منذ حوالي 15 سنة، وضع مجموعةٌ من علماء النفس مثلثاً أسموه مثلث الظلام، يحتوي على صفاتٍ يمكن أن نسميّها صفات الشر وهي

  1. الميكافيلية: وتشمل (التلاعب، تقديم المصلحة الشخصية، الخداع).
  2. السيكوباتية: وتشمل (العداء للمجتمع، الوحشية، قسوة القلب).
  3. النرجسية: وتشمل (الفخر، التكلف، انعدام التعاطف).

وقد أضافوا لاحقاً ضلعاً رابعاً إلى المثلث، وأطلقوا عليه اسم ”مربع الشر“ ويمثل الصفة الرابعة ألا وهي السادية (الاستمتاع بالقسوة).

فإذا كان البشر قد تطوروا من أسلاف قديمة مع القردة العليا أو من أسلاف أقدم مع حيوانات أقل تعقيداً، فهل من الممكن أن يكون الشر أو السلوك الشرير قد تطور معنا من هذه الأسلاف؟ أم أنها صفاتٌ خاصةٌ بالبشر فقط؟

للإجابة على هذا السؤال لنقم بمتابعة مربع الشر عند الحيوانات، ونبحث عن جذور الشر وتطوره فيها قبل ظهوره عند الإنسان.

لنبدأ بالميكافيلية:

الخدع البصري Cuatro Cuatros

الخداع – صورة لـCuatro Cuatros

تقوم ذكور قردة الريساس المسيطرة بإنشاء صراعاتٍ عنيفة جداً للحصول على أفضل الأماكن للنوم وجمع الغذاء، وتعقد تحالفات مع بعضها لضمان فرض سيطرتها على باقي أفراد المجموعة. كما تقوم الإناث بممارسة الجنس ظاهريا مع ذكرٍ واحدٍ فقط لكنها وُجدت أيضا أنها تمارس علاقاتٍ جنسيةً بالخفاء مع ذكورٍ آخرين لضمان حصولها على حمايتهم في حال موت أو تغيّر الذكر المسيطر الذي تتبع له.

هذا السلوك هو سلوكٌ ميكافيلي بحت لكنه جزءٌ من شخصيتهم، أي أننا لا نجد أفراداً تمارس هذا السلوك وآخرين لا يمارسونه، فهو جزء طبيعي جداً في سلوكهم، كما هو جزءٌ من طبيعتنا أيضاً ”لكن هذا ليس مبرراً لنا لنتصرف هكذا“.

إذا، فقردة الريساس تريد أن تحصل على القوة، والسلوك الميكافيلي فعالٌ ومفيد في سبيل الفوز بالسطوة وبقائها في أيديهم أو لعقد تحالفات مع الأفراد الأقوياء، لكن الموضوع ليس سهلاً تماماً، إذ يتم عقاب أي فردٍ يُمسك وهو يقوم بالغش، ومع ذلك فإن مكاسب الميكافيلية تتفوق على سلبياتها دائماً وخصوصاً عند الحيوانات الاجتماعية مثل القردة أو البشر، فعندما يتم القيام بالمهمات بالتعاون مع الآخرين يمكن عملياً تطبيق الميكافيلية في كل مهمة، سواء بجمع الغذاء أو تناوله أو رعاية الصغار أو حماية أفراد المجموعة.

يمكننا أيضاً أن نلاحظ نوعاً من أنواع الميكافيلية البدائية عند الحيوانات الأقل تطوراً كبعض أنواع الفراشات التي تحاكي أشكال حيوانات سامة أو مقززة بالنسبة للطيور لتخدعهم، أو سمكة أبو سنارة المعروفة بزائدة تخرج بالقرب من فتحة أنفها لها القدرة على الإضاءة في ظلام القاع فتبدو مثل الدودة، حيث تنخدع بها الأسماك الساذجة فتقترب من فم السمكة الكبيرة.

إذاً يمكن رؤية أشكال الميكافيلية من خداع وتلاعب بالآخرين للحصول على الأفضلية بصورة بدائية في الحيوانات المختلفة لأنها تقدم استراتيجية جيدة للنجاة.

والآن بعد أن رأينا أنّ الميكافيلية (إحدى أضلع مربع الظلام) منتشرة عند الحيوانات وقد تتبعنا تطورها حتى البشر، فهل سنجد باقي أضلاع المربع، ونلاحظ تطورها بالتسلسل نفسه أيضاً؟

السيكوباتية:

قسوة القلب Natalie Holland

قسوة القلب – صورة لـNatalie Holland

تاني ضلع من أضلاع مربع الظلام هو السيكوباتية، والتي تشمل معاداة المجتمع والوحشية وقسوة القلب، فهل يمكننا أن نجد حيوانات لديها خلل نفسي، أو حيوانات سيكوباتية؟

كان لدى عالم الرئيسيات ”فرانز دو وال“ أنثى شمبانزي ويقول أنها بوجهين، كانت كذوبة ومخادعة! كانت مكروهة جدا عند كل علماء الرئيسيات في العالم! وكان لدى ”جون جوال“ أيضا أنثى شمبانزي وابنتها اسمهما Passion وPom، أكلتا 8 صغار شمبانزي خلال 4 سنوات، كانت ”جودال“ تتطلق اسم ”الأم الباردة“ على الشمبانزي Passion.

لكن، هل يعتبر هذا خللا نفسيا؟ في الحقيقة، ..نعم!

أخضع مجموعة من علماء الشمبانزي Passion لاختبار مؤشر العواطف الشخصية، الذي يشمل اختبار الخداع والقسوة والعنف وغياب الروابط العاطفية وعدم الشعور بالخوف، ووجدوا أن لديها سلوكا منحرفا عن سلوك المجتمع! بالرغم أن تناول لحوم نفس النوع ”الكانيباليزم“ يعتبر خللا نفسيا إلا أن هذه المسألة بالذات عليها جدل في الحيوانات، لأن بعض العلماء يعتقدون أن تناول صغار نفس النوع قد يكون له سبب تطوري مهم للتكاثر، لذلك أكدوا على استخدام مصطلح ”خلل“ بنوع من الحذر.

قرد الشمبانزي

قرد الشمبانزي

أجري بحث تاني سنة 1999 على مجموعة من الشمبانزي في الأسر لاختبار السيكوباتية لديهم، حيث قاموا بوضع ألعاب وإطارات سيارات وسلالم وبراميل بلاستيكية لكي يلعبوا بها، واختبروا صفاتٍ كالعرضة للشعور بالملل وعدم التعلم باستخدام العقاب والدخول في نوبات غضب كثيره أو إثارة غضب الآخرين بكثرة، في المجموع قد تعبر هذه الصفات عن وجود خلل نفسي.

اكتشفو فعلا أن لدى البعض منهم خللا نفسيا، وحددو صفات أخرى موجودة عند البشر مثل الميل للمخاطرة والبخل موجودة عند القرده العليا، وعند الذكور أكثر من الإناث.

السيكوباتية ليست منتشرة في الشمبانزي فقط، لكنها موجودة أيضا عند الدلافين، فقد وجد العلماء ثعالب بحر مصابة في أماكن صيد الدلافين، ويعتقدون أن دلافين مريضة نفسيا هي التي قامت بهذا.

قتل الصغار منتشر في الحيوانات لجعل الأنثى تتكاثر مع الذكور، يحدث هذا الموضوع مع حيوانات كتيرة كالاسود، ولأن مهاجمة دولفين أم لغرض قتل صغارها مهمة صعبة جدا لأن الأم ستدافع عن صغيرها بشراسة، فيعتقد العلماء أنه ”ربما“ الدلافين الذكور تهاجم ثعالب البحر للتدرب على مهاجمة الأمهات وقتل صغارها لاجبارها على ممارسة الجنس معهم.

نكتشف للمرة الثانية جذور الشر عند الحيوانات الأخرى، ومراحل تطوره لحد وصوله للبشر، وأصبحنا نعلم أن الحيوانات لديها ضلعين من أضلاع مربع الظلام ”الميكافيلية والسيكوباتية“ فهل تتوفر باقي أضلاع الشر فيهم؟

ملحوظة: وجود هذه الصفات لدى البشر ليس مبررا لاستخدامها، في النهايه عندنا عقل نقدر نميز بيه الصح من الغلط، احنا مش حيوانات بلا عقل يعني.

السادية:

الاستمتاع بالقسوة Hedi Xandt

الاستمتاع بالقسوة – صورة لـHedi Xandt

الساديه الشائعة هي الضلع الثالث من أضلاع الظلام، ويتم تعريفها بشكل عام على أنها الاستمتاع بالوحشية أو القسوة.

قد توفر السادية للشخص البقاء في القوة والسيطرة، كالسياسي المتوحش اللي يحافظ على مركزه بالسادية والعنف، وتزيد ساديته مع الوقت أكثر وأكثر للحفاظ على مكانته.

فقد كان الكونت فلاد الولاشي ”المخوزق“ يضع اعداءه على خوازيق على الحدود كعبرة لأي غازي يفكر في احتلال أرضه أنه سيواجه نفس المصير (يقال ان فلاد هو شخصية الكونت دراكولا في رواية برام ستوكر).

الكونت فلاد الولاشي ”المخوزق“

الكونت فلاد الولاشي ”المخوزق“ (1413-1476)

الآن هل يمكننا العثور على السادية في الحيوانات؟

تضرب الدلافين طيور النورس العائمة على المياه وهذا ما يمكن أن نعتبره تعمدا لإيذاء الآخرين ”سادية“، لكن المشكلة أننا لا نعلم هل الدلافين تعرف أصلا أنها تؤذي الطيور أم لا؟ يعني كأنك تفرقع بالونات صابون، يعني ممكن يكون لمجرد اللعب والاستمتاع.

تلهو الدلافين وتستعرض كتيرا في المياه ولا أحد يعرف السبب الحقيقي وراء هذا السلوك، قد يكون هذا لمجرد اللعب والاستمتاع ليس أكثر، وقد يكون اللعب في أبسط صوره عند أطفال البشر هو مصدر السادية أو الجذر الذي تطور منه. فصغار الحيوانات المفترسة تلعب بالفريسة وتعذبها وتستمتع بها وتستعمل هذه الطريقة للتعلم والتأكد بأنها ستكون قادرة على الصيد للأكل في المستقبل كالحيوانات البالغة، فربما يكون بعض البالغين قد علقوا في هذه النقطه، الخط بين اللعب بالغذاء وبين الصيد.

توجد فرضية أخرى أن الشخصيات السوداوية يمكن اعتبارها مثل الطفيليات، وقد نعتبر الطفيليات مهمة ولها دور إيجابي في تنضيف القطيع من الأفراد الضعيفة.

هذا جدال أخلاقي محير ويخلق معضلة أخلاقية كبيرة بإن الصفات السوداء أو الشريرة قد يكون لها دور مهم في المجتمعات البشريه والحيوانية، إنها تجعل الأفراد حذرين جدا ويفكرون أين يضعوا ثقتهم، إنها تجعل النوع في حالة جيدة.

النرجسية:

امراة تحمل غرابا Juliette Bates

النرجسية – صورة لـJuliette Bates

الغرور المرتبط بالنرجسية نراه كصفة بشرية محضة، لكن هل يوجد عند الحيوانات أيضا؟ هل يمكن عمل مقارنة بين السحر والكاريزما الموجوده عند النرجسيين والحدود التي قد تصل إليها الحيوانات لإظهار نفسها؟

النرجسية، رابع أضلاع مربع الظلام، وتشمل (التكلف، الفخر، والإفتقار للتعاطف). ريش الطاووس المبهر، رائحة فرمونات الثعالب الجذابة، ورقصات الطيور الرائعة، لا يمكننا أن نؤكد أن صفات الحيوانات غير الناطقة هذه نرجسية، لكنها قد تعطينا بعض الأدلة على تطورها وظهورها.

تفسير الأنانية المفرطة المرتبطة بالنرجسية قد يكون أسهل إذا نظرنا نحو الجينات كما فعل ”ريتشارد دوكينز“ في كتاب الجين الأناني، حيث جادل بأن هدفها النهائي والأوحد هو تمرير نفسها لجيل ثان، وبينما قام البشر بكسر هذا الإطار من خلال الثقافة والتحضر، إلا أن باقي الحيوانات هي عبارة عن آلات لحمل الجينات، ونوعا ما قد يفسر هذا ليس فقط ظهور النرجسية وإنما باقي أضلاع مربع الظلام أيضا.

هناك العديد من سبل التزاوج التي قد نعتبرها اليوم غير مقبولة، لكنها آتت أكلها وأثبتت فعاليتها فيما مضى، على سبيل المثال، فلربما يحصل—أو حصلوا خلال التاريخ البشري—الأشخاص السيكوباتيين والميكافيليين على فرص أكثر للتزاوج بسبب الميل للفسق ”الزنا“ المرتبط بسلوكهم، ”يمكنك أن تطارد وان تتلاعب بشريكك بصوره أفضل أن كنت تفكر بطريقه تكتيكية متجاهلا ما تفعله من إيذاء لمشاعر الآخرين“.

النرجسيون يعتبرون أنفسهم مميزون ويظهرون المزيد من الثقه في النفس، والتي تؤثر على الآخرين وتعطيهم المزيد من فرص الحصول على شريك أيضا يمكنهم الحصول على المزيد من فرص التزاوج.

تفسير حصول الساديين على المزيد من الجنس أصعب، لكنه قد يفسر بسبب حصولهم على القوة في الماضي، والقوة تعطيهم فرصا أكبر للحصول على الجنس.

الأمثلة على الخداع والقتل والدماء المنتشرة في الطبيعة لا تنتهي، فمثلا معظم إناث فرس النبي قد تأكل رأس الذكر بعد أو أثناء التزاوج، وأشبال الضباع قد تقتل أخوتها في لحظة الولادة، حتى النباتات تمارس الخداع؛ فمثلا زهرة النحل تجتذب ذكور النحل لحمل حبوب لقاحها من خلال تقليدها لشكل إناث النحل.

لا يكمن الجدال الحقيقي في تفسير ظهور وتتطور الشر، بل في رؤية البشر لهذه الصفات على أنها كريهة ودنيئة، فالخداع والأنانية وباقي صفات الشر منتشرة بشكل كبير في الطبيعة بل إن لها أهمية في الحفاظ على الجينات والحيوان والنوع.

هناك هوة بين الطموح البشري من أجل العدالة والأخلاق وبين قوانين الطبيعة. في كثير من الأحيان نشعر أن هناك شيئا ما هو ”شر“ وأنه ضد النظام الطبيعي للأشياء، وأنه على خلاف مع كل ما يمكن للمرء أن يأمل. لكن ربما يكون العكس هو الصحيح: إنه سلوك ”سيء“ لكنه طبيعي وناجح، وما يثير الدهشة حقا هو كيف يحاول البشر عكس قوانين الطبيعة وترتيب الأمور بشكل رائع، حتى وإن كان ناقصا.

مقال من إعداد

mm

أحمد الحسنين