أقصوصة

كائن يشهد سقوطه

كائن يشهد سقوطه Frederick Dunn
صورة لـFrederick Dunn

شعور مفعم بالحسرة والدناءة أن تدرك أن العالم لم يعد ذلك الملاذ الآمن، أنك قُذفت إليه قذفا لتعيش وسط التفاهة واجترار الوهم. كئيب وقاسي ويصيبني بالغثيان كلما استيقظت في يوم جديد.

لا أصدقاء لي، ولا أفضل أن أكوِّن أي صداقة. في الواقع، جل الصداقات تكون نابعة عن التكلف وتبادل المنفعة! لا أستطيع أن أحب أحدهم كل ما يريده مني هو أن يستفيد قدر المستطاع من هذه الصداقة، لذلك من المريح بالنسبة لي أن أظل وحيدا، على الأقل يمنحني هذا مساحة للمناورة وعيش ما تبقى من حياتي بهناء وسكينة.

أفتقد الحب، بل أجسر على القول أن لا حب في هذا العالم. أمي أيضا لا تحبني، وأنا أدرك بالحدس أنني لم أكن مرغوبا فيه قط؛ مجرد هفوة ارتكبها زوجين أحمقين لم يتحكما في لذتهما المنحطة، فكيف لهما إذن أن يتحملا نفقة كائن خامس في الأسرة؟ ربما أن الذنب أكلهما أو أنهما لم يحبا بعضهما قط، ذلك أنهما كانا كثيرا التشاجر والصراخ وكيل العتاب بلا مناسبة تذكر.

كان أبي يذيقنا أنا وإخواتي الويلات؛ مجرد زلة بسيطة أو شكوة من الجيران أو تأخر عن موعد العشاء يمنحه الفرصة حتى ينزل بنا آيات العقاب كانعكاس شرطي لتصريف ضغط حياته الدنيئة. لا زلت أتذكر بنوع من الدقة ذلك اليوم الشنيع الذي علم فيه أني أتغيب عن المدرسة وأتناول السجائر، كنت في السادسة عشر وقتها، وقد علقني من قدميّ وأخذ يخبط على مؤخرتي بأنبوب بلاستيكي قاس. لم يشفع لي توسلات والدتي وبكاءها، وحاذى به الغضب إلى حبسها في غرفة النوم حتى لا تتدخل وتمنعه عن تأدية واجبه التربوي، فيما انكمشت أختى الكبرى في أحد الأركان تنوح بدون انقطاع؛ لحظة من العجز التام لكنني لم أشعر بالألم في تلك اللحظة رغم أن أبي كان يخبط بكل قوته، أو ربما لم أتذكر الألم.

وبينما كنت أرى العالم رأسا على عقب غرقت بغتة في حالة من الصفاء والإدراك العميق؛ انعتاق فهمت على إثره أن كل حياتي ضمنيا لم تكن سوى عبث خاوي من المعنى، حتى تصرف أبي القاسي كان نابعا عن هذا العبث. هل كرهت أبي؟ لا أعلم، لكن نكايته ظللت أحملها معي طوال حياتي، ربما كرهته لأنه جلبني إلى هذا العالم إلا أنني أشعر تجاهه بنوع من الامتنان في أنه منحني هذا الإدراك ذلك اليوم.

وقد زاد من إدكاء هذا اللامعنى ذلك التصور الذي كونته فيما بعد. بات كل شيء بلا طعم، واصطبغ عالمي باللون الرمادي القاتم، حتى الهواء الذي أتنفسه كان سقيما وغير مريح. راودتني فكرة الانتحار أكثر من مرة لكن لم أجسر على تنفيذها قط، هل حبا في البقاء؟ كانت هذه المسألة تؤرقني! ثم فهمت أن إرادة الحياة نفسها لا نملكها، وأننا فقط نؤدي أدوار متكررة لا طائل من وراءها بتا، فالتعاسة والألم سيستمران، وانتظار النهاية هو ما يشدني للبقاء وسط هذه المسرحية السمجة حتى يسدل الستار؛ الفضول يجعلني أتطلع لمعاينة آلام جديدة، وبالتالي حتى الانتحار لا أملك أن أضعه في أولى اختياراتي، لأنه عبثي في جوهره ولا يقدم عليه إلا الضعفاء. القوة هي أن تتحدى الآلام.

هذا يجعلني أضحك على البشر وأتقزز من قيمهم، يمنحني هذا شذرا من السلوى في الوجود. وجود أصلا ينحصر في التدخين، الشرب، الأكل، التبرز والنوم، حلقة مكررة يتخللها زيارة أسبوعية لوكر الدعارة، أصرف شهوتي الحقيرة ثم أعود لمنزلي وأنتظر الموت. لكن هل كان مقدرا لي أن ألتقي روان؟ حتى تستوعب الموقف فأنا غالبا ما كرهت الأطفال بسبب ضجيجهم المثير للأعصاب، وروان كانت طفلة إلا أنها هادئة وذكية.

حديقة عامة

في الحديقة العامة كنت قد اتخذت مقعدا منزويا شاردا أدخن بهدوء، وكان الخريف قد سمح للأشجار أن تنفض عنها تلك الأوراق الصفراء البالية، ثم رأيتها قادمة بجسمها الضئيل مرتدية معطفا قماشيا أحمرا، وحيدة دون مرافق. لم أعرها اهتمامي في البداية إلى أن توقفت فجأة على مقربة مني، لم تكن تنظر إليَّ، بل إلى قافلة النمل التي تعبر الممر الترابي بنشاط أمام قدميها الصغيرتين، أخذت تتأملهم برهة من الزمن وحسبت أنها ستدوسهم في نهاية المطاف لكنها رفعت قدمها وتخطتهم، ثم التفتت إليَّ وراحت ترمقني باهتمام.

”يا سيد، التدخين مضر بالصحة.“ ضحكت من غباءها، فأكثر من أبغضهم أطفال المدارس هؤلاء الذين يتقيدون بتلك التعاليم الجوفاء بكثير من الصرامة العرجاء. سحبت نفسا ثم نفثته حتى أغيظها، لكنها تحركت وجلست قربي، شعرت بالارتياع وتطلعت حولي ما إن كان أحدهم يلمحنا، خصوصا من والديها، فأنا لا أحب المتاعب.

”اذهبي يا فتاة.“ حاولت أن أضفي على صوتي بعض الغضب لكنه صدر مذعورا ومتحشرجا. هزت رأسها رافضة بعناد وعدلت جلستها في تحدي واضح: ”ما الذي يجعلك تدخن هكذا؟ ما الفائدة من كل هذا الدخان؟“

ألقيت السيجارة ورفستها بقدمي وقلت: ”ها نحن ذا! أين والديك يا فتاة؟“

”إنهما في المنزل.“

”وهل تتجولين بمفردك؟“

هزت كتفيها وقالت: ”اعتدت هذا.“

”بمفردك؟“

”نعم.“ كان يبدو لي هذا غير مألوفا، وربما منذ زمن طويل لم يثر اهتمامي أحد، هذه الفتاة استحقت ذلك.

”كم عمركِ؟“ مطت شفيتها وكأنها تفكر ثم قالت وهي تشير بأصابع يديها: ”عشر سنوات ونصف، في شهر يناير المقبل سأبلغ الحادية عشر.“

”هل سيضربكِ أبوك لو تأخرتِ عن البيت؟“

”إن أبي لطيف، لا يضربني قط.“ كان هذا أقوى من أن لا تطفر تلك النكاية القاسية في ذاكرتي؛ جرح ينبلج مجددا. شعرت بأن طفولتي اغتصبت وبأني لم أذوق طعمها مطلقا. هذه الفتاة جعلتني أدرك هذه المأساة.

”اسمي روان. ما اسمك أنت؟“ انتصبت واقفا وأردت الفرار إلا أن ركبتيَّ حالتا دون ذلك والأدهى أنهما أخذتا ترتعشان، ما الذي منعهما من ذلك؟ كنت في موقف ميؤوس منه، كائن محاصر. أو ربما كانت الحاجة تثبتني حتى أظل قرب وهجها الدافيء. وقفت روان فوق المقعد حتى استوت مع قامتي ثم قالت: ”لماذا أنت حزين هكذا سيدي؟“

”لا أعلم يا روان! أعتقد أن الطبيعة لم تكن عادلة.“

ظلت صامتة، كل ما كنت أسمعه أنذاك كان حفيف ورق الأشجار وهو يصارع سقوطه الأخير، كنت أنا ذاك الورق البالي المتداعي، فجأة طفرت الدموع من مقلتيّ وبكيت بحرقة كما لم أبكي من قبل، أفرغت كل ما تراكم سنونا طويلة من كبت وغضب ويأس فتصدعت أخيرا أسواري، مأساتي انسابت مع عبراتي انسياب السيل إذ يهيج.

ثم شعرت باليد الحانية تربت على كفتي، وهج أنار روحي المظلمة إلا أنني لم أتحمله، أنذاك طاوعتني قدميَّ وركضت مبتعدا، ربما ذُهلَت لكنني فررت كأن يوم الدينونة قد حل. هذا هو الحب الذي لطالما لم أومن به، لطالما افتقدته، لكن لم أكن مستعدا لاحتضانه بين ربوعي المنخورة. أعلم أنه سيكون حبا مشوها إن قبلته. الآن، هذه هي النهاية! المسرحية أشرفت على إسدال ستائرها، سأسقط صريعا ولا أحد سيصفق بعد ذلك.

أعرف أنه القرار الأخير، لم أعد قويا! نفسٌ متهالكة صرت، لذلك سأنهي تراجديتها بيدي…

عدد القراءات: 673