أقصوصة

مذكرة من عالم الأموات

مذكرة من عالم الأموات

أنا ميت، أعرف هذا يقينا، لكن لا أعرف من أين أتاني هذا اليقين أو كيف تجلت ببداهة هكذا! أن تعرف أنك ميت فهي حقيقة قاسية إلا أنها مريحة في آن، وذلك لأني على ما يبدو قد انتهيت أخيرا من المعاناة.

لا أحمل أي ذكريات، لأن الذكرى في جوهرها تخضع للزمن، وبالتالي لا أتذكر متى كنت هنا أو ما المفترض أن أفعله لاحقا. على سبيل المجاز فقط، أنا وعي حاضر متيقن من وجوده حرا عن أي قيد أو جسد. تحررت! هذا ما أعرفه، هذا هو الموت.

إذًا، ما الذي يجعلك أيها القاريء تعرف أنني أحدثك، أو بالأحرى لمَ هناك تواصل بيننا الآن؟ بما أنني ميت وأنت حي لا يمكن أن يحدث مثل هذا الأمر؟ على الأرجح أنا مجرد خاطرة لها أبعاد منطقية سقطت كالقذيفة على عقلك ثم سمحت لوعيك بتشكيل تصور مدرج عني أدى فيما بعد إلى وصفي بالكلمات وفق منهجية الدال والمدلول. ربما بدا الأمر غريبا، لكن لمَ لا تتعامل مع الأمر كمسلمة بديهية مثلما أتعامل من موتي ببداهة.

ما اسمي؟ أعتقد أنني أخبرتك بعدم وجود أي ذكرى لي في عالم الأحياء، فلو كنت أحمل أي اسم فيما مضى عندما لم أكن ميتا أو حتى على شاهد قبري فأنا -للأسف- لا أتذكر، ولا أستطيع المجازفة باختلاق اسم من العدم، هذا دون أنني لا أتذكر قائمة الأسماء في عالم الأحياء. وبما أن الاسم يُمنح للشخص كماهية لوجوده بين الأحياء فهذا سيجعلني حقا ماهية بالنسبة لكم، وبالتالي شخص حي. أكتفي بالوجود فقط كوعي، وإن كنتَ مصرا على مناداتي باسم ما حتى لا تصاب بالذعر لأنك تتخاطر مع ”ميت“ فحري بك أن تخترع اسما ما لي، إلا أنني أجزم أنه لن يكون بمقدوري الاحتفاظ به لأنني لن أتذكره مطلقا، لذا احتفظ به في ذاكرتك فقط.

على الأرجح أنك تتساءل عن كيفية التواصل الذي يتم عبر تشكيل الكلمات في سياقات منهجية تسمح بتكوين جمل وعبارات مفهومة بالنسبة لك ولكن في المقابل لا أستطيع تذكر الأسماء؟ في الواقع أن أتخاطر معك وفق سياقات رياضية رمزية يترجمها إدراكك الحسي في عالم الأحياء كامتدادات صورية ولغوية متنفسة، يشبه الأمر البرمجة الحاسوبية بالنسبة لكم، فعندما أنعت شجرة ما فأنا أعرف الشجرة في ذاتها بوجودها الخالص، أعرف أنواعها وأشكالها انطلاقا من مبدأها الرياضي، لكنني لا أستطيع التعامل مع الماهيات التي تصف المنعوت انطلاقا من التداول البيني، وبالتالي لن أعرف إن كان هذا الشخص كريما معي أو بخيلا، أو إن كانت عصارة البرتقال حامضة أو حلوة، أو إذا كان سيحل الليل أو النهار.

أين أعيش؟ ربما هذا أسخف سؤال سمعته لوهلة، فأنا لا مكان لي على الإطلاق، وبالتالي أستطيع أن أتواجد في خاطرك أنت وفي نفس الآن أستطيع أن أتواجد في خاطر أحد ما، أو ثلاثة خواطر أو عشرين في الوقت عينه. لاحظ أنني أتلاعب بمفهوم الزمن (وهلة، الآن، الوقت عينه) حتى تستوعب الفكرة لأن عقلك لا زال قاصرا لم يتحرر بعد. بمعنى آخر، الزمكان لا يشكل أي أبعاد للموتى.

هناك نقطة يجب أن أوضحها؛ لمَ لا يتذكر أغلبكم أيها الأحياء هذا التخاطر الذي يتم على مستوى عال من التسامي؟ الجواب هو أنكم منغمسون في عالم الحس لدرجة تنسون على إثرها كيانكم، وبما أن هذا التواصل يتسامى عن الأبعاد فإن الذاكرة لا تستطيع السيطرة على هذا الدفق الهائل من المعلومات، لأنه تواصل آني. يحدث هذا التخاطر عند الرهبان والمتأملين، وبالتالي ينبثق عنه كشظايا جانبية أسئلة وجودية.

إن هذا النص هو محاولة يائسة لجمع هذه الشظايا لكن الأحجية تستمر لأن هناك قطع مفقودة. ل

ا أعرف إن كنت ميتا أو عدت للحياة مجددا أو بالأحرى كان حلما أو ربما هي نتيجة تأمل طويل؛ هل تذكرت بعد ذلك أنني كنت ميتا رغم انعدام الزمن في لحظة الموت؟ هل تذكرت تخاطرا نتج عن وعي بدون ماهية أو هي غيبوبة أو افتراض أنه موت حقيقي؟ وإن داهمني الموت حقا فمع مَن تواصلت مع الأحياء؛ هل يعيش في الحاضر أو هو إنسان كان يعيش قديما أو ربما سيعيش في المستقبل؟ وإن كنت كذلك وتخاطرت مع وعي كان أو سيكون (غير كائن) فحري به أن يكون ميتا، وبالتالي أكون أنا الحي وهو الميت الذي سقط خاطره على عقلي؟

جلست أمعِّن النظر في كل هذا، ثم بذرت فكرة أن أدون هذه الصحوة قبل أن تلج طي النسيان. وبينما أنا أكتب لاحظت أن بعض الأفكار تتسرب من عقلي كالماء إذ يقطر من إسفنج، أسرعت الوقع بالكلمات أقيدها لكن عالم الحس بات يضغط على قطعة الإسفنج إياه فينز عنه كل الماء، إلا أنني نجحت في حصر شذر إيحاءات، ثم ربطت بينها على أساس الدال والمدلول وكونت بذلك إيقاعا متماسكا بعض الشيء، وإن كانت هناك ثغرات فاضحة.

تنفست الصعداء ثم طويت الورقة ودسستها في ظرف، فتحت درج مكتبي، وضعت الظرف في قاعدته ثم وضعت فوقه كتابين وأغلقت الدرج بالمفتاح.

فيما بعد ضاع المفتاح فلم أحاول قط فتحه بعد ذلك، لأنني أنسى أن أجلب صانع المفاتيح، بل نسيت لمَ عليَّ فتح الدرج أصلا.

عدد القراءات: 1٬519