أقصوصة

نهاية طفلة..! (من قصة حقيقية)

نهاية طفلة
صورة لـWawan Teamlo

كانت مدرّسة الفنون قد بدأت لتوها بدرسها لتلامذة الصف الثاني في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة جبلية سورية. يُدقّ باب الصف وتدخل طالبة كانت قد تأخرت عن الدوام المدرسيّ ساعتين ونصف!

تسألها المعلمة بدهشة: ”أين كنتِ يا فتاة؟! ولم كل هذا التأخير؟“

جاوبتها الطفلة بعفوية شديدة: ”عذراً آنستي، لقد تأخرت بالاستيقاظ صباح هذا اليوم لأنني لا أملك منبهاً..“

وبعد انتهاء الحصة ذهبت المعلمة لتسأل طلاب الصف عن قصة تلك الفتاة، فيخبرونها بأنها تعيش لوحدها هي وأخوها في غرفة على أطراف المدينة.

كان اسمها فاطمة، تلك الفتاة ذات التسع سنوات والشعر البني والجسد الهزيل، تربت يتيمة الأم ثم اعتُقِل أبوها لاتهامه بجريمة قتل، فاضطرت أن تسكن مع أخيها الذي يبلغ من العمر 12 عاماً في غرفة صغيرة على أطراف المدينة.

تعجبت المدرّسة لوضعها العائلي والمعيشي فسألتها: ”من يصرف عليكما ومن يطعمكما؟!“

أجابت بابتسامة ثقة وقوة: ”أخي يعمل في إحدى المحلات في السوق وهو الذي يصرف عليّ، وأنا أغسل الثياب وأنظف البيت وأطبخ.“

ردت المعلمة بدهشة لم تستطع إخفاءها: ”أنتِ تطبخين؟؟!!“

ضحكت الطفلة ضحكة استهزاء وردّت: ”نعم، لقد تعلمت كيفية طهو الرز والبرغل وأعرف كيفية سلق البطاطا أيضاً.“

هزت المعلمة رأسها وذهبت بسرعة لأنها لم تستطع أن تخفي دموع الأسى والحزن على تلك الطفلة البريئة.

بعد يومين قررت المعلمة أن تشتري لفاطمة وأخيها بعض الأطعمة وبعضاً من الثياب الجديدة لتحمي جسديهما الصغيرين من برد الشتاء، وتذهب لتزورهما في بيتهما.

دقت المعلمة باب غرفتهما الصغيرة ودخلت لتجد الطفلة فاطمة تغسل ثيابها وثياب أخيها بيديها الصغيرتين اللتين تشققتا من البرد وكثرة العمل، لم تستطع المعلمة أن تبتسم عندما رأت مكان سكن هذين الطفلين، غرفة صغيرة باردة جداً لا يوجد فيها إلا فراش ولحاف صغير وبعض أدوات المطبخ وموقد غاز صغير تطبخ فاطمة عليه الطعام الذي كان يقتصر على الرز والبرغل والبطاطا المسلوقة أحياناً..

فرحت الطفلة كثيرة بزيارة معلمتها وبالهدايا التي قدمتها لها، ضمتها بقوة تعبيراً عن حبها وعن شكرها، فنزلت دمعتان من عيون المعلمة مسحتهما بسرعة وابتسمت!

في المساء عندما عادت المعلمة من زيارتها لفاطمة قالت لزوجها: ”وضع فاطمة وأخيها أكثر من مأساوي، ويجب أن نجد حلاً له بسرعة.“

قال زوجها: ”هذا صحيح! سأذهب غداً صباحاً إلى الجمعية الخيرية وأخبرهم عن حال تلك الطفلة وأخيها عسى أن يساعدوهما.“

في الصباح التالي ذهبت المعلمة إلى المدرسة واتجهت إلى صف فاطمة لتخبرها أن الجمعية ستعتني بها وبأخيها وسيبدآن حياة أفضل، دخلت إلى الصف لترى مقعدها فارغاً. سألت زملاءها في الصف عنها فأخبروها إنها لم تأت اليوم إلى المدرسة. فقررت أن تذهب إلى بيتها بعد انتهاء الدوام لتطمئن عنها وتنقل لها الأخبار الجديدة، وعندما وصلت المعلمة إلى أول الشارع التي تسكن فيه فاطمة رأت تجمعاً كبيراً من الناس والشرطة تطوق غرفة الطفلة.

ركضت لتسأل ماذا حدث! فقال أحد الجيران: ”وجدت فاطمة مقتولة في غرفتها في وقت مبكر من صباح هذا اليوم والشرطة تجري التحقيقات لمعرفة الحقيقة، أما أخوها فنُقل إلى المشفى نتيجة انهيار أصابه عندما رأى أخته الصغيرة ميتة!“

هذه المرة لم تستطع المعلمة أن تحبس دموعها وصرخات حزنها… صرخت بقوة والدموع تنهمر من عيونها: ”لماذا؟! لماذا؟! كانت ستبدأ حياة جديدة..!“

(من قصة حقيقية… إهداء لذكرى الطفلة المعذبَّة فاطمة)

عدد القراءات: 1٬611