اجتماعيات

”فتوى سعودية: لن يقبل صيام القطريين“ – صحافة النسخ واللصق تضرب من جديد

طوال الأيام الماضية، غطى عنوان أساسي صفحات التواصل الاجتماعي العربية حاملاً عشرات المقالات التي تحمل عنوان: ”فتوى سعودية: لن يقبل صيام القطريين حتى ترضى السعودية عنهم“، تم تناقل الخبر على عشرات مواقع الصحافة الصفراء عبر الشبكة العنكبوتية، وحتى من قبل مواقع و”شبكات أخبار فيسبوكية“ تحظى بمتابعة ملايين الأشخاص في العالم العربي، ربما لتبرهن لنا من جديد، أن المحتوى الإلكتروني العربي سيستمر بالمعاناة من أزمة النسخ واللصق بغض النظر عن صحة الكلام وطبيعته.

بطبيعة الحال، فالفتوى التي تبدو قابلة للتصديق (بصراحة لا أستبعد أي خبر عن السعودية بشكل قطعي، فكل شيء ممكن) لا تعدو عن كونها مقالاً ساخراً نشر على موقع الحدود العربي الساخر، والمعروف بكونه أشبه بإصدار عربي من مواقع The Onion وClickhole الشهيرة، والتي توجه انتقاداتها اللاذعة باستخدام أخبار ساخرة توضح الحال السيء الذي وصلت إليه حالة معينة.

هذه المرة ليست الأولى التي يحدث بها أمر كهذا، فالكثير من النكات والأخبار الساخرة تم تداولها عبر الإنترنت على أنها أخبار حقيقية، ولعل واحداً منها لا يزال قريباً جداً وهو خبر تغطية التلفزيون السعودي لشعر ميركل عند زيارتها للبلاد، فالصورة المنشورة من قبل صفحة ”خسة“ التي تصرح بكونها ساخرة بشكل واضح، تم تداولها على عشرات المواقع العربية والأجنبية على أنها حقيقة، وكادت أن تتسبب بازدياد نفوذ اليمين الألماني كذلك مع انتشارها بين الألمان أنفسهم.

كيف بدأ الأمر؟

موقع الحدود فتوى سعودية صيام القطريين باطل

المقال الأصلي من موقع الحدود الساخر.

كانت البداية مع نشر موقع الحدود الساخر مقالة بعنوان: ”الإفتاء: لن يقبل صيام القطريين حتى ترضى السعودية عنهم“ مع استخدام الموقع لاسم ”الشيخ المفتي العلامة جمعان الضب“ كاسم وهمي للشخصية التخيلية التي من المفترض أنها أصدرت الفتوى، المحتوى هو كما يقترح العنوان، حيث يسرد المقال الساخر فتوى تتضمن بطلان صيام القطريين ومبالغات ساخرة واضحة كالقول: ”مخالفة السعوديّة بمثابة الحيض والنفاس، تَنقُض الطهارة وتبطل الصيام.“ و”صدام حسين الذي أصر على الخروج عن نهجها [السعودية]، فسلّطوا عليه قوات أمريكيّة اجتاحت بلاده ودمرتها عن بكرة أبيها، وكان هذا جزاء الكافرين“.

موقع بنت جبيل فتوى سعودية صيام القطريين باطل

موقع ”بنت جبيل“ قام بحذف المنشور عن صفحته على فيسبوك، لكن المقال لا يزال موجوداً على الموقع.

واحد من أول ناقلي الخبر الساخر على أنه حقيقي (وعلى الأغلب أنه السبب الرئيسي لانتشار الخبر أصلاً) هو موقع Bintjbeil.org اللبناني المعروف، حيث قام الموقع الذي يتابع صفحته على فيسبوك حوالي 5 ملايين شخص بنسخ الخبر الساخر حرفياً من موقع الحدود ونشره كما هو، ليحصد أكثر من 100 ألف مشاهدة وحوالي 4000 إعجاب على صفحة الموقع. من الجدير بالذكر أن الموقع يعد واحداً من أكثر المواقع العربية قراءة، وحاز على شهرته باتباعه لأساليب الصحافة الصفراء من الروابط ذات العناوين الخادعة ونشر العلم الزائف، وبطبيعة الحال النسخ واللصق من مواقع أخرى.

جمعان الضب فتوى سعودية صيام القطريين باطل

يبدو أن ”سماحة العلامة“ موجود فقط على صفحات مواقع النسخ واللصق.

بعد نشر موقع ”بنت جبيل“ للخبر، انتشر الخبر في كل مكان على المواقع الأخرى، فقد تمت مشاركته على مواقع مثل Taghribnews.com وShamnaTV.com وRaseednews.com وsawtchlef.ga وMotamemservice.com وعشرات المواقع الأخرى. مواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى غصت بالخبر مع مشاركته (ومن ثم حذفه) من قبل صفحة ”دمشق الآن“ التي تحظى بمتابعة حوالي 1.5 مليون شخص والعديد من الصفحات والحسابات الشخصية الأخرى. بإمكانك البحث بسهولة عن عنوان المقال وستجد بنفسك عشرات الأمثلة عن المواقع والصفحات التي شاركت الخبر على أنه حقيقي وجدي تماماً.

التقرير المصري فتوى سعودية صيام القطريين باطل

تحويل الشيخ التخيلي إلى مفتي السعودية من الممكن تجاهلها، لكن أن تصبح الحدود صحيفة سعودية معنية بالفقه الإسلامي؟ الأمر صعب التجاهل هنا – صورة من: موقع التقرير المصري

لم تكتف بعض مواقع الصحافة الصفراء بنقل الخبر كما هو، بل أضافت عليه ”بهاراتها“ الخاصة، فموقع egyrep.com أكمل الكذب بوصفه لموقع الحدود على أنه ”صحيفة سعودية معنية بالفقه الإسلامي“ محولة الشخصية الخيالية ”جمعان الضب“ إلى مفتي السعودية بشكل أوتوماتيكي.

من الملام على انتشار هذا النوع من الأخبار؟

صحافة صفراء

كونها ”صحافة صفراء“ لا يعني أن لون أوراقها أصفر بالضرورة، بل ببساطة يعبر عن الجودة الرديئة لمحتواها.

الملام الأول على هذا النوع من الأخبار الكاذبة هو الصحافة الصفراء دون أي شك، فمفهوم الصحافة الصفراء كان قد ظهر في أواخر القرن التاسع عشر ليعبر عن الصحافة التي تعتمد العناوين المضللة المخالفة للمحتوى من ناحية؛ ونقل الإشاعات والأخبار الكاذبة من ناحية أخرى، والمبالغة بالحقائق وإضافة تفاصيل تخيلية في أغلب الحالات.

ومع أن صفة ”الصحافة الصفراء“ موجودة منذ ما يزيد عن القرن، فهي لا تزال مستمرة حتى اليوم، فسهولة الوصول للإنترنت والتكلفة الأقل لإنشاء المواقع (بالمقارنة مع إنشاء صحف ومطابع تقليدية) جعل الأخبار المزيفة تزدهر في عصر المعلومات. وفي الكثير من الأحيان، تتخطى هذه الصحافة غيرها بالتصنيفات نظراً للعناوين الجذابة للقراء والمبالغات التي تضفي أبعاداً درامية للقصص.

جلبت الثورة التكنولوجية الحالية؛ والتي أتاحت لنا التواصل بشكل أسرع من أي وقت مضى، معها عرضاً جانبياً سيئاً هو كون الأخبار المزيفة والكاذبة باتت أسهل للانتشار، فالشائعات التي كانت تحتاج أياماً وربما أسابيع لتنتشر سابقاً، باتت قابلة للانتشار خلال ساعات لتصل لملايين الأشخاص بسرعة كبيرة، مع تزايد المبالغة والتفاصيل المختلقة مع كل مشاركة جديدة لها.

لأكون صادقاً، فالصحافة الصفراء والنشر العشوائي للأخبار ليسا السببين الوحيدين لهذه الحالات، فالشبب الثالث والدائم لانتشار هذا النوع من الأخبار هو كونها قابلة للتصديق نوعاً ما وغير مستبعدة تماماً، فمن يتابع أخبار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثلاً لن يستغرب سماع خبر مفاده أنه تحرش جنسياً بزوجة الرئيس الفرنسي مثلاً، أو أنه وصف أوباما بكلمة (Negro)، فتصرفات ترامب السابقة والحالية تجعل أي شيء ممكن بالنسبة له مهما كان مستبعداً من شخص آخر.

طلاسم سحر

عندما تمتلك جهازاً حكومياً معنياً بمكافحة السحر، لن أستغرب بعد ذلك ربما ملاحقات قضائية ل Harry Potter!

الحال بالنسبة للسعودية لا يختلف حقاً، فأي متابع لأخبار المملكة يعلم مقدار الأشياء الغريبة التي تحدث هناك، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنع النساء من القيادة مثلاً، وواحدة من الحالات التي أعتقد أنها فريدة بامتلاكها لمؤسسات رسمية وحكومية معنية بمحاربة السحر ومكافحة الشعوذة وملاحقة السحرة حتى.

فعندما تكون بعض من آخر الأخبار عن السعودية تتضمن حبس امرأة لأنها قادت سيارة، أو أحكام سجن لمن يبدي تعاطفاً مع قطر، لن يكون من المستبعد سماع فتاوى من نوع إبطال صيام القطريين، فقد اعتاد الشيوخ المسلمون على الفتاوى الغريبة والصادمة، فالأمر لن يكون بعيداً عن فتاوى ثبات الأرض في مكانها وإرضاع الكبير، وحتى المحرمات القديمة كتحريم البندورة وصنابير المياه والطابعات وحتى الدراجات النارية في الماضي.

في النهاية، عندما تقوم بأفعال يجدها العالم الخارجي غريبة جداً، فمن المتوقع والطبيعي أن يتم تصديق أي خبر غريب يصدر عنك، فسواء كان الخبر هو تغطية شعر ميركل أو فتوى ببطلان صيام القطريين، فالأمر منطقي ومتوافق مع ما اعتدناه سابقاً من أخبار مما يدعو إلى تصديقه. في الواقع لا أستبعد أن ما كتبته كمثال مثل تحرش ترامب بزوجة الرئيس الفرنسي أو وصف أوباما بكلمة (Negro) قد يتحول من قبل أحدهم إلى خبر متداول على المواقع والصفحات، ففي النهاية هو لا يبتعد حقاً عن التصرفات المتوقعة للرئيس البرتقالي.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

عدد القراءات: 6٬604