تاريخ

بائعات الهوى عبر العصور: الأمر أعمق مما تتخيل

يتساءل بعض الناس عمّا قد يدفع إحداهن لأن تعمل في مجال الدعارة، وتتنوع الإجابات وردود الأفعال، فهنالك من يُشفق عليهن ويلقي باللوم على ظروف الحياة القاهرة وآخرون يدعّون أن هؤلاء النساء قد جَنَين على أنفسهنّ بسبب اختياراتهن الخاطئة، ويبدأ الجميع بتحليل تاريخ العمل في مجال الجنس، ولكن الحقيقة التاريخيّة التي يجب أن تعرفها هي أنه في وقت من الأوقات امتلكت بائعات الهوى نفوذاً وحرياتٍ أكثر مما تمتعت به معظم معاصراتهن من النساء، ليَثبُتَ لنا مجدداً أن بعض الأمور أعمق مما تبدو عليه.

إيطاليا: عصر النهضة

حظِيت بائعات الهوى في عصر النهضة في إيطاليا القديمة بمكانة مرموقة، وكن يرتدين هذا الفساتين الخضراء

حظِيت بائعات الهوى في عصر النهضة في إيطاليا القديمة بمكانة مرموقة، وكن يرتدين هذا الفساتين الخضراء.

لم تحظَ النساء عامةً بأية حقوق في تلك الفترة، حتى أنه بالكاد كان يسمح لهن بالتعلم وذلك بإرسالهن للأديرة، وكان الزواج هو الحل الوحيد لتأمين الاستقرار والأمان لهنّ –بالطبع لم يحظين بحق اختيار الزوج–، في المقابل استطاعت بائعات الهوى التمتعّ باستقرار مادي دون الحاجة لزوج وكنّ قادرات على تعلم ما يشأن، بل واعتُبرن من مثقفات عصرهن، فكنّ قادرات على مناقشة أمور الشعر وطرح قضايا فلسفية والتحاور بشأنها مع زبائنهن من الرجال، إلى جانب وظيفتهنّ الأساسيّة. بالإضافة إلى تأثيرهن في السياسة، حيث كنّ يشاركن آرائهن مع زبائنهن من السياسيين.

اليابان: عصر إيدو (توكوغاوا):

الـ(أويرِن) وتعني ”الزهرة الأولى ترتدي“ الزي التقليدي في اليابان «الكيمونو»

الـ(أويرِن) وتعني ”الزهرة الأولى ترتدي“ الزي التقليدي في اليابان «الكيمونو».

يسود الاعتقاد بأن مسمّى (الغيشا) هو ما كان يطلق على بائعة الهوى في ذلك العصر ولكنّ ذلك يعتبر أمراً مهيناً ومسيئاً للـ(غيشا) أنفسهن، حيث أنهنّ في الحقيقة مجرّد مضيفات يقمن بتسلية الناس والترويح عنهم دون أية أمور ترتبط بالجنس، و(الأويرِن) أو ”المرأة اللعوب“ هو ما كان يُطلق على بائعات الهوى في ذلك العصر -لتمييز (الأويرن) عن النساء العاديات كان (الكيمونو) الخاص بهن يُعقد من الأمام-.

كانت في اليابان تقسيمات ومراتب لبائعات الهوى قديماً، واحتلّت (الأويرِن) المرتبة الأولى، وذلك لما تمتعنّ به من مهارة وقدرة كبيرة على الامتاع، ما جعلهنّ حِكراً على الطبقات النبيلة، وبفضل مهنتهن هذه استطعن تفادي النظام الأبوي المتسلط الذي عانت منه النساء عامةً، فاستطعنّ أن يؤثرن في الطبقة النبيلة.

(يوهوشيرا نو اوكا)، بائعة هوى، 23 عاماً في فترة (باكوماتسو-ميجي)

(يوهوشيرا نو اوكا)، بائعة هوى، 23 عاماً في فترة (باكوماتسو-ميجي).

مفاهيم:

  1. تتألف كلمة (باكوماتسو) Bakumatsu من جزئين، (باكو) والتي تعني الحكم العسكري، و(ماتسو) والتي تعني نهاية، ويشير مصطلح (باكوماتسو-ميجي) Bakumatsu-Meiji إلى الفترة ما بين نهاية عصر (توكوغاوا) وبداية عصر (ميجي) حيث انتقل فيها المجتمع الياباني من اقطاعي معزول إلى مجتمع أقرب إلى المجتمع الغربي.
  2. عصر (إيدو) Edo يدعى أيضا بعصر (توكوغاوا) Tokugawa، وتعّد هذه الفترة هي آخر فترات اليابان ”التقليديّة“، تمتّعت فيها اليابان باستقرار داخلي وسياسي وازدهر الاقتصاد تحت حكم الشوغونيّة أو ”الجنرالات“.

المملكة العثمانية:

أحد الدّلاكين يقف في حمّام تركي

أحد الدّلاكين يقف في حمّام تركي.

ما يكشفه لنا تاريخ المملكة العثمانيّة هو أنّ الدعارة لم تكن حكراً على النساء، ففي بدايات القرن الخامس عشر بدأت الحمامات التركية بالانتشار، واعتمدت هذه الحمامات على توظيف فتيان كانوا يسمون ”الدّلاكين“، وكانت مهمة هؤلاء الفتيان مساعدة الزبائن على الاغتسال والقيام بتدليكهم بالإضافة ”لخدمتهم“ جنسيّاً، كما سمح لهم بالإحتفاظ بما يجنون من نقود، حيث كانوا يتلقون ”بخشيشاً“ جيداً لقاء ما يقدمونه من خدمات.

بالطبع كانت العلاقات المثلية أمراً محرماً وغير قانوني في ذلك الوقت، ولكن كان للدّلاكين طرقهم الخاصة في الالتفاف حول الموضوع لإمتاع زبائنهم، وقد يصل الأمر في بعض الاحيان لأن ينشئ أحدهم علاقات طويلة الأمد مع أحد هؤلاء الفتيان.

الهند: ما قبل الاستعمار

(الديفداسي) أو راقصات المعبد

(الديفداسي) أو راقصات المعبد.

للهند تاريخ طويل ومعقد فيما يخصّ الدعارة، فقد كانت هناك تقسيمات ومراتب ومهام معينة لكل فئة من فئات العاملين في مجال الجنس، وفيما يلي بعض التسميات بالإضافة إلى لمحة عن كلٍّ منها:

– الطاويف Tawaif: بائعات هوى بتصفن بالأناقة والثقافة العاليّة، ويتقن العديد من الفنون كالرقص والغناء. ارتبطن بالطبقة النبيلة.

– الجانيكا Ganika: أوصلهن جمالهن وذكاؤهن إلى طبقات اجتماعية عالية، حيث أتقنّ ما يقارب الـ64 نوعاً من فنون الأداء، كالرقص والتمثيل والشعر والرسم والمسرح، ولذلك دُعين لخدمة الملوك وكبار التجار الأغنياء. تلقت (الجانيكا) أجوراً طائلة مقابل خدماتهن، وكنّ يقطنّ في منازل فخمة بل وحظين بخدم خاص.

– الكانجاري Kanjari: مرتبة متدنيّة من (الطاويف) ويتبعن للطبقة غير المثقفة.

– الديفداسي Devdasi: يتم بيع الفتيات في سن مبكرة جداً قد تصل للرابعة، ويتم تقديمهن كهِبة لآلهة الخصوبة (يلما) Yellamma ليصبحن راقصات معبد يُكرسنّ حياتهنّ للرقص الروحي، ولا يسمح لهن بالزواج. تعمل (الديفداسي) حتى تصل لعمرٍ معين وحين تتجاوزه لا يتم اعتبارها بعده جذابة وكفيلة بأداء هذه المهمة، ليُلقى بها في الشوارع فتمضي ما تبقى من حياتها تتسول.

– النارتيكا Nartika: يعملن كراقصات وحسب.

اليونان القديمة:

لوحة تصوّر (الأوليترايدس) يرقصن في أحد الاحتفالات، وتحمل إحداهن قوساً وأسهماً.

لوحة تصوّر (الأوليترايدس) يرقصن في أحد الاحتفالات، وتحمل إحداهن قوساً وأسهماً.

كانت (الأوليترايدس) Auletrides بائعات هوى بمعايير عالية، فوجود ضريبة على ممارسة الدعارة في ذلك الوقت أدى إلى رغبة الزبائن في الحصول على أكثر من الجنس، ولذلك فقد أتقنت تلك النساء مختلف فنون الغناء والرقص بالإضافة لمهاراتٍ رياضيّة كالجمباز والمبارزة.

دُعيت (الأوليترايدس) إلى حفلاتٍ خاصة وكنّ يتلقين في المرة الواحدة ما يقارب الألف دولار في وقتنا هذا، وتمتعنّ بمكانة مرموقة في مجتمعهن، حيث تم تصوير العديد منهنّ في أعمال فنية وأدبية.

أميركا اليوم:

مهنة الدعارة هي أمر غير قانوني في مختلف المناطق في أمريكا تقريباً، حيث يسمح ببيوت الدعارة في أماكن محددة من ولاية (نيفادا)، وأحد الأماكن التي تقوم بتوظيف بائعات الهوى لكسب معيشتهن هو (مونلايت باني رانش).

(دينيس هوف) مع العاملات في بيت الدعارة الذي يديره.

(دينيس هوف) مع العاملات في بيت دعارة (مونلايت باني رانش) الذي يديره.

وفقاً للمالك (دينييس هوف)، فإن ممارسة الدعارة لا تعني غياب القوانين، حيث يحظر استخدام المخدرات وهنالك قوانين صارمة لاستخدام الواقيات الذكريّة، وتُجرى فحوص أسبوعيّة للأمراض المنقولة جنسياً STD لكل من الـ500 امرأة التي تعمل هناك، بالإضافة قائمة الأمور المحظورة التي تعدها هذه النساء بخصوص طبيعة الخدمات التي يقدمنها، والتي على الزبائن احترامها.

تتولى النساء مهمة التسويق لأنفسهن عبر الإنترنت وجذب الزبائن.