in

دخلك بتعرف هذه الحشرة التي تمتلك التروس الميكانيكية الوحيدة التي عثر عليها في الطبيعة!

تستخدم هذه الحشرة الصغيرة التي تنتمي لجنس (إيسوس كوليوباتراتوس) تروساً مسننة على مستوى مفاصل قوائمها الخلفية من أجل مزامنة ركلاتها حتى تقفز نحو الأمام بشكل مستقيم.

تروس طبيعية لدى حشرة إيسوس كليوباتراتوس

على حد معرفتنا، كانت التروس الميكانيكية –التي هي عبارة عن أسنان ذات حجم موحد مقطوعة داخل صفيحتين دوارتين متلاحمتين أثناء دورانهما– قد اختُرعت في زمن ما حوالي 300 قبل الميلاد من طرف ميكانيكيين إغريق عاشوا في الإسكندرية في ذلك الزمن. ومنذ القرون التي تلت ذلك الزمن، أصبح هذا المفهوم البسيط بمثابة حجر الأساس الذي منه تطورت التكنولوجيا الحديثة، فسمح لنا كبشر بصناعة وبناء مختلف أنواع الآليات والعربات، بما في ذلك الدراجات والسيارات.

على ما يبدو، فقد سبقتنا حشرة صغيرة لا يتجاوز حجمها ثلاثة ميليمترات تعرف باسم (إيسوس كوليوباتراتوس) إلى هذا الاختراع منذ زمن بعيد.

اكتشف كل من (مالكوم بوروز) و(جورج سوتون)، وهما عالمان بيولوجيان في جامعة (كامبريدج) في المملكة المتحدة، أن صغار هذا النوع من الكائنات تملك نظام تروس مثير للاهتمام، الذي يسمح لها بالإغلاق على كلتا قائمتيها الخلفيتين مع بعضهما البعض، وهو الأمر الذي يسمح بدوره لقائمتيها بالدوران في نفس اللحظة الدقيقة، مما يخولها من القفز نحو الأمام.

(إيسوس كوليوباتراتوس).
(إيسوس كوليوباتراتوس).

تتواجد هذه التروس الميكانيكية الطبيعية على مستوى القسم الأعلى من كلتا قائمتي الحشرة الخلفيتين، ويعتقد أن هذا الاكتشاف، الذي نشرت حيثياته في مجلة «العلوم»، هو أول اكتشاف لنظام تروس عملي في الطبيعة.

تعيش حشرات جنس الـ(إيسوس)، التي يطلق عليها بشكل عام اسم (بلانتهوبرس)، عبر القارة الأوروبية وشمال إفريقيا، وقد استخدم (بوروز) و(سوتون) مجاهر إلكترونية ونظام تصوير بسرعة فائقة من أجل اكتشاف وجود هذه التروس الميكانيكية ومعرفة وظيفتها الدقيقة.

يقول الباحثان أن السبب وراء تطوير الحشرة لهذه التروس الميكانيكية هو من أجل القفز: ويستطردان بالشرح بأنه حتى تتمكن الحشرة من القفز إلى الأمام في خط مستقيم يجب أن تدفع كلتا قائمتيها الخلفيتين بجسمها باتجاه الأمام في نفس اللحظة، وبما أن كلتا قائمتيها تتحرك بشكل جانبي، لو يحدث أن تتمدد قائمة واحدة بجزء من الثانية قبل الأخرى سيجعل هذا الحشرة تقفز نحو الأمام لكنها ستحيد عن مسارها المستقيم سواء قليلا نحو اليسار أو اليمين.

ومنه يقولان بأن الاستعانة بهذه التروس الميكانيكية كان بالنسبة لحشرة (إيسوس) حلاً أنيقاً للمشكلة، وقد أظهرت شرائط الفيديو فائقة السرعة التي صورها هذان الباحثان أن هذه الحشرات، التي تقفز بسرعة تصل لـ14 كيلومتر في الساعة، قامت بثني قائمتيها الخلفيتين في وضعية استعداد للقفز، ثم دفعت بنفسها نحو الأمام وقد تحركت كلتا قائمتاها الخلفيتان في نفس اللحظة تقريباً لا تفصلهما زمنياً سوى 30 ميكروثانية —وهي ملايين الأجزاء من الثانية—

تسمح التروس المسننة بشكل دقيق على مستوى القوائم الخلفية لهذا الأمر بالحدوث، يقول (بوروز): ”عند جنس (إيسوس) من الحشرات، استُخدم الهيكل من أجل حل معضلة معقدة عجز عن حلها الدماغ والنظام العصبي“.

تتواجد هذه التروس الميكانيكية في القسم العلوي من القوائم الخلفية للحشرة، وتتضمن من 10 إلى 12 أسناناً دقيقة، التي يبلغ عرض كل واحد منها 80 ميكرومتراً —وهي ملايين الأجزاء من المتر— وفي جميع عينات هذه الحشرات التي درسها العالمان الآنفان، كان نفس تعداد الأسنان حاضراً في تروس قوائمها الخلفية جميعاً.

هذا وتتضمن أسنان التروس سندات بالشرائح للتقوية، وهو تصميم أدرجه الإنسان في تروسه الميكانيكية لأنه يساعد على خفض الاهتلاك مع مرور الزمن.

من أجل تأكيد أداء التروس لهذه الوظيفة عند صغار حشرات (إيسوس)، أجرى الباحثان بعض التجارب المثيرة على بعض العينات النافقة من هذه الحشرات، حيث قاما يدويا بثني قوائمها الخلفية في وضعية سانحة للقفز، ثم حفزا كهربائيا عضلة القفز الأساسية في قائمة واحدة حتى تتمدد، ولأنها كانت مرتبطة بتروسها الدوارة بهذه القائمة المحفزة كهربائياً، تحركت القائمة الأخرى غير المحفزة أيضاً لتمكن الحشرة من التقدم والقفز نحو الأمام.

يبقى الغموض الرئيس حول الموضوع هو سبب غياب هذه التروس الميكانيكية عند حشرات (إيسوس) البالغة لأنها حكر على صغارها فقط، التي بتقدمها في السن يسقط جلدها وينمو مجددا بشكل متكرر ثم تصل لمرحلة النمو التي تعجز فيها عن إنبات التروس مجددا.

غير أن الحشرات البالغة من جنس (إيسوس) تزامن بين قوائمها الخلفية من خلال آلية بديلة، وهي سلسلة من النتوءات التي تنمو على جانبي كلتا القائمتين الخلفيتين المسؤولتين عن القفز.

افترض (بوروز) و(سوتون) أنه يمكن تفسير هذا الأمر بداعي الهشاشة التي تتصف بها التروس، حيث أنه في حالة ما انكسر سن واحد تنخفض فعالية الآلية كلها بشكل كبير وهذا ما يخل بهذا التصميم، لكن بالنسبة لصغار الـ(إيسوس) ليس ذلك بالأمر الجلل لأنها تُنبت بشكل مستمر أسنان تروسها قبل بلوغها مرحلة النضج، لكن بالنسبة للحشرات البالغة، فإن تعويض سن مكسور يعتبر أمراً مستحيلاً، ومنه استقرت على الحل البديل.

عُثر سابقاً في الطبيعة على بعض التصاميم التي تبدو مثل التروس الميكانيكية عند بعض الحيوانات (مثل بعض السلاحف)، لكنها كانت للزينة بشكل خالص ولم تكن لها أية وظيفة آلية، ومنه يبدو أن أول تصميم طبيعي لتروس تؤدي وظائف ميكانيكية يعثر عليه في الطبيعة يعود لحشرة (إيسوس كوليوباتراتوس).

يقول (سوتون): ”نحن غالبا ما نعتبر التروس أمراً نراه عند الآليات التي صممها الإنسان، لكننا اكتشفنا أننا كنا ننظر للأمر بهذه الطريقة لأننا لم نكن نبحث بالمجهود اللازم“، واستطرد بالقول: ”غير أن هذه التروس الطبيعية ليست مصممة، بل إنها نتاج التطور“.