تاريخ

دخلك بتعرف «سوريا الصغيرة» أو «الحي السوري» في قلب مدينة نيويورك؟

تماما مثل «الحي الصيني» وغيره من الأحياء الأخرى، كان للسوريين والعرب من الشرق الأوسط حي خاص اشتهر بهم في قلب مدينة نيويورك منذ القرن التاسع عشر عرف باسم «سوريا الصغيرة»

كانت «سوريا الصغيرة» Little Syria واحدة من أحدث الإضافات إلى الأحياء الدولية متنوعة الأعراق والأجناس في مدينة نيويورك في القرن التاسع عشر، كان مركزها في شارع واشنطن في وسط (مانهاتن)، وهي تقبع على بعد بضعة مربعات سكنية عن المناطق المحيطة بأرصفة نهر (هادسون). لقد كانت مجتمعا صغيراً، لكنه أخذ ينمو بشكل متسارع ومعتبر.

في سنة 1890، كانت تعيش في شارع واشنطن في نيويورك حوالي ثلاثمائة عائلة، وفي سنة 1904 تم إحصاء ما ينوف عن 3000 نسمة من هذه الطائفة السورية. يعتقد معظم سكان مدينة نيويورك أن جيرانهم الجدد هم مسلمون، لكن السواد الأعظم منهم في الواقع مسيحي قدم من مدن وقرى في منطقة «جبل لبنان». كانت سوريا آنذاك جزءا من الإمبراطورية العثمانية، وبسبب هذا الإنتماء قام الكثير من السوريين بالهجرة من أوطانهم واستقروا في «سوريا الصغيرة» من أجل الهروب من التجنيد الإجباري في الجيش الإمبراطوري العثماني، غير أن السبب الأكبر في هجرتهم تلك يبقى اقتصاديا بحتاً.

بدأت هجرة السوريين نحو الولايات المتحدة الأمريكية تتزايد في سنة 1876 عندما زار وفد سوري «معرض فيلاديلفيا الدولي» في طبعته المئوية ورأوا بأمهات أعينهم كل الفرص التي كانت متاحة لسكان تلك الأرض، وعند عودتهم إلى وطنهم انتشرت قصص ما رأوه من فرص عظيمة في تحقيق العيش الرغيد، ومنذ ذلك الحين والشباب السوريون يتدفقون إلى شواطئ الولايات المتحدة.

شارع واشنطن في وسط (مانهاتن)،

شارع واشنطن في وسط (مانهاتن) – صورة: موقع Hyperallergic

كان المبشرون المسيحيون الأمريكيون الذين كانوا ينشطون في سوريا غالبا ما يشجعون زملاءهم من القساوسة والمبشرين السوريين بالهجرة هم الآخرون، وكانوا يمدونهم بكل الدعم اللازم.

بمجرد وصولهم إلى أمريكا، يختار عدد كبير من الوافدين السوريين حياة الباعة المتجولين، وانتشر هؤلاء في مختلف أنحاء الولايات المتحدة عارضين سلعهم في مدن بعيدة جدا على شاكلة (موسكوجي)، و(أوكاي) و(مانكاتو). إنها حياة قاسية، لكنه تدر الكثير من المال، وهو الأمر الذي خوّلهم من إرسال أرباحهم إلى أوطانهم لإعالة عائلاتهم وأقربائهم.

افتتحت عدة مطاعم في شارع واشنطن في نيويورك من أجل تقديم خدمات إطعام الباعة المتجولين السوريين، وكان من لم يختر حياة البائع المتجول وفضل البقاء في «سوريا الصغيرة» يعمل في المصانع والمحلات التجارية والمطاعم.

كان الكثير من ذوي الخبرة في مجال صناعة الحرير التي تشتهر بها منطقة «جبل لبنان» يذهبون للعمل في معامل النسيج المنتشرة في نيويورك، في بادئ الأمر كحائكين، ثم كمشرفين وينتهي المطاف بغالبيتهم في افتتاح معمله الخاص للنسيج.

لا تعتبر حياة المهاجر السوري في أمريكا شاقة جدا وعديمة الرفاهية، حيث كان منهم من امتلك مطاعم ومقاهي كانت تختص بتقديم أطعمة ومشروبات سورية تقليدية، فكانت تمتاز بنكهة أصلية تعيد إلى أذهان المهاجرين عبق الوطن عبر أطعمتها التقليدية، ورائحة النرجيلة، وأصوات لعبة الدومينو.

مهاجر سوري يقوم بتحضير الحلوى الشامية التقليدية في «سوريا الصغيرة» Little Syria في قلب مدينة نيويورك في أوائل القرن العشرين

مهاجر سوري يقوم بتحضير الحلوى الشامية التقليدية في «سوريا الصغيرة» Little Syria في قلب مدينة نيويورك في أوائل القرن العشرين – صورة: Library of Congress/Wikimedia

بالإضافة إلى الرعايا السوريين، فقد كان هذا الحي مركزا رئيسيا لأول مجتمعات المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط بصفة عامة، والذين استقروا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي مدينة نيويورك بالضبط.

كانت «سوريا الصغيرة» كذلك موطناً لكتاب ومؤلفين أمريكيين مشهورين من أصول لبنانية على غرار جبران خليل جبران وأمين ريحاني، وهم كانوا من أوائل المتنورين والمثقفين في المنطقة، إضافة إلى العديد من العقول الثقافية والتعليمية والصحفية النيرة الأخرى. لقد كان في «سوريا الصغيرة» حيث جرى تعديل آلات الـ(لاينوتايب) [آلات طباعة معدنية] لتتضمن حروفا عربية، مما ساهم في تغيير وجه الصحافة العربية تماما، ومما ساهم أيضا في صدور أول الجرائد العربية في أمريكا الشمالية التي تمت طباعتها في نيويورك، وكانت أولها هي صحيفة «كوكب أمريكا» التي صدرت في سنة 1892، ثم انضمنت إليها لاحقا حوالي 50 صحيفة عربية نشرت وصدرت جميعها من «سوريا الصغيرة»، بما في ذلك صحيفة «الهدى» وصحيفة «العالم السوري».

مواطنون سوريون في أمريكا في سوريا الصغيرة في نيويورك بالضبط

مواطنون سوريون في أمريكا في سوريا الصغيرة في نيويورك بالضبط

كان المسيحيون في هذا الحي يعيشون في شارع واشنطن جنوب موقع مركز التجارة العالمي سابقا، حيث قاموا ببناء ثلاثة كنائس، منها كنيسة القديس (جورج) لطائفة الملكيين التي تم إدراجها ضمن معالم مدينة نيويورك التاريخية في سنة 2009.

بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين والفلسطينيين، عاشت العديد من المجموعات الإثنية المتنوعة في هذا الحي، بما في ذلك اليونانيون، والأتراك، والأرمينيون، والسلوفاكيون، والبولنديون، والهنغاريون، والليتوانيون، والأوكرانيون، والتشيكيون، والآيرلنديون.

وصف مقال صحفي نشر على جريدة (نيويورك تايمز) سنة 1899 الحي السوري والمواطنين المقيمين فيه البالغ عددهم آنذاك ثلاثة آلاف نسمة بشكل دقيق، وأظهر كيف أن أولئك المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط لم: ”يتخلوا عن تقاليدهم، وثيابهم التقليدية، وطرائق تفكيرهم“، كما لم يتحولوا إلى ”مواطنين أمريكيين عاديين“، بل بدل ذلك: ”استمرت خصالهم وأفكارهم وثيابهم التقليدية وصمدت مهما بقوا هناك من وقت، ليعطوا للمكان نكهة مميزة ولمسة من التجديد“، وأورد المقال بالذكر كذلك عددا من ”الفتيات ذوات الجمال الباهر“، وانتهى بوصف «سوريا الصغيرة» في مطلع القرن العشرين على أنها مزيج من الطبقات الاجتماعية.

بيع المشروبات السورية التقليدية الباردة في «سوريا الصغيرة» في قلب مدينة نيويورك.

بيع المشروبات السورية التقليدية الباردة في «سوريا الصغيرة» في قلب مدينة نيويورك. حوالي 1910 – صورة: Library of Congress/Wikimedia

في كتابه الذي نشر سنة 2006 بعنوان «الأمريكيون العرب» وصف المؤلف (جورج أورفاليا) «سوريا الصغيرة» على أنها: ”مقاطعة في العالم الجديد حيث مارس العرب لأول مرة تجارتهم المتجولة، وعملوا في المصانع التي كانت تستغل العمال، وعاشوا في مبانٍ سكنية وعلّقوا لافتاتهم الخاصة على المحلات“.

بحلول شهر أغسطس سنة 1946، تلقى سكان ومالكوا المحلات التجارية الممتدة على طول شارع واشنطن من شارع (ريكتور) إلى ساحة (باتري)، والتي كانت تمثل آنذاك قلب ”العالم العربي في نيويورك“ إشعارات بالمصادرة، وذلك قبل سنوات فقط من هدم وإزالة الحي لبناء مداخل ضرورية من أجل النفق الرابط بين (بروكلين) و(باتري)، الذي افتتح أمام المارة سنة 1950.

في سنة 2011، ضغطت مجموعة من الناشطين الدعاة لحفظ التاريخ وناشطين أمريكيين عرب تحت حملة «أنقذوا شارع واشنطن» على «لجنة حماية المعالم» ورئيسها (روبرت تيرني) من أجل إدراج مبنى Downtown Community House، ومجمع المباني السكنية في «109 شارع واشنطن» في «سوريا الصغيرة» ضمن المعالم التاريخية في مدينة نيويورك.

يتضمن الكتاب الذي تم نشره مؤخرا بعنوان «غرباء في الغرب» كذلك تفاصيل التكوين الأول والمبكر لهذه المستعمرة، من سنة 1880 إلى سنة 1900، ويضع حتى لائحة بأسماء المهاجرين الأوائل في الحي السوري والوظائف التي كانوا يشتغلون بها، وخلفياتهم، وكذا تاريخ نمو واتساع الحي.

يتضمن الكتاب كذلك مناقشات متنوعة لمختلف التحديات التي واجهها المهاجرون، بما في ذلك تطور الصحافة، والرعاية الطبية، والمعاهد التعليمية، والقضايا القانونية، ومساهمة المعرض الدولي في شيكاغو في سنة 1893 في التوسع السريع الذي شهده الحي السوري والشعبية التي حظي بها في مدينة نيويورك.

عدد القراءات: 6٬663