أقصوصة

ذكريات عقد قراني الأول، ليلة صوفية

ليلة صوفية

بناء سكني عادي بأحد الأحياء وسط برلين، وصلنا للطابق الأخير، بدأنا تنشق رائحة البخور، باب مزخرف، فُتح الباب وظهر شخص يبدو قادماً من كتب التاريخ الإسلامي بلباس فضفاض ولحية بيضاء خفيفة وقبعة إسلامية، سلام ودخول، ممر غير عادي، الحيطان والسقف مليئة بالتحف والسجاد والمعلقات، لا يوجد أي مساحة صغيرة فارغة.

ندخل بالممر، الغرفة الأولى هي للمطبخ، دخلنا الغرفة الثانية، إضاءة حمراء باهتة، السجاد يغطي الغرفة كاملة من أرضها لحيطانها لسقفها، تحف ورموز دينية ترمز لجميع الأديان، صليب مسيحي؛ نجمة داوود؛ بعض الأصنام تبدو لآلهة آسيوية؛ رسومات لامرأة عارية؛ وصور لأئمة شيعة، وصورة ”سيدنا صاحب الطريقة قدس الله سره“ أظنه تركياً.

يدخل بعدها شاب أفغاني، رجل أظنه ألمانيا، امرأة إيرانية تلبس بنطال جينز وبروتيل تُظهر أكثر ما تخفي من صدرها وشعر أسود بدون غطاء رأس، وبعدها دخل ”الدرويش“ حاملا شايا وبضع الحلويات.. سلام وكلام وتعارف، ثم إقامة لصلاة العشاء، ننتقل بعدها للغرفة الثالثة، المليئة بالكتب المصفوفة من الأرض لمنتصف الحائط بدون أي خزانة على كامل محيط الغرفة، صلاة العشاء ثم عودة لغرفتنا.

كنت قد أخترت قبل وصولي أن أكون صوفياً هذه الليلة، ومع سابق معرفتي الجيدة بالصوفية بدمشق إلا أنها لم تكن أبداً بمثل هذا ”التطرف“ إن جاز التعبير.

بدأت أصوات التهليل في غرفتنا، تكبيرات، صلوات على النبي، تسبيح وحمد، ونداء باسم الله، الوقت يزيد من ”الدخول بالحال“، هنا لا يفيدك استخدام العقل، غذي قلبك واسمح لريشة الإيقاع والعزف على أوتار قلبك، عيناك ترى ما يسميه عقلك جنون، اسمح لقلبك أن يسميه نشوة وأختر الخوض في غمار الجنون! هكذا حدثتني نفسي، وهكذا كان..

بعد حوالي الساعتين، انتهت جلسة الذكر، رفع الدرويش رأسه وقام بعقد القران، لم يكن محددا في ذلك اليوم، ولكن هناك، في عالم الصوفيّة، يصغر العالم بعينيك جداً وقراراتك من الصعب أن تبقى ملكك، حيث تفقد ”الحياة الدنيا“ معناها.

بدأ بعدها الدرويش درساً لا تخلو جملة منه من ذكر ”سيدنا قدس الله سره“، حيث أن سيدنا يقول أن القرآن يقول، وسيدنا يقول أن النبي محمد يقول، وسيدنا يقول ويقول ويقول، ولم اسمع من كلام سيدنا شيئاَ جديدا أربطه به، فهو نفس كلام جميع الخطب والدروس القديمة التي مللت سماعها.

بعد بضع أيام بدأت بالصحو من حال الصوفية، حيث انهيت زواجي بعد ثلاث أسابيع من تاريخه، وقبل ذلك اليوم كنت لحوالي الشهرين غارقا بقراءة قصص الرومي والتبريزي والحكم الصوفية.

الكلام أعلاه لا يحوي حُكماً أو رأياً بالصوفية، هو مجرد واقع عايشته وخرجت منه، قد لا يستطيع البعض معايشته وقد لا يستطيع البعض الخروج منه!

مقال من إعداد

mm

أسامة المرادني

من دمشق، سوريا، مقيم حاليا ببرلين. طالب حقوق سابق.

عدد القراءات: 6٬090