مدار الخير والشر، المفسدة والمنفعة، الحق والباطل (…) قد يكون حول شعورنا بالألم. حيث لا يختلف فيه اثنان، حالة وجدانية شديدة الحضور والوطأة، على البدن كما على النفس، تقع في الجهة المقابلة لحالة الشعور باللّذة. نسعى للابتعاد عن كل ما يفضي بنا إليه، وعن مسبباته. كثيراً ما يكون هو الدافع والمولّد لأبرز نشاطاتنا الممارسة، الحسية والعقلية، إذا ما انكشف لنا، أو بعض أماراته لنتفاداه.

أنقل هذا المقطع بتصرّف لتشارلز داروين، في ردّه المنشور عام 1872 عن مطبعة جامعة شيكاغو، حيث يقول:

”أفهمُ حاجتكم للبراهين الفيزيائيّة الواضحة، ربّما من عاش قرب حيوان أليف سيفهمني بشكلٍ أدقّ، الألم فقط هو ما يظهر بكامل الوضوح لدى كافة الحيوانات من بشريّة وغيرها، بقيّة الهيجانات والعواطف أكثر تعقيدًا وغموضًا، الوعيُ والترفّع الثقافيّ الحاصل للعقل البشريّ طوّر تركيب المشاعر الشّخصيّة وطوّر فهم مشاعر الغير فباتت مظاهر الغضب أو الضّحك أوضح بالتّالي، وهذا أيضًا جزء من التكيّف الحيوانيّ المتواصل، كما ساعد ارتقاء ”التلافظ“ بين البشر على الإحاطة بهذا، لكنّ أساس ارتقاء القِردة العليا عن بقيّة القِرَدة كان عن الطريق الأبسط؛ الألم، تراكم الألم، فهمه، ثمّ صناعة الخوف لتجنّبه.“

حسناً، هذا يفسّر الكثير ربّما.. ثمّ يُقال أيضاً أنّ بعض الكائنات الحيّة القديمة قد انقرضت لتأخّرها في الشعور بالألم، فكانت تفنى من جراء ذلك، أو مسبباته التي لم تدركها، فتتدارك أمرها.

كلّ ما هو من شأنه إزالة هذا الشعور لدينا واسكاته بفعالية أكبر فهو حقيق بالاحتذاء أكثر. سواء العلم—ويبدو أنه سيّد الموقف هنا— أو الفن أو الدين (أيّ دين) أو الفلسفة أو الأسطورة… كلٌّ بحسب مرحلته التاريخية المؤثرة، وهدفه الوظيفي القائم.

ازدياد معرفتك وتوسّع نطاق فهمك يجعلك حاملاً لألمك وآلام الآخرين، ممّن وما تحيطهم أو يحيطونك، أو علمت بحصول الإحاطة والولاية بينك وبينهم. يُمكن القول أن آلامهم تصبح مندكّة في ألمك، مع خوفك، منصهرة به..

مقال من إعداد

mm

عباس حاج حسن