اجتماعيات

أفلاطون

لوحة سقراط وافلاطون
لوحة سقراط وافلاطون
mm
إعداد: عمر غياض

قبيل نهاية القرن السادس قبل الميلاد دخلت الحضارة الإغريقية بما يعرف بعصرها الذهبي والذي دام قرابة الـ200 عام. اليوم يعرّف المؤرخون تلك الفترة بالفترة الكلاسيكية، التي كانت بداية ازدهارٍ للأدب والعلم والفلسفة في الغرب وقد تكون من القفزات الحضارية الأكبر للإنسانية ككل.

عاش في ذلك الوقت حوالي الربع مليون شخص في أثينا – إحدى دويلات اليونان القديمة – والتي ضمّت الكثير من مرافق الرفاهية؛ من حاناتٍ وحمامات والكثير من النوادي الرياضية أو الجيمانزيوم (نعم كلمة ’جيم‘ أصلها إغريقي).

في بداية هذه الفترة وفي تلك البقعة الجغرافية الصغيرة لكن المحورية في تاريخ البشرية، تخلّص الشعب الأثيني من قائدهم الطاغية وأقامو نظاماً ديمقراطياً لأول مرة.

بالطبع، لم يكن النظام ديمقراطياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى اليوم، ولكنه تم لأول مرة في تاريخ الحضارات المؤرخة تشارك الحكم والقيادة والقرار مع العديد من أفراد الشعب بدل أن يكون حكراً على أوتوقراطي (أحادي الحكم) واحد.

لم يُسمح سوى للمواطنين بالمشاركة بالنظام الديمقراطي الأول، وكالعادة في الزمن القديم لم يتم اعتبار النساء من المواطنين ولا العبيد ولا الشبّان أو الأجانب لذلك استُثنوا من المشاركة. ولكن بالنسبة لذلك الوقت، كان نظام أثينا السياسي والاجتماعي سبّاقاً في كل المعايير، لذلك جذبت أثينا الكثير من المفكرين من مدن وبلدان مجاورة.

ومن بين المفكرين الذين سطع نجمهم في أثينا، الفيلسوف الأثيني سقراط الذي اشتهر بتشكيكه الفلسفي بمعاني العدل والخير مما جلب له الكثير من الأتباع والطلاب الشبان.

ولسوء حظ سقراط أنّ شهرته لم تقتصر على الفلاسفة الشبان فقط بل لفت انتباه المجلس الديمقراطي أيضاً، إذ لم يعجبهم تحدي سقراط لمفاهيم العدالة التي اعتبرها المجلس من المسلمات، فحكموا عليه بالإعدام بتهمة إثارة الفتنة بين الشباب.

ومن بين طلاب سقراط كان هناك شابٌ يدعى أفلاطون، اتفق هذا الشاب مع معلمه كثيراً، وأخذ عنه عقليته وقدرته على الشك بكل ما اعتُبر من المسلمات. وقد اشتُهر أفلاطون أيضاً كمعلمه، ودخل المعترك السياسي من أجل أن يغير النظام من الداخل وألّف أحد أشهر مؤلفات الفلسفة السياسية في التاريخ: ”الجمهورية“.

ورأى أفلاطون أن دور الحكومة يكمن في نشر مفهوم ”الحياة الخيّرة“. والحياة الخيرة بمنطوره لم تكن الرفاهية والحياة الرغيدة بل تكمن في العيش المتطابق مع مفاهيم الحكمة والتقوى والعدل. وأي حاكمٍ يسعى للحكم من أجل أسباب أخرى، سيكون إما بسبب الجهل بمعنى الحياة الخيرة أو بسبب المطامع المادية فسيقود المجتمع نحو ”الشر“.

لذلك رأى أفلاطون أن الفلاسفة هم الأجدر بالحكم أو المشاركة السياسية لأنهم أكثر من فهموا معنى الحياة الخيرة. وأن المشاركة الديمقراطية مع العامة الجاهلين بمعاني الخير والشر طريقة فاشلة للحكم. وهنا يمكننا القول أن تلك كانت إحدى أقدم المغالطات الفلسفية؛ ”نحن الفلاسفة الأفضل للحكم لأننا لا نطمع به“.

لكن على الرغم من نقده للنظام الديمقراطي؛ لم ير أفلاطون أن هناك نظاماً أفضل منه. لذلك أنشأ مدرسةً لتثقيف وتعليم العامة لتحسين القرار الديمقراطي وسُميت هذه المدرسة بالـ”أكاديمية“، هنالك درس الطلاب الفلسفة والعلوم والرياضيات ودامت الأكاديمية 300 عام.

كرّس أفلاطون معظم حياته لمساعدة الإنسان للوصول لحالة عُرفت ”باليودومونيا“ أو الإشباع. ورأى أفلاطون أن التفكير هو من أهم سبل الوصول لحالة الإشباع؛ التفكيرُ بعيداً عن الطرق الموروثة والشائعة والابتعاد عن القطيع ورفض الاستسلام للخرافات وطرق التفكير المكررة، وحرّض أفلاطون على تحسين الأفكار عن طريق الخوض بحواراتٍ هادفة مع النفس أو شخصٍ آخر ممّن يريد مساعدتك في تنمية أفكارك.

ألّف أفلاطون عدة كتب، جميعها على شكل مخطوطات عالية الحرفية وقد حاز سقراط على أدوار محورية في أكثرها، وكان لأفلاطون وجهة نظر عن الحب وعرّف الحب الحقيقي في السيمبوزيوم قائلاً أن ”الحب الحقيقي هو الإعجاب بصفات المحبوب“.

قد تبدو الكثير من أفكار أفلاطون من البديهيات، لكنها لم تكن كذلك منذ أكثر من ألفين عام، ومما لا شك فيه أنّ أفلاطون ما زال يُعتبر من مؤسسي قواعد التفكير والفلسفة الأوائل في التاريخ الإنساني.

مقال من إعداد

mm

عمر غياض

عدد القراءات: 3٬476

تدقيق لغوي: كارمن.