أقصوصة

الشيخوخة المبكرة

الشيخوخة المبكرة

كنت أراه بين الحين والآخر يتجول حول خيمته البيضاء، لم يكن يسترجي الأبتعاد كثيرا حتى لا يتعرض للسخرية والإهانة من الأطفال من هم في عمره الصغير، حتى مع نعومة أظافره كان مختلفا عن من هم في سنه.

مرتديا بلوزة زرقاء وبيجامة سوداء لكنها تكحلت باللون الأبيض لكثر ما تعرضت للغسيل وتركت مستلقية على الحبل تحت أشعة الشمس حتى تجف، ليعيد لبسها في اليوم التالي، ربما لأنه لم يمتلك غيرها وربما لأنها كانت البيجامة المفضلة لديه.

لا يهم حقا أي من السببين لأنه كان يرتديها مرارا وتكرارا دون أن يكترث لصراخ والدته التي تطلب منه أن يهتم بملابسه و ا يمرغ نفسه بالتراب.

كنت أتحاشى النظر في عينيه أحيانا حينما كنت أراه أمام خيمته حتى لا يشعر بالدونية أو أن هناك من يشفق عليه.. ربما لم يكن وعيه قد نضج بعد مثل تقاسيم وجهه البريئة المترهلة ولم يدرك معنى الضمير أو الشفقة، لكن الخجل كان باديا عليه بالأضافة إلى أن مرضه قد دفع الأطفال إلى نبذه حتى أصبح أنطوائيا دائم البكاء ولم يبقى لديه صديق غير والده صاحب الوشوم العريضة على أكتافه الذي كان أصغر من ابنه بعشرين سنة كاملة لو تمت المقارنة بالعمر الفيزيولوجي بينهما، لكن ما باليد حيلة فهو كان الأقرب إليه بأعتباره والده ولا يفصل بينهما الكثير من السنوات بالنسبة للعمر الجسدي.

أتذكر دائما أول مرة قابلته فيها، كان يوما صيفيا حارقا والساعة لم تبلغ بعد العاشرة صباحا، حين وصل برفقة والده إلى الخيمة التي كنت أعمل فيها رفقة منظمة خيرية لتسجيل الحالات الطارئة بين اللاجئين قبل أن نتجول بين الخيم لتسجليهم على أمل مساعدتهم بشكل أسرع.

صدمة رؤيته في البداية كانت كبيرة على الرغم من دراستي عن تلك الحالة الغريبة، لكن وقع الأحداث والحالات في الحياة الواقعية تكون أكبر دوما مثل الصدمة الأخرى التي تلقيتها حين هممت بتسجيل بياناته الخاصة عندما أبلغني والده بأنه يبلغ من العمر ست سنوات.

ست سنوات فقط لكنه قد بلغ الستين بجسده الهزيل بالفعل، وحتى تجاعيد وجهه كانت تخفي تعاليم أبتسامته الطفولية، على الرغم من سعادته البادية بأنه يجلس أمام مكيف بارد وهو أمر لم يجربه منذ حوالي شهرين، وذلك لأن المنظمات الإنسانية والحكومة لم تكن قد أوصلت الكهرباء والمكيفات إلى جميع الخيم بعد.

لكن كله لا يهم فهو كان مستمتعا وغير مستمع لمناجاة والده الشديدة على تقديم المساعدة لابنه حتى ولو بأي شكل من الأشكال مهما كانت بسيطة على أن يجد بصيص أمل لمساعدته وعلاجه أو تحسين وضعه الصحي، لكن بما أن المنظمة كانت خيرية وتعتمد على تبرعات الناس لم تكن تستطيع أن تقدم لهما شيئا سوى وعود مزيفة بحسب الإمكانيات الشحيحة مثل شحة محفظة والده المتواضع.

كنت ألمحهما أحيانا أثناء جولاتي في المخيم حتى بعد ثلاثة أشهر من أول مقابلة، لكنه بعدها أختفى ولم أعلم عنه أي شيء آخر.

ربما منظمة أجنبية قد قامت بتقديم المساعدة لهم و تسفيره إلى دولة أخرى ليخضع للعلاج؛ وهو أمر مستبعد كليا، وربما قد سافر فقط إلى غير دولة بطريقة غير شرعية مثل بقية الناس أو همّ بالرجوع إلى سوريا بعد أن فقد والده الأمل لأنه ربما كان يعلم انه لم يتبقى له الكثير من العمر وهي سنتان فقط على أعلى تقدير حسب ما قد قرأت عن حالة الشيخوخة المبكرة تلك.

عدد القراءات: 977