أقصوصة

مي

مي
صورة: موقع kayture

كانت تعلم أن جمالها المغري بمتابعته وتأمله يجعل عيون الجميع تحج إليها أينما حلت أو ارتحلت، وفي الظروف العادية لم تكن تضيق بهذا، بل كانت تراه أمراً طبيعياً أن يحتفي الرعية بملكتهم. الملكة التي نصبها جمالها الفريد على عرش قلوب كل من تعاملوا معها؛ فمن لم يحب ويتيم كان يقع أسير بهاءها وبريقها الأخاذ.

تعطُّل سيارتها واضطرارها استخدام سيارة أجرة في هذا اليوم زاد عدد العيون الناظرة، وجعل أغلبها تحمل معاني لم تعتد أن تحيط بها بمثل هذه الكثرة، وسبب لها ضيقاً هذه المرة، سارت ”مي“ حتى موقف سيارات الميكروباص الموجود على مقربة من بيت صديقتها التي جاءت لزيارتها، وركبت في المقعد الوحيد الخالي في السيارة العائدة إلى مدينتها.

أخذت تتابع من خلف نظارتها الداكنة عيون السائق والركاب المنبهرة، وبدأت تشعر بمتعة في تلقي نوع جديد من الإعجاب قد يكون أكثر جرأة، أو حتى بذاءة، لكنه نوع مختلف يضاف إلى سابقيه، ويؤكد لها أنها لا تستحوذ على قلوب وعقول الأثرياء من أبناء طبقتها فقط بل الآخرين كذلك.

شخص واحد خالف الإجماع، وتعجبت كيف لم ينتبه لوجودها من الأساس، رغم أنها تجلس إلى جواره تمامًا، فقد واصل قراءة الكتاب الذي يشغله تماماً، بيد أنه لمح ”مي“ وهي تصعد السيارة، وأخذ لها صورة فوتوغرافية حفظها في ذهنه بوضوح ودقة.

لم يدرِ لماذا كان قدره أن تجلس جانبه بالذات، وهو الذي يتقزز من رؤية أشباه تلك الفتاة؛ اللاتي -في نظره- لا يتجاوزن كونهن تماثيل عرض كالتي توضع في واجهة المحلات من أجل جذب الزبائن، تماثيل مهما بلغ جمالها تبقى خاوية من الداخل، وبمجرد أن تراها مرة أو مرتين تعتادها، ثم تمر من أمامها دون أن تلحظ وجودها من الأساس.

قال لنفسه أنه لولا دهشته من التلصص المستمر من عيون من حولها عليها لما شغلت تفكيره هذه اللحظات، ثم واصل القراءة في كتابه وهو يعلق بسخرية في باله: ”ربما لو وضعوا للكتب أغلفة تشبه هذه الفتاة لصار الأقبال على شرائها وقراءتها أكبر“.

في البداية لفت انتباهها عدم مشاركته الباقين في تأكيد ما تعرفه جيدًا: قدرتها الفريدة على الاستئثار باهتمام كل الحضور في أي مكان تكون به، خاصة الرجال؛ الذين يزين لهم جسدها النحيل بعض الشيء وبشرتها الناعمة المشدودة، وملامحها الدقيقة بأنها صيد سهل الحصول عليه، ويحبب إليهم امتلاكه، وما يلبثون أن يصطدموا بنظراتها الواثقة ذات السطوة حتى يتراجعوا عن مطاردتها، ويكتفوا بالمتابعة من بعيد.

بعد قليل تحول انتباهها إلى الكتاب الذي نال من مكانتها، وحاولت اختلاس بعض النظرات إلى الصفحة التي يقرأها؛ علها تفهم ما يهيمن على تركيزه إلى الحد الذي أبطل سحرها، غير أن الطريقة التي يمسك بها الكتاب لم تتح لها مجال رؤية مناسب. لم يكن صعبًا عليه أن يلاحظ محاولاتها. فعدل وضع الكتاب في يديه بحيث يصبح من السهل عليها النظر فيه. ابتسمت وسألته: ”عما يتحدث هذا الكتاب؟“

بقدر إحساسه بالانتصار لاهتمامها بمعرفة ماذا يقرأ، إلا أن محادثتها له وهي تلبس نظارة تخفي عينيها تمامًا استفزه لسبب لم يدركه، فأجاب بعجرفة: ”عن موضوع لا أظنك تعرفينه“.

فردت بتلقائية وبرود: ”يمكنك أن تشرحه لي، أعتقد أن أمامنا بعض الوقت حتى نصل“.

لكنه لم يفهم كلامها سوى بمعنى: ”أمامي بعض الوقت حتى أصل وأريدك أن تسليني لأني أشعر بالملل“.

قرر إعطائها درسًا لا تنساه طوال حياتها، خاصة وأن جلوسهما في المقعد الأوسط للسيارة جعل باقي الركاب ينتبهون لهما، ومنهم من تحفز يشاهد ماذا سيدور بين الحسناء والمثقف، والباقون أخذوا يسترقون السمع وهم يتظاهرون بعدم المبالاة. فقال لها مبتسمًا باستخفاف: ”حسنًا، هل تعرفين ’ما بعد الحداثة‘؟“

خلعت نظارتها، وقالت بحدة: ”لقد قلت أنت إني لا أعرف الموضوع، وقلت أنا يمكنك أن تشرحه لي، فلماذا تسألني هل أعرفه أم لا؟“ عيناها التي طالما ردعت كثير من الطامعين، وبطشت بغرور العديد من المغرورين، تسببت هذه المرة في إثارة التحدي بداخله. ربما لأنه توقع أن يرى خواء عقلها واضحًا فيهما، لكنه اصطدم بنظرات تحمل معنى بدا عصياً على الفهم.

صمم على أن يجعلها تشعر كم هي جاهلة، وأن جمالها لا قيمة له في ميدان الثقافة والمعرفة، وقال لها: ”هذا كتاب ينتقد الحداثة؛ بسبب اتخاذها الوضعية منهجًا لها، واعتمادها على الاستقراء وسائر طرق العقل وحده كوسيلة للمعرفة الدقيقة، ويرفض قول الحداثة بقيم أو بنظريات سياسية أو اجتماعية مطلقة“.

نظرت له قليلًا، كأنها تفتش في ذاكرتها عن نموذج يشبهه من الذين قابلتهم من قبل في حياتها، ثم أدارت وجهها وشردت بعينيها في الطريق خارج السيارة. احتار هو في اعتبار صمتها دليلًا على النصر أم لا، وفكر في قول شيء يجعلها تلتفت إليه؛ ليستشف من ملامحها ما يحصل في عقلها. لكنها سبقته وسألت وهي تواصل تأملها الطريق: ”إلى أي مدى تعتقد أن معرفة مثل هذا الموضوع ضروري للحياة؟!“، وقبل أن يتكلم واصلت حديثها: ”أرجو أن يكون جوابك، هذه المرة، مفهومًا لا يحتاج إلى ترجمة“.

صحيح أنه تعمد أن يشعرها بالجهل أمامه، لكن ليس من خلال قول كلامًا لا تفهمه، وتعتبره أعجميًا، بل عن طريق رص مجموعة مصطلحات تندهش من معرفته إياها. أرادها تدرك أن الحياة بها أمور أكثر وأهم من الزينة والموضة وكل ما توقع اهتمامها به، وأنه يلم بكل هذا الهام والكثير.

شعر بإحباط لعدم تحقق ما أراد؛ وتمثلت أمام عينيه عشرات الكتب التي قرأها منذ اكتشف الحقيقة التي رغب في كشفها لـ”مي“. رآها وهي تتناثر يمينًا ويسارًا في الهواء ثم سيطر على مشاعره، وقال لها بثقة: ”معرفة هذا الموضوع، وغيره، ضروري للحياة إلى أقصى مدى؛ فبدونه لن يمكنك فهمها وفك ألغازها الصعبة. وإذا لم تفهمي شيئاً فلن تستطيعي التعامل معه بكفاءة، كما أنك لن تتجنبي مخاطره، أو تستفيدي من محاسنه. وكل كتاب تقرئينه يفك لك عقدة تواجهك، أو ستواجهك، وكل كاتب تقرئين له تحصلين على تجاربه في الحياة مصفاة من الألم واليأس وكل ما يدفعه الإنسان حتى يتعلم ويمتلك خبرة مناسبة“.

عقد ذراعيه أمام صدره ثم سألها: ”هل هكذا أصبحت إجابتي مفهومة بالنسبة لك؟“ أخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت أمامها وقالت له: ”لقد وصلنا“. نظر إليها بشدة، ثم تلفت حوله ليتأكد من وصولهما بالفعل. أما ”مي“ فلبست نظارتها، ووضعت هاتفها في حقيبة يدها، وتأهبت للنزول، ثم صافحته وهي تقول: ”كلامك مفهوم، غير أني أفضل أن أتعلم كيف أقود السيارة بالممارسة، بدلًا من البقاء خارجها أتلقى دروسًا عن طريقة عملها وخصائصها حتى أخر العمر“.

عدد القراءات: 3٬089