in

تعرف على عملية تات–تايب: عندما كانت الولايات المتحدة تقوم بوشم زمرة دم الأطفال في المدارس خوفاً من حرب نووية!

كان الخوف مسيطراً على الأمريكيين خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة، لدرجة أن العديد من أطفال المدارس الأمريكية أُجبروا على وضع صفيحة تعريف، حالهم كحال الجنود الأمريكيين، وذلك بغرض التعرف على الجثث في حال وقع هجوم نووي.

لاحقاً بدأ الترويج لخطوة غريبة أخرى لتمييز الجثث، وهي وشم الأطفال والشباب بفصيلة الدم، حيث كان من المتوقع أن مثل هذه الخطوة ستلعب دوراً مهماً في إنقاذ آلاف الأرواح وتسريع عملية نقل الدم بعد وقوع هجوم ذري. تلقت هذه العملية انتقادات كبيرة لأن الفكرة منها لم تكن تلقي الدم عند حاجة الشخص له، بل تحول المواطن الأمريكي إلى متبرع يتم انتشال جثته من الشوارع لإنقاذ حياة شخص آخر. أُطلق على هذه العلمية اسم Tat–Type.

صورة من صحيفة أندرسون هيرالد عام 1955، تعنون فيها الصحيفة «يُنصح بوشم زمرة الدم».

كانت هذه العملية ضرورية جداً، وذلك بسبب الحاجة المتزايدة إلى الدم أثناء الصراع الكوري في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، خاصةً بعد شحن معظم مخزون الدم للخارج، كما كان المخزون الموجود في المشافي معرضاً لخطر التدمير بسبب الهجمات التي استهدفت المشافي أو الأضرار الناتجة عن النشاط الإشعاعي، لذلك تم إطلاق حملة واسعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة لتحديد فصيلة الدم لأكبر عدد من الأمريكيين، لتنفذ خطة «بنوك الدم المتحركة» وبهذه الطريقة يمكنهم نقل الدم بطريقة أسرع للأشخاص المصابة.

وافقت لجنة الدفاع المدني الطبية في شيكاغو التي يديرها الدكتور (أندرو سي أيفي) على هذه العملية في عام 1950، ولكن بشرط أن تكون عملية تصنيف فصيلة الدم غير مؤلمة، أي يكفي وخز أطراف الأصابع بدبوس، كما يجب وصف الوشم بأنه أشبه بعمليات التلقيح الضرورية.

عمل الدكتور (أيفي) مستشاراً للجمعية الطبية الأمريكية في محكمة جرائم الحرب في (نورمبرج)، وهناك لاحظ أن جنود الفرقة الألمانية النازية (فافان–إس إس) يحملون وشوماً على صدروهم أو أذرعهم تشير إلى فصيلة دمائهم خلال الحرب العالمية الثانية. يُعتقد أن الدكتور (أيفي) كان قد استلهم الفكرة منهم وأصبح من المؤيدين لهذه الخطوة.

الفرقة (إس إس) يحملون وشوماً على صدروهم أو أذرعهم.

كان موقع الوشم مهماً للغاية، حيث تم استبعاد الوشم على الذراعين والساقين لأنه من الممكن أن تتهشم بفعل الانفجارات، لذلك عادةً ما كان يتم دق الوشوم على جانب الصدر أو تحت الذراعين أو على الوركين تماماً مثل وشوم جنود (فافان–إس إس).

على الرغم من الجهود التي بذلها الدكتور (أيفي)، إلا أن العملية لم تطبق في شيكاغو. أما في مقاطعة (ليك) في (إنديانا) المجاورة، فتلقت هذه العملية دعماً كبيراً من المجتمع الطبي المحلي وأصبحت عملية Tat-Type رسمية.

بحلول نهاية عام 1951، حُددت فصيلة الدم لنحو 15 ألف شخص من مقاطعة (ليك)، اختار ثلثهم وشم فصيلة دمه على جسده، تسببت هذه الاستجابة الكبيرة لعملية الجمعية الطبية لوشم فصيلة الدم في مقاطعة (ليك) إلى البدء بوشم فصيلة الدم للأطفال هناك، وتحويلهم لبنوك دم متنقلة.

في شهر يناير عام 1952 تم اختيار خمس مدارس ابتدائية في كل من مقاطعة (هوبارت) في (إنديانا) لتحديد فصائل دم الأطفال، حيث تم توزيع طلبات كان يأخذها الأطفال إلى ذويهم للحصول على موافقتهم، وبمجرد الحصول على الموافقة كان يتم وخز أصابعهم لتحديد فصيلة دم كل طفل في المدرسة، وبعد ذلك يتم استدعاء طالب تلو الآخر إلى غرفة مغلقة يقوم فيها مسؤول طبي بفحص البطاقات التي تحدد هوية الطفل وفصيلة دمه، ثم يتم تجريده من ملابسه العلوية ويتم وشم فصيلة دمه على صدره، كانت هذه العملية مخيفة بالنسبة لأطفال بمثل عمرهم وازداد الخوف في غرفة الانتظار عند خروج الطلاب يبكون من غرفة الوشم، فضلاً عن صوت الطنين الذي يشبه صوت أدوات طبيب الأسنان وصرخات الأطفال تتعالى داخل المبنى.

جاري زيكوهر، صاحبة هذا الوشم الحاوي زمرتها الدموية O+، حصلت عليه عام 1952 عندما كانت في الحادية عشر من عمرها. صورة: Jari Zickuhr

حصلت الطالبة (جاري زيكوهر) من هياتسفيل في ولاية ميرلاند على هذا الوشم الذي يشير إلى فصيلة دمها (+O) في عام 1952، عندما كانت طالبة في الحادية عشر من عمرها في مقاطعة ليك (إنديانا).

حصلت أيضا الطالبة (أنيلا بيتكوفيتش ديكسون) في الصف الرابع في مدرسة (سانت كاسيمير) في مدينة (هاموند) في (إنديانا) على هذا الوشم الذي يشير لفصيلة دمها (+O)، ولكن بالكاد يمكن قرائها الآن.

وشم الطالبة (أنيلا بيتكوفيتش ديكسون).

قالت (أنيلا) متذكرةً تلك الأيام: ”أتذكر ذلك اليوم بشكل واضح، عندما كان الأطفال يصرخون في المدرسة، كنت مرتعبة جداً وحاولت الخروج ولكنني لم أستطع، واعتقدت أن دوري قد حان وبدأت أصرخ وأبكي، وعندما شعرت بتلك الوخزة في إصبعي زاد البكاء والخوف“. في وقت لاحق، شعرت والدتها بالندم على القرار الذي اتخذته بحق طفلتها والسماح لهم بوشم جسدها الصغير وبدأت بمسح هذه العلامة الزرقاء بالماء والصابون، ولكن للأسف لم يختفِ الوشم أبداً.

نُفذت هذه العملية في ولاية يوتاه أيضاً بدعم من الدكتور (عمر صاموئيل بادج) وشقيقه الدكتور (أوليفر ويندل بادج) وبمساعدة كنيسة اليسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة، والتي أعلنت أن المورمون الذين يحصلون على وشوم لفصيلة دمائهم سيعفون من المحرمات الدينية.

رجل آخر يدعى دوغ بيل، حصل على هذا الوشم عام 1951 عبر برنامج طبي محلي. صورة: Doug Bell

لم تدم هذه العملية لفترة طويلة، فانتهت بانتهاء الصراع الكوري في عام 1953 بعدما خفّ الطلب على نقل الدم، ولم يُجبر أحد على تحويل نفسه لبنك دم متنقل بل كانت هذه العملية تطوعية، حيث يمكن للمتطوعين الاختيار بين الحصول على وشم أو صفيحة تعريف، كما توصلت دراسة كانت قد أُجريت في ميشيغان وماساتشوستس أن شخصاً واحداً من بين كل أربعة أشخاص اختار صفيحة التعريف، بينما رفض 60٪ من المتطوعين الحصول على وشم لفصيلة دمائهم. هناك عامل آخر لعب دوراً مهماً في فشل مثل هذه العملية، وهو التكلفة العالية التي يتطلبها الوشم.

بحلول نهاية عام 1955، وُشم جسد نحو 60 ألف شخص من البالغين والأطفال في مقاطعة ليك، وبضعة آلاف شخص في كل من مقاطعتي كاتش وريتش في ولاية يوتا. لا يزال هناك حتى هذه اللحظة العديد من هؤلاء الأشخاص الذين يبلغون السبعينات والثمانينات من عمرهم، ويحملون وشوماً لفصائل دمهم، ولكنها تشوهت بمرور الوقت وأصبحت بالكاد تُقرأ.