قصص من الواقع

الحرب الكونية والدامية من أجل الحصول على الرمل

 عمال هنديون يحطمون ويسحقون الحجارة لتحويلها إلى رمال في منجم غير قانوني قرب قرية ريبور Raipur في الهند وذلك في 18 مارس عام 2015.

عبر القتلة الثلاثة الذين كانوا يركبون دراجةً ناريةً الزقاق الذي كانت تفوح منه رائحة الطعام والتوابل ورائحة أنابيب الصرف الصحي المكشوفة أمام العامة، وتوقفوا في تمام الساعة الـ 11 صباحاً تقريباً أمام منزل مكون من طابقين من الطوب والجص في حي متواضع من أحياء قرية Raipur Khadar الهندية البسيطة، ترجل اثنان منهما وفتحا خلسةً باب المنزل وتقدما نحو غرفة النوم، كان يغطيان وجهيهما بقماش أبيض وكان أحدهما يحمل مسدساً.

كان يوجد في داخل غرفة النوم هذه رجل مزارع عمره 52 عاماً يُدعى (باليرام شوهان)، كان نائماً بعد أن أفرط في تناول الطعام، وفي الغرفة المجاورة كانت زوجته وزوجة ابنه تقومان بعمليات التنظيف بينما كان ابنه (أكاش) يلعب مع ابن أخيه الصغير الذي يبلغ من العمر 3 سنوات فقط.

دوّى صوت إطلاق نار في المنزل، وهرعت (بريتي شوهان) وهي زوجة ابنه، وابنه (رافيندرا) إلى غرفة النوم ليروا القتلة وهم يشرعون بالهرب على دراجتهم النارية بعيداً عن موقع فعلتهم. كان (باليرام) مستلقياً على سريره والدماء تفور من معدته ورقبته ورأسه، كان يحاول الكلام ولكنه لم يستطع فعل ذلك، استعار (رافيندرا) سيارةً ليقله إلى أقرب مشفىً ولكنه فارق الحياة قبل الوصول إلى هناك.

على الرغم من محاولة إخفاء هوية القتلة، فإنهم كانوا معروفين لأن (باليرام) ولمدة 10 أعوام كان يقود حملات ليدفع السلطات المحلية لاعتقال وإيقاف عصابة قوية من المجرمين مقرها قرية (ريبور)، كان الناس يدعونها بالـ”مافيا“ وهذه المافيا كانت تسطو على موارد القرية، وأحد أهم الموارد هناك هي مورد ساهم في بناء أغلب مباني القرن الـ21 وهو ”الرمـل“.

هذه صحيح قُتل (باليرام) بسبب الرمل ولكنه لم يكن الأول الذي يتسبب الرمل في مقتله.

 بناء في Uttar Pradesh في الهند، أي مبنىً يحتاج للإسمنت يحتاج للرمل أيضاً.

بناء في Uttar Pradesh في الهند، أي مبنىً يحتاج للإسمنت يحتاج للرمل أيضاً.

بُنيت حضارتنا حرفياً من الرمال، استخدمه الناس لبناء الأبنية مهما كان نوعها منذ عصر الفراعنة على أقل تقدير، وفي القرن الخامس عشر اكتشف حرفي إيطالي كيفية تحويل الرمل إلى زجاج شفاف مما فتح المجال أما تصنيع المجاهر والتلسكوبات ومختلف التقنيات الأخرى التي تحتوي الزجاج في تكوينها، مما يعني أنها ساعدت وكانت عاملاً أساسياً في دفع عجلة النهضة العلمية إلى الأمام (بالإضافة لصناعة نوافذ البيوت طبعاً).

الرمل هو جزء ضروري يدخل في تركيب مساحيق التجميل والمنظفات ومعجون الأسنان والألواح الشمسية ورقائق السيليكون، وبشكل خاص المباني، فكل بناء اسمنتي يحتوي على أطنان من الرمال والحصى المختلطة بالإسمنت.

الرمال هي عبارة عن حبيبات صخرية صغيرة وأشياء أخرى يتم تشكيلها بعدة طرق منها تفتت الصخور نتيجة تجمدها، أو نتيجة تحطمها بفعل تيارات البحر، أو من خلال تفكك أصداف البحر التي تجدونها على الشاطئ أيضاً، وحتى من خلال تجمد الحمم البركانية وتفككها نتيجة تعرضها للهواء. ولكن تقريباً 70% من مكونات كل حبيبات رمال الأرض هي الكوارتز Quartz (هو معدن يعود اكتشافه إلى الفرنسي (بيير كوري) وأخوه (جاك) في عام 1880) المتشكلة نتيجة العوامل المناخية، حيث يؤدي الزمن والعناصر الأخرى التي ذكرناها في الأعلى بالإضافة للعوامل الطبيعية إلى تآكل الصخور فوق وتحت الأرض مما يؤدي إلى تكوين ذرات صغيرة من الرمال، وتحمل الأنهار أطناناً لا تعد ولا تحصى من تلك الذرات ومن ثم تتراكم بعدها على ضفافها ومصباتها وفي المناطق التي تلتقي فيها مع البحار.

بغض النظر عن الهواء والماء، يعد الرمل الخام هو المصدر الطبيعي الأكثر استهلاكاً من قبل البشر، حيث يستخدم الناس أكثر من 30 مليار طن من الرمال والحصى كل عام، كما أن هناك مطالب كبيرة تدعو لتجريد شواطئ البحار وضفاف الأنهار من رمالها واستخدامها في عمليات الإعمار، حيث أن رمال الصحراء لا يمكن استخدامها في عمليات البناء فهي تتشكل بشكل رئيسي نتيجة تعرض الصخور للرياح وليس للماء مما يؤدي إلى تكون ذراتها على شكل دائري بشكل زائد عن اللزوم مما يشكل صعوبة في تكتلها سويةً، وكمية الرمال التي يتم استخدامها تتزايد بإطراد مع مرور الأعوام.

على الرغم من أن كمية الرمال الكبيرة الموجودة في العالم تجعلها تبدو مصدراً غير قابل للانتهاء، لكن هذا غير صحيح تماما فالرمال مصدر قابل للنفاذ مثله مثل النفط وغيره من الأمور، وهذا الازدهار العمراني الكبير الذي تمر به الكرة الأرضية حالياً من بناء المدن في (بكين) في الصين و(لاغوس) في نيجيريا يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة وغير مسبوقة من الرمال حول العالم.

استخراج الرمال صناعة تُقدر قيمتها المادية بـ70 مليار دولار، ففي دبي وحدها مثلاً استفذت مشاريع الاستصلاح الزراعي وبناء ناطحات السحاب الهائلة كل المصادر الرملية القريبة من الإمارة تقريباً، حيث يقوم المصدرون في أستراليا ببيع الرمال حرفياً للعرب الآن!

 عمال وهم يغسلون الحجارة قبل أن يتم سحقها وتحويلها إلى رمال في منجم غير شرعي قرب قرية (ريبور).

عمال وهم يغسلون الحجارة قبل أن يتم سحقها وتحويلها إلى رمال في منجم غير شرعي قرب قرية (ريبور).

في بعض المناطق تقوم شركات كبيرة متعددة الجنسيات بالتنقيب عن هذه الصخور باستخدام آلات عملاقة، وفي مناطق أخرى يقوم العامة بالتنقيب عن هذه الصخور باستخدام المعاول ونقلها بواسطة العربات الصغيرة، ومع استهلاك كل الصخور التي سوف تتحول إلى رمال لاحقاً والموجودة في مقالع الحجارة وضفاف الأنهار، انتقل التنقيب عنها إلى البحار حيث توجد الآن مئات السفن التي تقوم بسحب العديد من الصخور والرمال الأخرى من قاع البحار، هذه العمليات التي تعيث خراباً في الأنهار والسواقي (أو الدلتا: قنوات مياه على شكل حرف الدال اليوناني) والنظم البيئية البحرية.

يُلقى اللوم على عمليات التنقيب عن الرمل في أمريكا على تعري الشواطئ أو ما يسمّى بتآكل الشواطئ (عملية تحدث نتيجة فقدان الرمال من على الشواطئ مما يؤدي لأن يصبح الشاطئ أضيق وأقل ارتفاعاً) والتلوث الهوائي والمائي وغيرها من الأمور، مثال على هذا سواحل كاليفورنيا وبحيرات (ويسكنسن).

حذرت المحكمة العليا الهندية مؤخراً من أن عمليات التنقيب التي تحصل على ضفاف الأنهار قد تؤدي إلى زعزعة الجسور المقامة عليها، والإخلال بالنظام البيئي في كل البلد، وقتل الأسماك مما يؤدي للتقليل من الثروة السمكية بالإضافة لموت الطيور أيضاً، ولكن هناك فسحة أمل تلوح في الأفق؛ فهناك العديد من الأنظمة الدولية التي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الأمور وخاصة في دول العالم النامية.

قامت عمليات التنقيب عن الرمل على الأقل بمحو 24 جزيرة إندونيسية منذ عام 2005، وتم نقل أغلب الرمال المستخرجة من هذه الجزر إلى سنغافورة التي تحتاج إلى كميات رمال وصخور كبيرة من أجل إكمال برنامجها الذي يقضي بتصنيع كورنيشات صناعية، حيث أضافت هذه المدينة إلى مساحتها 130 كيلومترا مربعاً من البحر خلال الـ40 سنة الماضية وما زالت تضيف المزيد إلى مساحتها مما جعل منها أكثر مدينة استيراداً للرمال.

سبب هذا الأمر ضرراً كبيراً للبيئة لدرجة أجبرت أندونيسيا وماليزيا وفيتنام على فرض قيود على صادرات الرمال أو حظرها كلياً عن سنغافورة. كل هذه الأمور أدت إلى ازدهار عمليات التنقيب غير الشرعية عن الرمال، ففي جزيرة إندونيسية تُسمى بـ(بالي)، وهي جزيرة بعيدة عن الشاطئ السياحي الإندونيسي، يمكنك أن تجد منطقة تنقيب رملية تبدو وكأن نيزكاً قد سقط فوقها بالتحديد في منتصف وادٍ يقع بين العديد من الجبال الخضراء ومحاط بالأدغال وبحقول الأرز الجميلة، وأصبحت هذه المنطقة كحفرة سوداء تبلغ مساحتها 14 فداناً من الرمال والصخور المكشوفة، وفي أرضيتها يوجد رجال يرتدون سراويل وشباشب رخيصة الثمن ويستخدمون المطارق والمجارف لتحميل الرمال والحصى إلى آلات فرز مرطبة للصخور تُصدر دخاناً كثيفاً مزعجاً.

يقول (نيومان ساندرا) عضو سابق في المجلس التشريعي في المنطقة: ”هؤلاء الذين يمتلكون رخصاً للحفر عليهم أن يدفعوا من أجل إعادة ترميم المنطقة التي حفروا فيها، ولكن 70% من المناجم الموجودة في المنطقة هي مناجم غير شرعية لا تمتلك أي رخصة للحفر“، وحتى الشركات التي تمتلك تصاريح حفر تدفع رشاوٍ من أجل أن تتمكن من القيام بعمليات حفر على نطاق أوسع وأعمق مما هو مسموح ومقرر لها.

اليوم هناك عصابات إجرامية في 12 دولة على الأقل من جامايكا إلى نيجيريا تقوم بالتنقيب عن أطنان من الرمال سنوياً وتقوم ببيعها في السوق السوداء، وهناك تقديرات تفيد بأن نصف الرمال المستخدمة في عمليات البناء التي تتم في المغرب هي رمال مستخرجة بشكل غير قانوني، حيث أن شواطئ كاملة في تلك المناطق تختفي.

أحد رجال أشهر العصابات الإسرائيليين، الذي كان منخرطاً في سلسلة من عمليات التفجير الإرهابية، بدأ تجميع ثرواته من خلال سرقة الرمال من الشواطئ العامة، كما تم توجيه العديد من الاتهامات للعشرات من المسؤولين الماليزيين في عام 2010 بقبولهم لرشاوٍ مالية وإغراءات جنسية من أجل تسهيل عملية تهريب الرمال المستخرجة من الشواطئ الماليزية إلى سنغافورة.

لكن أكثر الأماكن الآن التي تدور فيها صراعات من أجل الحصول على الرمال هي الهند؛ هناك صراع ضارٍ يجري بين العصابات وحتى داخلها أيضاً من أجل الحصول على الرمال بطريقة غير شرعية وتهريبها، وأسفرت هذه الصراعات إلى قتل مئات الناس في السنوات القليلة المنصرمة، من هؤلاء الناس ضباط شرطة وحكوميون رسميون ومواطنون عاديون كـ(باليرام شوهان).

قرية (ريبور)، المكان الذي قُتل فيه (باليرام).

قرية (ريبور)، المكان الذي قُتل فيه (باليرام).

لطالما كانت المنطقة المجاورة لهذه القرية منطقةً زراعيةً غنية بحقول القمح والخضر أيضاً وذلك على ضفاف نهر Yamuna، ولكن بدأت الآن العاصمة (ديلهي) التي تقع على بعد ساعة تقريباً عن قرية (رايبور) تزحف وتتوسع باتجاه القرية بشكل كبير، فعلى الطريق باتجاه قرية (رايبور) لاحظ الصحفي (آدم فيرغسون) مواقع البناء الجديدة المتراصة، أغلبها ناطحات سحاب كبيرة مصنوعة من الإسمنت ومزينة بالزجاج، بالإضافة للعديد من المراكز التجارية والأبنية السكنية وأبراج المكاتب، وأيضاً هناك مدينة رياضية تمتد على مساحة 5000 فدان هي قيد الإنشاء الآن فيها عدة ملاعب رياضية بالإضافة لمضمار سباق سيارات فورمولا وان.

بدأت هذه الثورة المعمارية منذ حوالي عقد مضى مع ظهور مافيا الرمل أيضاً، قال رئيس منظمة حقوق المزارعين السيد Dushynt Nagar: ”لطالما كان هناك مافيا فيما يخص أمور التنقيب وبيع وشراء الرمال حتى قبل هذا الازدهار العمراني الغريب، ولكن الأمر الذي تغير الآن هو أن عمليات سرقة الأراضي بدأت بالازدياد والأمر الأكثر سوءاً هو ارتفاع عدد القتلى من الناس أيضاً“.

قال (أكاش) وهو ابن (باليرام) للصحفي (فيرغسون) وهما يجلسان في غرفة المعيشة الخاصة بالعائلة، التي كانت أرضيتها اسمنتية صرفة دون أي إكساء، بأن عائلة (شوهان) لطالما عاشت في هذه المنطقة منذ عدة قرون. كان هذا الشاب نحيلاً ذا عيون بنية وشعر أسود وكان يرتدي سروال جينز مع كنزة رمادية اللون وينتعل في قدمه شبشباً، كانا يجلسان في هذه الغرفة التي تبعد بضعة أمتار عن المكان الذي قُتل فيه والد (أكاش).

تملك هذه العائلة اليوم 10 فدانات من الأراضي وتشترك مع القرية بحوالي 200 فدان، فقبل 10 سنوات قامت مجموعة من الرجال ”ذوي العضلات“ على حسب أقوال (أكاش) وهم (راجبال شوهان) -ليس هناك صلة قرابة بينهم فكنية شوهان متداولة جداً في تلك المنطقة- وأولاده الثلاثة بالسيطرة على الأراضي المشتركة، حيث أنهم قاموا بتعرية الأرض من تربتها السطحية ثم بدأوا بنبش الرمال المتراكمة فيها منذ عدة قرون نتيجة فيضانات نهر Yamuna، ومما زاد الطين بلة هو أن عملية التعرية هذه مع عملية نبش الرمال جعلت الأراضي غير صالحة للزراعة بعد الآن، الأمر الذي أعاق نمو المحاصيل الزراعية فيها.

(أكاش شوهان) وهو يقف على مدخل غرفة نوم والده التي قُتل فيها.

(أكاش شوهان) وهو يقف على مدخل غرفة نوم والده التي قُتل فيها.

بصفته عضواً من أعضاء ”بناشات“ القرية أو مجلسها الحاكم، أخذ (باليرام) على عاتقه مسؤولية إغلاق مناطق التنقيب عن الرمال من خلال قيادته لحملة احتجاج واسعة، فبغض النظر عن سرقة أراضي القرية فإن التنقيب عن الرمال هو أمر غير مسموح قانونياً بسبب قربها من محمية للطيور، والأمر المزعج أكثر هو أن الحكومة تعلم بأن هذه الأمور تجري هناك: في عام 2013 خرج فريق لتقصي الحقائق إلى تلك المنطقة، أُرسل من قبل وزارة البيئة ووجد بأن هناك عمليات تنقيب جائرة ومتفشية بكثرة عن الرمال في تلك المنطقة.

ومع ذلك لم يتمكن (باليرام) مع بقية سكان القرية من إيقافها، فالتمسوا مساعدةً من الشرطة، ومن المكاتب الحكومية، ومن المحاكم لعدة سنوات ولكن دون فائدة فلم يتوقف أي شيء، الإشاعة المتداولة بأن العديد من سكان القرية قد قبلوا رشاوٍ من أجل أن يلزموا الصمت حول كل هذه الانتهاكات، مما يعني بأنهم مشتركون في الجريمة أيضاً.

بالنسبة للأشخاص الذين لا يقبلون الرشوة، فإن العصابات لا تتساهل معهم بل يتم تصفيتهم في وضح النهار بكل وقاحة، يقول الضابط المسؤول عن أمور التنقيب غير القانونية عن الرمل (نافين داس): ”نحن نشن هجمات ومداهمات على مواقع التنقيب غير القانونية ولكن هناك مخاطر كبيرة في كل مرة نقوم بها بهذا، فرجال العصابات يقومون بمهاجمتنا وإطلاق النار علينا مما يؤدي إلى مقتل العديد من رجالنا أيضاً“، وأضاف: ”ففي خلال الثلاثة أعوام المنصرمة قتل مستخرجو الرمال ضابطين من ضباطنا على الأقل كما أنهم هاجموا الكثير من الرجال الشرفاء من المخبرين الذي كانوا يدلوننا على مواقع التنقيب غير القانونية، فلم يسلم أحد من شرهم حتى المسؤولون الحكوميون، وفي شهر مارس هذا اعتدى عمال التنقيب عن الرمال غير القانوني على صحفي وها هو الآن طريح الفراش جراء إصابته بجروح بليغة“.

تبعاً لوثائق المحكمة فإن (راجبال) وأولاده قد هددوا (باليرام) وعائلته مثله مثل العديد من سكان أهل القرية، يعرف (أكاش) اسم ولد من أولاد (راجبال)، وهو (سونو)، لأنهما قد ارتادا نفس المدرسة في صغرهما، ويقول عنه: ”اعتاد (سونو) أن يكون شاباً مهذباً في المدرسة، ولكنه عندما انخرط في مجال التنقيب عن الرمال وبدأ بجني المال بشكل سريع تطور لديه دماغ إجرامي وبدأ يصبح عنيفاً جداً“، وفي النهاية اعتقلت الشرطة (سونو) في عام 2013 وحجزت بعضاً من شاحناته التي كان يستخدمها في مجال عمله، ولكنه خرج بعدها من السجن بكفالة، أليس هذا أمراً غريباً بحق!؟

في أحد الأيام ركب (باليرام) دراجته متجهاً إلى أحد حقوله كان يقع قرب موقع تنقيب عن الرمال تابع لـ(سونو)، وعندما رآه هذا الأخير اقترب منه وقال: ”هذه غلطتك، بسببك أنت دخلتُ السجن“، وقال (أكاش) بأن (سونو) كان قد أخبر والده حينها بأنه يجب عليه أن يتوقف عن مطالباته بإغلاق أماكن استخراج الرمال وإلا فإنه سيندم، ولكن عوضاً عن أن يتوقف (باليرام) عن نشاطاته المضادة للتنقيب غير القانوني عن الرمال ذهب ليشتكي إلى الشرطة ويخبرهم بتهديدات (سونو)، وبعدها بعدة أيام قتل (باليرام) رمياً بالرصاص.

اعتقل جرّاء هذه الحادثة (سونو) وأخوه (كولديب) والأب (راجبال) بتهمة القتل العمدي، ولكنهم كلهم خرجوا من السجن بكفالة مالية، يقول (أكاش): ”أنا أصادفهم في القرية في بعض الأحيان، يا لها من قرية صغيرة“.

 قوارب التنقيب غير الشرعي عن الرمال في خليج Thane Creek في منطقة Maharashtra في الهند

قوارب التنقيب غير الشرعي عن الرمال في خليج Thane Creek في منطقة Maharashtra في الهند في 20 مارس عام 2015، حيث يغوص العمال إلى أسفل النهر يحمل كل منهم دلواً ويقوم بتعبئته بالرمل من أرضية النهر ويصعد به للأعلى.

تحتشد العديد من القوارب الخشبية في خليج Thane Creek خارج منطقة (موبي)، العشرات بل المئات من القوارب مربوطة معاً على شكل خط مستقيم يمتد لمسافة كيلومتر ونصف في مياه هذا الخليج الذي يوجد على ضفافه أشجار المانغروف الاستوائية المرتصفة بجانب الأبنية السكنية أيضاً، وهناك نفحة رائحة الملح تملأ هذه المنطقة بسبب قربها من البحر العربي، والتي تختلط برائحة البنزين التي تفوح من محركات القوارب.

يحمل كل قارب طاقماً مكوناً من 6 إلى 10 أشخاص، يقوم اثنان من أعضاء الطاقم بالغوص إلى أسفل النهر ويحمل كل منهما دولاً معدنياً، حيث يقومان بتعبئته من رمال قاع النهر ثم يصعدان بهما إلى سطح النهر، ثم يقوم شخصان آخران برفع الدلوين بواسطة حبل مربوط بهما إلى سطح القارب، وكلما كانت بنية أجساد الطاقم الجسدية أقوى كلما كان أداء هذه العملية أهون وأسلس.

يقول (برالهاد مهاتري) ذو الـ41 عاماً بأنه يقوم بعملية الغطس هذه أكثر من 200 مرة يومياً، وبأنه امتهن هذه المهنة لمدة تقارب الـ16 سنة، فمدخولها جيد، كما أن الغطاس يجني منها ضعفي ما يجني ساحب الحبل، ولكن مع هذا فالمدخول ليس سخيا بما فيه الكفاية فهو لا يتعدى 16 دولار يومياً.

يرغب الرجل بأن يمتهن ابنه وبناته الثلاثة مهنةً مختلفةً عن هذه المهنة، كما أنه يعتقد بأن رمال هذا النهر قد شارفت على الانتهاء ويقول: ”عندما بدأت مهنة الغوص هذه كان يجب علي أن أغوص لعمق 6 أمتار لكي أصل إلى الرمال أما الآن فأصبح يجب علي الغوص لعمق 12 متراً، ويمكنني الغوص بعمري هذا لعمق 14 متراً تقريباً، وإذا ألزمني صاحب العمل بالغوص لمترين إضافيين عن هذا العمق سأتوقف عن العمل كلياً“.

غواص في النهر

غواص رمال يحضر نفسه لجولة غطس ثانية في أعماق خليج Thane Creek.

أخذت قائدة حملة الاحتجاجات ضد عمليات التنقيب عن الرمال غير الشرعية السيدة (سميرا عبد العلي) الصحفي (فيرغسون) ليرى طرقاً أخرى للتنقيب عن الرمال، السيدة (سميرا) هي سيدة محتشمة لطيفة من طبقة برجوازية في مدينة (مبابي) ذات صوت رقيق ومظهر حسن وأخلاق جميلة، أمضت سنوات عديدة وهي تسافر إلى مناطق نائية بسيارتها ذات المقاعد الجلدية الجميلة لتأخذ صوراً لمواقع التنقيب غير الشرعية والمافيا التي تديرها، ونتيجة لذلك تعرضت للعديد من التهديدات ومحاولات القتل؛ رموها بالحجارة وتمت مطاردتها بالسيارات بسرعة عالية وكُسِّرت نوافذ سيارتها عدة مرات، كما أنها تعرضت للضرب عدة مرات وفي إحدى المرات كُسر سنها.

انخرطت السيدة عبد العلي في موضوع ملاحقة أمور التنقيب غير الشرعي عن الرمال بعدما بدأت هذه الأعمال بتخريب الشاطئ الذي اعتادت أن تأتي هي وعائلتها لتقضي إجازتها فيه في منطقة (مبابي)، وفي عام 2004 قامت بأول حركة مدنية قضائية ضد التنقيب غير القانوني عن الرمال في الهند، وذُكر هذا الأمر في الصحف الهندية مما جعل العديد من الناس يتصلون بها ويطلبون دعمها ومساعدتها في عملية رفع دعاوٍ قضائية على أعضاء المافيا المسؤولين عن التنقيب غير الشرعي، ومنذ ذلك الحين ساعدت عبد العلي العديد من الأشخاص لكي يقدموا دعاوٍ رسمية ضد هذه الأعمال الخارجة عن القانون وحافظت على هذا المستوى المستمر والثابت من توثيق الدعاوي وإمطار المسؤولين والصحف المحلية بها لتفتيح عيون الناس والحكومة حول هذا الأمر، وقالت: ”لا يمكننا إيقاف أعمال البناء بالطبع؛ لا يمكننا إيقاف التطور العمراني في الهند، ولكن بالطبع يجب أن يتعرض كل شخص للمساءلة حول مصدر مواد البناء“.

أخذت عبد العلي الصحفي (فيرغسون) إلى قرية ريفية هندية تُدعى Mahad، وفي نفس هذه المنطقة قام بعض من أفراد المافيا بتحطيم سيارتها مرة. على كل حال؛ استخراج الرمال والتنقيب عنها ممنوع في هذه المنطقة بسبب قربها من منطقة ساحلية محمية، ومع ذلك؛ ففي تلال لا تبعد كثيراً عن تلك القرية، مرت عبد العلي والصحفي (فيرغسون) بنهر لونه بين الأخضر والرمادي ويوجد فيه العديد من القوارب التي تقوم باستخراج الرمال من القاع، ولكن هذه المرة، تقوم بالعمل محركات تعمل بالبنزين وليس بشكل يدوي عبر العمال التقليديين الذين يقومون بالغوص كما ذكرنا سابقاً، ولكن توجد أعمال تستدعي يدا بشرية لإنجازها مثل جرف الرمال المستخرجة ووضعها في شاحنات لنقلها بعيداً عن المنطقة، مما يجعل الناظر يرى تناثراً غريباً للرمال ملوثاً لما حول ضفاف النهر.

بعدها بقليل عاد الصحفي والسيدة عبد العلي إلى الطريق الرئيسي ووجدا أمامهما قافلةً صغيرة مكونة من ثلاثة شاحنات رملية، كانت هذه الشاحنات تصدر أصواتاً مزعجةً، والمزعج في الموضوع أكثر هو تجاوز هذه القافلة لمركبة شرطة واقفةً على جانب الطريق يتكئ عليها شرطيان وشرطي ثالث مضطجع داخلها من دون أن تحرك هذه الدورية ساكناً لمرور هذه الرمال غير الشرعية.

امتعضت عبد العلي كثيرا لهذا الموقف، فتوقفت بجانب مركبة الشرطة ووجدت بأن هذا الضابط المسؤول عن هذه الدورية كان يرتدي زي الشرطة التقليدي في الهند مع نجوم على كتفه (رتب) وجوارب سوداء، وكان قد خلع حذاءه، وهنا سألته عبد العلي قائلةً: ”ألم تر هذه الشاحنات وهي تحمل الرمال التي مرت من أمامك قبل قليل؟“ وأجاب: ”لقد قمنا بتقديم بعض الحالات في هذا الصباح ونحن الآن في استراحة الغداء“، وبعدها بقليل ومع انطلاق السيارة التي كانت تقل الصحفي وعبد العلي وجدوا شاحنةً أخرى مركونةً بقرب الطريق الرئيسي أيضاً، وفي وقت آخر طلب الصحفي (فيرغسون) من أحد المسؤولين الحكوميين الذي رفض أن يظهر اسمه عن سبب ما شاهدوه وما المغزى من وجود الشرطة، فكان جوابه متوقعاً وقال بأن الشرطة متواطئة مع مافيا الرمال، وحتى عندما يرغب بعض أفراد الشرطة الشرفاء تنفيذ مداهمة على مواقع التنقيب غير الشرعية، يقوم أفراد الشرطة الفاسدون بتنبيه المجرمين قبل وقوع المداهمة، كما أنهم لا يدانون معظم الأوقات حتى في قاعات المحاكم.

عمال يغسلون الرمال المستخرجة من خليج Thane Creek قبل البدء بنقلها بواسطة الشاحنات.

عمال يغسلون الرمال المستخرجة من خليج Thane Creek قبل البدء بنقلها بواسطة الشاحنات.

بالعودة لقرية (رايبور) وبعدما أن أنهى الصحفي (فيرغسون) حواره مع عائلة (باليرام شوهان)، وافق ابن القتيل (أكاش) أن يأخذه في جولة إلى أراضي القرية التي استحوذت عليها المافيا زوراً وبهتاناً، فاستأجرا سيارة في (ديلهي) ودل (أكاش) سائقها إلى الموقع المطلوب.

كان الموقع سهل الوصول لوقوعه في منطقة واضحة: حيث عبروا الطريق الرئيسي للقرية وصولاً إلى فسحة تبدو وكأنها مدمرة بسبب أعمال حفر فيها وصلت لعمق ثلاثة أمتار وحتى ستة أمتار، وضمن هذه الحفر توجد صخور يقارب حجمها حجم البيوت، وهنا وفي هذه المنطقة يوجد شاحنات وعمال يتراوح عددهم بين الـ50 والـ60 رجلاً يكسرون الصخور بمعاول ومطارق يدوياً ويأخذون فتات الصخور وينقلونه إلى هذه الشاحنات التي تتحرك بعيداً ناقلةً هذه الرمال إلى موقع مختلف عن هذه الفسحة، وعندما مرت السيارة التي تقل الصحفي و(أكاش) بقرب هذا الموقع توقف العمال عن العمل ورمقوا ركاب السيارة بنظرات ريبة غريبة، وفي هذه اللحظة أشار (أكاش) إلى رجل طويل وضخم يرتدي سروال جينز وكنزة وقال للصحفي: ”هذا (سونو) الذي حدثتك عنه“.

بعدها حاول الصحفي و(أكاش) وسائق التاكسي الاقتراب من الموقع في محاولة منهم لالتقاط الصور التي توثق هذه الانتهاكات، ولكن هنا رأى (أكاش) ثلاثة رجال يحملون المعاول ويسيرون باتجاههم وقال للصحفي (فيرغسون) بصوت خافت: ”(سونو) قادم“.

بدأ هنا (أكاش) و(فيرغسون) وسائق التاكسي بالتراجع ولكن بخطوات بسيطة كي لا يظهروا للرجال بأنهم خائفون منهم أو أنهم يحاولون الهرب ولكنهم كانوا بطيئين جداً لدرجة جعلت (سونو) يقترب منهم جداً حيث صرخ قائلاً: ”يا أبناء الع**رة، ما الذي تفعلونه هنا؟“، لم يجبه أحد حيث التزم (أكاش) الصمت وتمتم سائق التاكسي قائلاً: ”نحن هنا سياح“، وعندما حاولوا ركوب السيارة من جديد أمسك (سونو) بابها وفتحه بقوة وأمر السائق بالترجل منها، واستجاب السائق لهذا الأمر وقال لهم: ”أتريدون جولة سوف آخذكم في جولة يا أخوة الع**رة“، هنا قال سائق التاكسي: ”نحن مجرد سياح هنا، نحن هنا لنرى فقط كيف تجرى عملية التنقيب عن الرمال واستخراجها“، قال (سونو): ”التنقيب عن الرمل! لا يوجد أي شيء من هذا الأمر هنا، ما الذي رأيتموه؟“ وأجاب السائق: ”لقد رأينا ما رأينا والآن نحن مغادرون“، قال (سونو): ”لا، لن تبرحوا مكانكم“.

استمرت هذه المناوشات لعدة دقائق قبل أن يشير أحد رجال (سونو) الحمقى إلى الصحفي (فيرغسون) الذي يبدو شكله أجنبياً مما جعل (سونو) وفريقه يراجعون أنفسهم قليلاً، لأن محاولة إيذاء رجل أجنبي مثل الصحفي (فيرغسون) قد يسبب مشاكل كثيرة لـ(سونو) ولعمله ولكل طاقمه، وهنا وجد بأن تركهم يذهبون هو أفضل خيار، وعندما هم الثلاثة بالرحيل اكتفى (سونو) بالنظر إليهم وهم يرحلون بنظرة حقد غريبة.

لا تزال الدعاوى القضائية تترنح ضمن قاعات المحاكم الهندية، ولكن كما قيل للصحفي فالأمور هناك مهما كان نوعها يمكن أن تُشترى بالنقود، بإمكان المال أن يشتري الشهود أو القضاة أو الضباط أو الحكوميين وحتى المسؤولين، وبالنسبة لـ(سونو) فقد جنى ثروة طائلة من التنقيب غير الشرعي عن الرمال مما يجعله قادرا على رشوة أي كان.

موقع تنقيب عن الرمال قرب قرية (رايبور) يقوم فيه رجل بتعبئة شاحنة بالرمال المستخرجة بشكل غير قانوني.

موقع تنقيب عن الرمال قرب قرية (رايبور) يقوم فيه رجل بتعبئة شاحنة بالرمال المستخرجة بشكل غير قانوني.

يحاول (أكاش) أن يبقى على اطلاع فيما يخص أمور التحقيقات التي تُجرى حول هذا الموضوع ويحاول التماس الدعم من هيئات حقوق الإنسان الهندية على الرغم من طلب أمه منه بالتوقف عن القيام بمثل هذه الأمور، وذلك لأن هذا سبب مقتل والده وأيضاً أخاه (رافيندرا) قبل سنة، الذي كان الشاهد الرئيسي في قضية سرقة أراضي عائلته وجعلها أراضٍ لاستخراج الرمل، حيث وجد مقتولاً بعد أن دهسه قطار على سكة القطار الرئيسية ولا أحد يعلم كيف حدث هذا.

الآن تحاول الهند اتخاذ إجراءات صارمة في حق هذه الانتهاكات وخاصة محكمة البيئة الخضراء الدولية -وهي عبارة عن محكمة تهتم بشؤون البيئة في الهند- حيث فتحت أبوابها لتلقي أي شكاوٍ تطال موضوع التنقيب عن الرمال والأضرار التي تحصل لسكان الهند جراءها.

كما يحاول الناس في بعض الأحياء قطع الطرقات أمام شاحنات الرمال، بالإضافة إلى العديد من ضباط الأمن في الهند الذين أظهروا رغبتهم بكبح جماح هذه المافيا وإيقاف كل من له يد فيها، ففي بعض الأحيان يتمكن الضباط من مداهمة بعض المواقع وحجز الشاحنات الناقلة للرمال، وفي أحيان أخرى يفرضون غرامات مالية كبيرة للإفراج عنهم، وحتى أن قاضي المنطقة الجديد حكم لصالح عدة دعاوٍ ضد المافيا واعتقل العديد من المشاركين في هذه الأعمال وزج بهم في السجون.

ولكن الهند بالمجمل هي بلد كبير جداً بكثافة سكانية تبلغ مليار نسمة مما يجعل محاولة ملاحقة كل النشاطات الخارجة عن القانون أمراً صعباً جداً، فلابد من وجود العديد من المنظمات والمافيا التي تمتهن التنقيب عن الرمال، كما يجب على المسؤولين هناك الانتباه إلى أن الرمال مصدر قابل للانتهاء ولكن الطلب غير قابل للانتهاء، مما يوجب عليهم ضبط الطلب عليه قبل ضبط محاولة استخراجه والتنقيب غير الشرعي عنه. ففي كل يوم يزداد التعداد السكاني للهند والعالم مما يزيد الطلب على المنازل لإيواء هذا النمو السكاني المتزايد، الذي يتطلب كذلك بناء مرافق أخرى كالطرق والمصانع والمعامل والمراكز التجارية، مما يزيد الطلب بشكل آلي على الرمال التي أصبحت أمراً أساسياً في حياتنا.

يقول المحامي المختص بالدفاع عن أمور البيئة Ritwick Dutta: ”المشكلة الجوهرية هي الاستخدام الكبير للأبنية التي تحتوي الإسمنت في تركيبتها، هذا هو السبب الذي يجعل تجارة التنقيب غير القانونية عن الرمال تزدهر، فالرمل مطلوب في كل مكان“.

هذا المقال مترجم من المصدر Wired

المصادر

عدد القراءات: 971