اجتماعيات

هل يجب حقّاً أن نعمل؟

هل يجب حقّاً أن نعمل؟

إنها ليلة الأحد التعيسة، أقلب الوسادة على وجهها البارد، لا شيء، يستمرّ الأرق، التّفكير اللّامتناهي حيال الغد، الإثنين، بداية أسبوع عملٍ جديد.

أحياناً أشفق على يوم الإثنين إثر كلّ الشّتائم الّتي تطاله، ما ذنبه؟ نحن من لا نعيش حياةً ممتعة.

الشّغف أم المردود الماديّ؟

يقول المثل ”اختر وظيفةً تحبّها كي لا تضطر للعمل يوماً واحداً“، حسناً، انهيت المرحلة الثانويّة، وكنت في مرحلة الاستعداد لاختيار وظيفتي المستقبلية، أي انتقاء اختصاصٍ جامعيّ. المسرح؟ المسرح جميل، وقد كنت جيداً في التمثيل وفي تقليد الشخصيات، وكنت ألعب أدواراً بارزةً في مسرحيّات القرية حين كنت صغيراً. كانوا يلقّبونني بـ”أبو رياض“ نسبةً لشخصيّةٍ كنت أقلّدها.

لكن… لا، ”التّمثيل لن يطعمك خبزاً“، ولا ألوم والدي حين قال لي هذا، أرى الحال التّعيس لممثلي البلد، ووالدي ليس ثريّاً، لن يشركني في فيلمٍ مهمٍّ بواسطة معارفه، ولن يستطيع الاستمرار في إعطائي المال للأبد، يريدني أن أصل لبر الأمان بأسرع ما يمكن، وبرّ الأمان هنا هو وظيفةٌ تقليديّةٌ مملّة في شركةٍ مزريةٍ مدى الحياة.

الخوف من الفشل:

سجّلت في كليّة الهندسة الكومبيوتر في السّنة الأولى، الكومبيوتر، ولكنهم لم يرونا الكومبيوتر كثيرا كما توقّعت، وعندما رأيناه بعد ذلك في حصّة برمجة عرفت أنه عليّ الانتقال.

في بداية السنة الثّانية مللت من حصص الكهرباء والرياضيّات، ومن كلّ شيء، وفي ذلك الوقت تعرّفت على أصدقاء جدد يدرسون السينما، السّينما الجميلة والأضواء الخافتة والشّاشات العملاقة، حلمت بالسّينما ليومين أو ثلاثة. صباح يوم إثنين، ذهبت لمكتب شؤون الطّلّاب:

– ”صباح الخير مدام“.

– ”أهلا، صباح النّور، كيف بساعدك؟“

– ”بدي غيّر اختصاصي“.

– ”من شو لشو؟“

– ”أنا هندسة كمبيوتر، والمفروض كون عم بقلب سينما، بس يلّا برمجة ماشي الحال“.

– ”وليش مش سينما؟“

– ”أهلي قالولي ’بتطعميش خبز‘“.

– ”وشو بدك بأهلك؟ حياتك ولا حياتن؟ روح لحاق أحلامك، عمال إلّي بتحبّو، بكرا بتصير شي كبير ورا أو قدّام الكاميرا، وساعتها أهلك ما بيفتحوا تمّهن“.

وبعد هذا الحديث بما فيه من تشجيع، بقيت جباناً. كنت أتمنّى أن أدفع تكاليف جامعتي بنفسي وأختار الاختصاص الّذي يروق لي، ولكنّي لم أفلح طوال فترة دراستي في الجامعة بالحصول على وظيفةٍ بدوامٍ جزئيّ، فكان عليّ الانصياع لرغبة والديّ وإسكات أحلامي الجامحة.

هل هناك طريقٌ للعودة؟

وها أنا ذا، في ليلة أحدٍ بائس، أفكّر فيما إذا كانت هذه الدّنيا تستحقّ كلّ هذا العناء أم لا. أعني أنّهم يجلبوننا إلى هنا عنوةً، وكي نستمرّ هنا علينا أن نفعل أشياء لا نحبّها.

ماذا إن لم يرق لنا هذا كلّه وأردنا العودة؟ هل هناك طريقٌ للعودة؟ ما الأمر الرّائع في إنجاب مزيدٍ من البؤس لهذا العالم؟ وإن لم تكن الحياة مصنعاً لتحقيق الأحلام وتوجّب عليّ فعل شيءٍ لا أحبّ للأبد، فخيرٌ لي أن أستغلّ هذا الوقت في إيجاد طريق العودة.

نهاية المطاف:

أفكّر بآخر أيامي، على نفس السّرير، أنظر للسّقف، أفكّر بالعدسات والكاميرات، وكيف سأصبح جثّةً متعفّنةً في غضون أيّامٍ ولم أقم بمشهدٍ سينمائيٍّ واحد. أندم على حياةٍ لم أحيها كما يجب، لم أحيها كما أنا. أذرف دمعةً أو اثنين، وأغلق عيوني ببطءٍ وكأنّ حياتي فيلمٌ طويلٌ ينتهي.

نافذة الأحلام:

لاحقتني النّافذة طيلة مسيرتي، في الابتدائي أطلّت نافذة صفّي على جدار المبنى الملاصق، كنت في مدرسةٍ تعيسة، تحرم طلّابها النّوافذ حتّى، ولكنّي كنت أنظر إليها رغم ذلك.

في الثّانويّة أطلّت النافذة على مبنىً سكنيّ، كنت أراقب فتاةً جميلةً تسكن في الطابق الرّابع، أمّا في الجامعة فكانت تواجه شارعاً مزدحماً، سيّاراتٍ ودرّاجاتٍ وتلاميذ وأبواق. نافذة مكتب العمل تطلّ على أبنيةٍ قديمة، حيٌّ هادئٌ جدّاً، صمتٌ ثم صوت رفرفة الحمام. في كلّ ما مضى عليّ من أماكن، كانت النّافذة تعنيني أكثر من أيّ شيء، ولا زالت.

هل تستحقّ الدنيا كل هذا العناء؟

تخرجت منذ ٤ شهور، هذا ثاني شهرٍ لي في العمل، أجلس ثمان ساعاتٍ أمام الشّاشة الصّامتة، ظهري يؤلمني، عيوني كذلك، توقفت عن متابعة الأفلام منذ أن بدأت أعمل، لم أعد أفعل الكثير، أبيع أكثر من نصف يومي، 5 أيّامٍ من أسبوعي، وحوالي الإثنين والعشرين يوماً من شهري، كلّ هذا مقابل بضع مئات الدّولارات اللّعينة الّتي لا يفوق عددها أصابع اليد، أقبضها آخر الشّهر كي يتسنّى لي الخروج والتّسكّع في عطلة نهاية الأسبوع.

أعني أحقّاً يستحقّ هذا كلّ ذلك العناء؟ لماذا لا نفعل ما نحبّ من دون أن نأبه للمردود الماديّ؟ لا أعلم حقّاً لماذا تدافعون بهذا القدر عن حياةٍ باهظة الثّمن، هذا قراركم في النّهاية ومبتغاكم، أما عنّي، فأعطني خبزاً بائتاً وسأعطيك أفلاماً، ربما لن تكون جيّدة، ولكنّها بالطبع ما أحب.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي، ولا يعكس بالضرورة رأي موقع دخلك بتعرف.

مقال من إعداد

mm

حسين إسماعيل

كاتب من لبنان، مقيم في بيروت. متابع لقضايا المجتمع وحقوق الإنسان، إضافة إلى الرياضة والتكنولوجيا.

عدد القراءات: 1٬620