in

دخلك بتعرف تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية مع تزوير الحقائق ونشرها

صورة: Library of Congress

قبل مائة سنة من الآن، نشرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وثائقاً ساهمت في تذكية نار ما عرف باسم ”الخوف الأحمر“ —وهو حملات استعملتها الحكومة في تخويف شعوبها من اجتياح التيارات السياسية المتطرفة اليمينية واليسارية وكذا الاشتراكية— وساعدت على تبرير الغزو الأمريكي لروسيا، كما سممت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا لسنوات لاحقة.

بدأت الصحف والجرائد في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بنشر هذه الوثائق المزيفة في الخامس عشر من شهر سبتمبر سنة 1918، وما كانت تجهله الحكومة آنذاك هو أن الوثائق كانت مفبركة ومزورة، حيث كانت من إعداد بعض الجهات السياسية الروسية نفسها التي بقي انتماؤها الحزبي غامضا إلى يومنا هذا، لكن نواياها وتوجهاتها كانت واضحة جدا: كانت تلك الوثائق جزءا من حملة تضليل روسية واسعة —حملات التضليل كانت حملات شائعة خلال الحرب العالمية الأولى— من أجل تشويه سمعة البلاشفة الذين كانوا قد اعتلوا هرم السلطة مؤخرا في روسيا بعد قيادتهم لثورة ماركسية ناجحة في البلد.

كان نشر مثل هذه الوثائق مثالا على استعداد الحكومة الأمريكية على قبول معلومات زائفة لا لشيء إلا لكونها تطابق تصوراتها المسبقة، وتهدف إلى تحقيق أغراضها وتبرر بعض الأفعال التي كانت ترغب في حدوثها.

يتفق العديد من الباحثين الذي يجدون أنفسهم في تقاطع الطرق بين وسائل الإعلام والسياسة أن هذه الحادثة تظهر بشكل بارز أن قاعدة نفوذ وقوة حملات التضليل لا تتمركز في التكنولوجيا وحداثتها، التي يلومها الكثيرون على شيوع وكثرة المعلومات المضللة في أيامنا هذه، بل أن مركزها يتجلى في الضعف الذي تتسم به الطبيعة البشرية.

(فلاديمير لينين) و(ليون تروتسكي) القائدان الثوريان البلشفيان.
(فلاديمير لينين) و(ليون تروتسكي) القائدان الثوريان البلشفيان.

قادت رغبة الولايات المتحدة في تأكيد أفكارها المسبقة حول طبيعة البلاشفة في روسيا بقادتها إلى تجاهل المصداقية والتحذيرات المستمرة التي أبداها الخبراء من اشتباههم في كون الوثائق مزيفة ومفبركة، بل ذهبت أبعد من ذلك في نشرها، ومهاجمة كل من ينفي مصداقيتها باتهامات عديدة منها أنه غير وطني وعميل خارجي، واستعملت في ذلك نفوذها الحكومي.

وثائق (سيسون):

بحلول سنة 1918، كانت نار الحرب العالمية الأولى تتقد على مدى أربعة سنوات كاملة، وكان الروس الذين حاربوا إلى جانب الولايات المتحدة وحلفائها ضد الألمانيين قد مروا بثورتين اثنتين في بلادهم: قامت الثورة الأولى بانتفاضة ناجحة في إسقاط النظام القيصري، والثورة الثانية التي قادها البلشفيان (فلاديمير لينين) و(ليون تروتسكي) أطاحت بالحكومة المؤقتة التي خلفت القياصرة.

بالرغم من الفوضى السائدة؛ كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في حاجة ماسة إلى مواصلة الروس القتال إلى جانبهم، غير أن نوايا البلاشفة كانت تتجلى في سحب الجيش الروسي من تلك الحرب التي أثقلت كاهله، وكانوا قد وعدوا الشعب قبل اعتلائهم السلطة ببدء محادثات السلام مع ألمانيا بمجرد نجاحهم في الوصول إلى سدة الحكم.

قامت آنذاك «لجنة الإعلام الشعبي» التي كانت بمثابة وزارة للحملات الإعلامية الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى بإرسال (إدغار سيسون)، وهو صحفي سابق كان يعشق نشر قصص الفضائح، إلى مدينة (بيتروغراد) -(سان بيترسبرغ) حاليا- في شهر نوفمبر سنة 1917، وهذا قبل استحواذ البلاشفة على السلطة هناك، وكان مطلوبا منه استعمال وسائل الإعلان والإعلام التي تضمنت المؤتمرات الصحفية، والأفلام والخطابات، من أجل حث المواطنين الروس على البقاء في الحرب.

بحلول الوقت الذي وصل فيه، كان البلاشفة قد اعتلوا سدة الحكم مسبقاً، وبعد شهر من ذلك، بدأوا في تنفيذ وعدهم ودخلوا في مفاوضات سلام مع ألمانيا.

الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسن)
أراد الرئيس الأمريكي آنذاك (وودرو ويلسن) بناء قضية محكمة التدابير ضد البلشفيين.

تسببت محادثات السلام بين البلاشفة والألمان في انتشار شائعات مثل النار في الهشيم مفادها أن قادتهم (لينين) و(تروتسكي) كانوا عملاء ألمان، وكانت الحكومة المؤقتة الروسية قبل انتفاض البلاشفة ضدها قد حاولت استغلال هذه النقطة بالذات وهذه الشائعات في سبيل تشويه سمعتهم وتعجيل سقوطهم، غير أن تلك الشائعات لم تثبت صحتها على الإطلاق…

غير أن كل هذا اتخذ منحى آخر تماما في شهر فبراير من سنة 1918:

قام (رايموند روبينز) رئيس لجنة الصليب الأحمر الأمريكي في روسيا بإعطاء وثائق سرية لصالح الصحفي (سيسون)، والتي تضمنت أن الألمان كانوا يمولون ويوجهون الثورة البلشفية. اعتبر (سيسون) تلك الوثائق ذات مصداقية على الرغم من تشكيك (روبينز) في أمرها، وشجع الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسن) ووزارة الداخلية الأمريكية الصحفي (سيسون) بأن يقوم بجمع كل ما يستطيعه من أدلة تثبت أن (لينين) ورفقاءه كانوا عبارة عن عملاء ألمانيين، مما قد يدعم سياسات الدولة المضادة للبلاشفة.

القوات الأمريكية وهي تعبر نحو سيبيريا
القوات الأمريكية وهي تعبر نحو سيبيريا

بحلول الزمن الذي غادر فيه روسيا في مارس، نجح (سيسون) في جمع 68 وثيقة، ومعظم تلك المجهودات كانت بمساعدة من شخصية كانت تتحرك في الظلال، وهي (إيفجيني بيتروفيتش سيمينوف)، الذي كان عميل مخابرات سابق لدى الحكومة المؤقتة، والذي أخبر (سيسون) بأنه أخذ تلك الوثائق من مقرات رسمية للبلاشفة.

وثائق شكلت مادة دسمة للجرائد والصحف في الولايات المتحدة

استقطبت التغطية الإعلامية لقصة (سيسون) تفاعلا واهتماما شعبيا كبيراً، وتصدرت عناوين معظم تلك القصص الصفحات الأولى لمعظم الجرائد واليوميات، وتم نشرها على أجزاء خلال أسبوع كامل. لقد قبلت بشكل مسبق كل تلك الصحف نظرة الحكومة تجاه البلاشفة وحول خيانتهم المزعومة.

كان توقيت الحكومة في نشر تلك القصص المغلوطة إستراتيجياً من الناحية السياسية، حيث كان الرئيس (ويلسن) آنذاك قد وافق لتوه على تدخل عسكري للحلفاء في روسيا بهدف حماية مخازن كبيرة من المعدات الحربية التي تعود للحلفاء وضمان عبور آمن للقوات المعادية لألمانيا [باعتبار أن روسيا تحت قيادة البلاشفة قد بدأت موالاتها للألمان ومنه اعتبرت قوات الحلفاء في أراضيها معادية لألمانيا صديقتها الجديدة] خلال سيبيريا نحو الجبهات الشرقية للحرب.

خلال شهري أغسطس وسبتمبر، كانت القوات الأمريكية تنزل في روسيا، وقد مثلت هذه الخطوة تهديدا في نظر البلاشفة وحكومتهم، كما مثلت خرقاً صارخاً لوعد (ويلسن) في السماح لهم بحرية تقرير المصير، لكن تلك الوثائق المزيفة أعطت نوعا من المصداقية على ذلك التدخل العسكري بحجة أن القادة البلاشفة لم يكونوا ممثلين حقيقيين للشعب الروسي.

الصحفيون المطاوعون:

مثلت تلك الوثائق مشكلة كانت تظهر بشكل دائم تقريبا في تقارير الأمن القومي، فقد كان الصحفيون غالبا ما يعتمدون بشكل وحيد على ما تقوله الحكومة ويعتبرون كلامها دامغا، ومنه كانت تحقيقاتهم فيما تصرح به وتقوله تؤول إلى العدم ولم يكونوا يحاولون التأكد من مصداقية تلك القصص.

عندما يكون السواد الأعظم من الشعب مستعدا ذهنيا لتقبل القصص التي تمده بها حكومته لا لشيء إلا لكونها تتطابق مع أفكاره المسبقة، فإن الحكومة هنا تكون في موقع يخولها من دحض كل الشكوك التي قد تعترض سبيلها بسهولة تامة من خلال نعت المشككين بالمعادين للأمة الأمريكية، والطعن في وطنيتهم وحبهم لوطنهم.

أصدر الصحفي اليساري (جون ريد) لدى صحفية (ذا ليبيرايتور) كتيّباً أورد فيه تحليلا منطقيا لتلك الوثائق أظهر من خلاله أنها على الأرجح مفبركة وقال بأنها قامت بتبرير التدخل الأمريكي في روسيا زوراً، وفي ذلك الصدد رأى (جورج كريل) رئيس لجنة الإعلام الشعبي آنذاك سبيلا واحدا لمعالجة القضية وهو من خلال تشويه سمعة (ريد) من خلال وصفه بأنه: ”مركز الحركة البلشفية في البلد“.

بل ذهب أبعد من ذلك بأن استغل سلطته الحكومية كرئيس للجنة الإعلام بقبوله لمصداقية وجواز تلك الوثائق دون منازعة. في رسائل عثر عليها لاحقاً في «الأرشيف الوطني» الأمريكي، قال (كريل) أن صحيفة (نيويورك إيفنين بوست) New York Evening Post: ”قامت بمساعدة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية“، وكان قد عبر عن تفاجئه لعدم تقبل الجريدة الآنفة لدلائل قدمتها الحكومة على أنها تثبت مصداقية الوثائق الآنفة، كما أخبر مالك الصحفية أن رئيس المحررين لديه كان يتصرف وكأنه ممثل ومحامي دفاع عن (لينين) و(تروتسكي)، كما قال بأن الصحفية بصفة عامة اتخذت سلوكا جعله يشك في أنها هي الأخرى قد تلقت تمويلاً ألمانياً.

الصحفي (إدغار سيسون)
الصحفي (إدغار سيسون)

كما كان (كريل) قد امتعض بشدة من مطالب ناشدت بها الصحيفة الآنفة بأن: ”تقف الحكومة كلها على منصة الشهود“.

بالإمكان إيعاز القبول الواسع دون تمحيص لهذه الوثائق المفبركة من طرف وسائل الإعلام إلى فعالية الحملات الدعائية الواسعة خلال زمن الحرب التي قامت بها لجنة الإعلام الشعبي الأمريكية، وكان واحد من الرسائل الرئيسة التي بعثت بها هذه اللجنة هو الانتشار المزعوم للجواسيس الألمان والخونة في الولايات المتحدة الأمريكية والخارج.

لقد كان عبارة عن خطوة سهلة خاصة عندما تدعمها الحكومة، من أجل حمل الرأي العام على تقبل فكرة كون البلاشفة عبارة عن عملاء جندهم الألمان لصالحهم، ومثل ما أوردته مجلة (ليتيراري دايجيست)، فقد وجد المحررون الصحفيون [في جميع الصحف التي تقبلت الخبر دون تشكيك]: ”رضاً واسعاً في إضفاء نوع من الدليل القانوني على ما هم متأكدون منه أخلاقيا، وعندما تقدم الحكومة ضمانا على مصداقية الوثائق التي تثبت أن (لينين) و(تروتسكي) كانا عميلين ألمانيين، فإن ذلك يمنحهم كذلك الفرصة في التحدث والإدلاء بآرائهم دون تردد أو تحفظ“.

كان مجلس الشيوخ الأمريكي (الكونغرس) أيضا مستعدا لتقبل وجهة النظر هذه، حيث استعانت الأغلبية الديمقراطية بلجنة فرعية خاصة من أجل دراسة العلاقات التي جمعت البلاشفة بالألمان، وعثرت على شهود أدلوا بشهاداتهم التي أفادت أن الحركة البلشفية كانت فرعا من فروع الحكومة الألمانية.

تحقيق المصداقية هو القوة الفعلية:

استنتج (جورج كينان) والعديد من زملائه من المؤرخين أن وثائق (سيسون) كانت ”مفبركة بشكل لا يمكن الطعن فيه“، لكن هذا لا يعني في نفس الوقت أنها كانت خالية من كل حقيقة. تماما مثلما هو الحال مع كل حملة تضليل فعالة، فإن قوة تلك الوثائق ونفوذها يكمنان في معقوليتها ومصداقيتها وتقبلها من طرف الناس.

لقد قام مؤلفوا هذه الوثائق المفبركة بتحسينها من خلال منحها بعض الوقائع الحقيقية، ذلك أنه اتضح لاحقا أن الألمان قاموا فعلا بمساعدة البلاشفة من خلال دعمهم بملايين الدوتشماركات خلال الحرب التي قاموا بتهريبها لهم بشتى الوسائل.

غير أن البلشفيين آنذاك كانوا على استعداد لتقبل المال والدعم المادي من أي جهة كانت مهما كان توجهها، وما كان مهما أكثر هو أن البلاشفة كانوا يخططون لافتعال ثورة شيوعية في ألمانيا متى أتيحت لهم الفرصة في ذلك.

أما بالنسبة لأولئك الذين ينشرون المعلومات المضللة، فإن الأمر لا يتعلق في كونهم خُدعوا نحو تصديق المعلومات التي قاموا بنشرها، فقد ثبت أن (كريل) و(سيسون) والعديد من الآخرين ممن كانوا في مركز تلك الأحداث قد تجاهلوا بشكل متهور جميع الدلائل التي تشير بأن الوثائق كانت مزورة، غير أن ما منعهم من رؤية كل تلك العلامات هو رغبتهم هم أنفسهم في تصديقها، وتصديق المؤامرة التي كانت تحاك في أظهرهم، ومنه فعلوا ذلك بالضبط.

اليوم يطلق على هذا النوع من التصديق المسبق على كل ما يطابق أفكارنا السابقة ب«التحيز».

استعانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في سبيلها نحو شن حرب ضد العراق في سنة 2003 نفس عنصر «التحيز» هذا وحذت حذو وثائق (سيسون) ورفقائه آنذاك، ومن أجل إعداد قضية كاملة تبرر غزوها للعراق، اعتمدت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك (جورج بوش الإبن) على أحمدي شلبي، وهو سياسي عراقي كان يعيش في المنفى، ورفاقه العراقيين الذين كانوا يريدون رؤية صدام يسقط.

استعان شلبي بدوره بعدد لا بأس به من المنشقين العراقيين عن نظام صدام من أجل توفير قصص مغرية وغير صحيحة بالضرورة عن ارتباطات صدام مع الإرهابيين ومخزونه الكبير من أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى تضليل الشعب نحو تصديق مبررات الغزو فإن الحملة دعمت ما أصبحت الحكومة متيقنة منه بشكل أكبر وهو أنها كانت قادرة على القيام بكل ما ترغب في القيام به دون مساءلة.

جاري التحميل…

0