديسها فوق بعضها البعض لارتفاع معين. نما بعض هذه الشجيرات الشوكية، وبحلول سنة 1868، تحولت إلى حاجز أخضر يبلغ طوله 290 كلم.

لاحظ (آلان أوكتافيان هيوم)، الذي شغل منصب مسؤول الجمارك الداخلية من سنة 1867 إلى غاية سنة 1870، هذا الأمر وأدرك أن الحفاظ على سور شجيرات حي وصيانته يكون أقل تكليفا من سور من الشجيرات الجافة المكدسة فوق بعضها.

بدأ (هيوم)، الذي كان عالم نباتات، إجراء بعض التجارب على أنواع مختلفة من الشجيرات آخذا في الحسبان الظروف المختلفة لنوع التربة ورطوبة الجو ومستوى الأمطار.

تشكل سياج الشجيرات هذا بشكل أساسي من أشجار البرقوق الهندي، والبابول، والكاروندا، واليوفوربيا. في المناطق الجافة حيث لا تنمو النباتات كثيرا، كان يتم غرس شجيرات تتأقلم مع هذا المناخ مثل أشجار الإجاص الشوكي. وحيث كانت التربة رديئة، كان يتم إحداث حُفرٍ يعاد ملؤها بتربة أفضل نوعية، كما تم بناء السدود في المناطق التي تحدث فيها الفيضانات وتم حفر شبكة سواقي لجلب المياه من الآبار القريبة.

قبل أن يمضي وقت طويل، نما سياج الشجيرات هذا ليصل ارتفاعه إلى 4 أمتار وكان عرضه يصل إلى 5 أمتار في بعض الأماكن. قام خليفة (هيوم) بتدعيم هذا الحاجز من خلال بناء جدران حجرية وخنادق في الأماكن التي كانت جرداء ولم يكن ينبت فيها شيء.

وصل طول هذا السياج أو السد الأخضر في نهاية المطاف إلى 1300 كيلومتر.

سياج من الشجيرات

اتضح لاحقا أن صيانة هذا السياج كان عملية مضنية. في سنة 1869 وحدها، حفر رجال الجمارك ما مجموعه 2 مليون قدم مربع ونقلوا حوالي 150 ألف طن من المواد الشائكة من أجل السياج.

وعلى الرغم من كل ذلك الوقت والمجهود الذي بُذل في سبيل بناء هذا السياج والمحافظة عليه، فإن نجاحه كان جزئيا فقط، حيث كان المهربون يشقون طريقهم عبره باستخدام قطعان من الجمال أو الماشية. بينما عمد آخرون إلى الإلقاء بأكياس الملح فوقه لتعبر إلى الجهة الأخرى. وفقا للسجلات، بين سنتي 1877 و1878 تم إلقاء القبض على 6000 مهرب وهو يحاول عبور السياج.

بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، أصبح هذا السياج المكون من الشجيرات مصدر إزعاج. اتخذ اللورد (مايو)، الذي شغل منصب نائب الملك البريطاني في الهند، أولى الخطوات في سبيل التخلص من هذا الخط الجمركي، فأمر المسؤولين البريطانيين بالتحكم في إنتاج الملح حتى لا تحدث أية خسائر في المداخيل عند حلول زمن إلغاء خط الرسوم الجمركية البري.

تم إجراء سلسلة من التعديلات المالية مما جعل الضرائب تتساوى على طول البلد ومنه أصبح التهريب لا يدر أية أرباح، وفي نهاية المطاف، تم إلغاء خط الرسوم الجمركية البري في سنة 1879.

أدى عدم المساواة في أسعار الملح بسبب الضريبة المفروضة على هذه السلعة إلى حرمان الملايين من الهنود منه. في المناطق التي كان السعر فيها مرتفعا، كان الناس يستهلكون أقل من نصف ما يستهلكه الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الغربية، موطن إنتاج الملح.

وفقا لسجلات الحكومة البريطانية نفسها، أثر هذا الحاجز بشكل مباشر على استهلاك الملح، فخفضه إلى أقل من المستوى القاعدي الذي يصف مقداره القانوني للجنود البريطانيين في الهند.

قد يكون الحرمان من الملح قد قاد إلى تفشي الكثير من الأمراض وساهم في تردي الأوضاع الصحية للملايين.

بعد إلغاء خط الرسوم الجمركية البري، ارتفع استهلاك الملح بـ50 في المائة بين سنتي 1868 و1888، ثم تضاعف بحلول سنة 1911.

على الرغم من أن سياج الشجيرات الهندي العظيم قد أُلغي وتم التخلي عنه، فإن الضريبة المفروضة على الملح كانت لا تزال قائمة، فبقيت موضوعا جدليا كبيرا ظل يظهر على ساحة كفاح الهند لأجل استقلالها لمدة طويلة.

تم إلغاء ضريبة الملح أخيرا في شهر أكتوبر سنة 1946 على يد الحكومة الهندية المؤقتة، قبل 10 أشهر فقط من استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية.