اجتماعيات

سوريا: كثير من العقوبات… كثير من الحرب!

عقوبات على سوريا

”خدماتنا متوافرة في 190 بلداً حول العالم، يمكنك الوصول إليها من كل مكان.“

”خطأ 403، الخدمة أو الموقع الذي تحاول الوصول إليه غير متاح في بلدك.“

لمدة طويلة من الزمن حظرت الحكومة السورية الكثير من المواقع الإلكترونية، وعلى الرغم من أن الحظر تقلص إلى بعض المواقع الأخبارية ومنصات التعبير، فما تزال معظم الخدمات الهامة مثل PayPal أو Google AdWords محجوبة عن سوريا… ليس من قبل الحكومة، لكن من المصدر نفسه بفعل العقوبات المفروضة.

بطبيعة الحال، الجميع يعلم أن سوريا لم تتمتع يوماً بمستوى مرتفع للمعيشة أو اقتصاد قوي يجعلها مركز جذب قوي للاستثمار، لكن وصولاً للعام 2010 كان معدل دخل المواطن السوري يقارب 5500 دولار أمريكي (حوالي 4900 يورو) سنوياً، وهو بطبيعة الحال لا يقارن بمستويات المعيشة الغربية؛ لكن نظراً لانخفاض سعر السلع محلياً حينها بالإضافة للدعم الحكومي للوقود وبعض المواد الأساسية، فقد كان يعتبر مقبولاً نوعاً ما. اليوم بعد 6 أعوام، انخفض معدل دخل المواطن السوري تحت عتبة 700 دولار أمريكي سنوياً (الرقم يتأرجح تبعاً لقيمة الصرف) مع رفع الدعم عن الوقود والمواد الأساسية.

هذا الانهيار الكبير في المستوى المعيشي لعب دوراً كبيراً في ادخال الكثير من الشباب السوري ساحة الحرب، فالتنظيمات المسلحة من جميع الأطراف (مع استثناء الجيش السوري) تدفع لمقاتليها مبالغ أكبر بكثير مما يمكن أن يحصلوا عليه بمزاولة الأعمال القليلة التي ما زالت متاحة، وبطبيعة الحال ساهم هذا بشكل كبير في تهجير الكثيرين، سواء إلى أوروبا أو دول الجوار مثل تركيا ولبنان ليعملوا ويحاولوا دعم المتبقين ضمن سوريا على الاستمرار في الحياة، في ظل فجوة بين المصاريف الضرورية والدخل باتت تصل حتى 500% ليصبح السوريون يعتمدون على الحوالات الخارجية في كثير من الأحيان ليتمكنوا من الاستمرار وسط هذه الظروف المعيشية.

قد يرجع العديدون السبب في ذلك إلى الحرب الجارية التي تطحن الأخضر واليابس، وذلك صحيحٌ تقريباً؛ لكن الكثيرين يغفلون سبباً آخر أساسياً: العقوبات الاقتصادية المفروضة.

عند قولي عقوبات فبالطبع أنا لا أقصد تجميد أرصدة المسؤولين والقادة الأمنيين أو منعهم من السفر، فلا أحد من عامة الشعب يهتم لذلك، وربما المسؤولون نفسهم لا يهتمون لذلك، فبدل الأرصدة المجمدة سيستمرون بالفساد والاختلاس لخلق أرصدة جديدة دون أن يتأثر مستوى معيشتهم المرتفع.

المقصود بالعقوبات هو وقف التعاملات التجارية مع سوريا بشكل عام ومع المصرف المركزي بشكل خاص، فعلى الرغم من أن المصرف المركزي مؤسسة تابعة للدولة وربما تستهدف العقوبات النظام بالتحديد؛ لكن الواقع أن الشعب وحده من يعاني النتائج. ومع جهل الكثيرين بهذه الحقيقة، لا يزال الكثير من السوريين (إن لم يكن أغلبهم) يعتمدون على القطاع العام (الشركات المملوكة من قبل الدولة) للعمل وتأمين الدخل؛ وبالنتيجة فإضعاف قدرة الدولة أدى بشكل أساسي لإضعاف القدرة الشرائية للعملة وانهيار المستوى المعيشي للمواطنين.

حبوب دوائية فوق أوراق مالية

أسعار الأدوية الأجنبية مرتبطة بسعر الدولار الآخذ بالتزايد

ربما يكون أكثر من يعاني من هذه العقوبات اليوم هم المرضى الذين حرموا من الأدوية الأجنبية التي لا تملك بدائل محلية، بالإضافة لتضاعف أسعار الأدوية الأساسية مرات عدة، فجرعة أنسولين لمريض بداء السكري تكلف أكثر من نصف الدخل الشهري المتوسط، فيما قد تصل أسعار جرعات العلاج الكيميائي لمرضى السرطان لأكثر من أربعة أضعاف الدخل الشهري، وبطبيعة الحال أصبحت زيارة الطبيب لا تحصل إلا للأمور الخطيرة جداً، فمعاينة لدى طبيب معروف ستجرد المواطن العادي من 20% من دخله الشهري دون ثمن الدواء حتى.

لكن مع معاناة المرضى، تبقى الشريحة الأوسع المتأثرة بالعقوبات هم الشباب السوري وخصوصاً الجامعيين منهم، فالقطاع العام لديه فائض من الموظفين من جهة ودخله لا يكفي ثمن طعام حتى من جهة أخرى، والقطاع الخاص الضعيف أساساً تقلص بشكل كبير بفعل الحرب من جهة، وانعدام المستوردات الأساسية، وعدم القدرة على التعامل بالعملة المحلية نظراً لتقلبها أو بالقطع الأجنبي بشكل مباشر بسبب القيود الحكومية والسلطات الأمنية.

وسط هذا وجد الشباب السوري نفسه محاصراً بين خيارات تغلق في وجهه بالتتالي، فالعمل عن بعد (عن طريق الإنترنت) يواجه صعوبات تبدأ بسوء الاتصالات ولا تنتهي بحجب مواقع العمل ومواقع التعاملات البنكية لسوريا ومنع التداول معها. وبالنتيجة أجبر الكثير من الشباب على عبور البحر بقوارب الموت مقابل حلم الحياة الكريمة في الاتحاد الأوروبي؛ ليعود باب الهجرة غير الشرعية للإغلاق مجدداً، علماً أن الهجرة الشرعية كانت صعبة أصلاً بعد حوادث 2001 الإرهابية وأصبحت محالة بعد توقف السفارات الغربية عن العمل في سوريا وقطع العلاقات الدبلوماسية معها.

جنود سوريون يمشون بين مباني متهدمة

الكثيرون من أفراد القوات المقاتلة في سوريا ما كانوا ليوجدوا في ساحات الصراع لولا الوضع الاقتصادي المتردي

بالمحصلة يجد معظم الشباب الجامعي نفسه محاصراً بين العمل بأجر بخس لدى شركة قطاع خاص لا تؤمن له أي تأمين صحي أو تأمينات اجتماعية، أو أن يلتحق بأحد التنظيمات المقاتلة في الصراع السوري (وما أكثرها) ويقامر بحياته في كل يوم أملاً بتأمين حياة مقبولة لنفسه، أو مساعدة عائلته في الاستمرار بالنجاة من وضع اقتصادي هو الأسوأ للبلاد ومستمر بالانحدار لمستويات أدنى وأدنى.

قد يرى الكثيرون أن انتهاء الحرب سيعيد تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، وهذا صحيح، لكن بنفس الوقت فالعكس صحيح. فعلى الرغم من كل الأحقاد التي تولدت وكل الانقسامات، فأقلية هي من ستلجأ للصراع المسلح إذا وجدت فرصة لحياة كريمة خارجه. بالطبع فوضع مالي أفضل لن يوقف الحرب والصراع نهائياً، لكنه سيتنزف الكثير من المنضوين تحت رايات الفئات المتحاربة وبالتأكيد سيقلص الصراع بشكل كبير. وربما يكون تخفيف العقوبات على البلاد فعالاً أكثر بمراحل من الاجتماعات التشاورية واللقاءات التضامنية التي تملأ الشاشات لكنها لا تملأ بطون الجائعين.

عدد القراءات: 4٬521