اجتماعيات

طريق الموت: محاولتي الفاشلة لدخول تركيا

في هذا اليوم المظلم، يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، غادرت مدينتي حلب مع عمي الساعة الخامسة صباحا باتجاه ريف إدلب (ضيعة دركوش بالتحديد) من كراج المهندسين لعبور تركيا، والسبب أنّه لديّ مقابلة مع السفارة الفرنسية لاستلام الفيزا والإقامة، كوني قد ولدت في فرنسا واعتَبر من رعايا الحكومة الفرنسية، وقد كان موعدي بعد أسبوع بالتحديد.

قلعة حلب

قلعة حلب

ركبنا بباص حلب – سلقين (لعدم وجود باصات متجهة إلى دركوش)، واتجهنا من طريق الكاستيلو إلى ريف عفرين (الغزاوية) ثم دارة عزة، كنت أتوقع من البداية أن يتم التحقيق معي من قبل النظام بسبب الوجهة القادم إليها، نظراً لأنني ذاهب إلى المناطق التي تعرف بـ”المناطق المحررة“، إلا أن الأمر اقتصر على ”تفييش“ الهويات والتأكد من صلاحية تأجيل خدمة العلم، كوني طالباً في جامعة حلب؛ ففي أغلب الأوقات من كانت أموره قانونية وغير مطلوب أمنياً فلا داعي للخوف من حواجز النظام بشكل عام، إلا أن هذا لا ينفي وجود حواجز تعسفية تسرق بالعلن من أهل بعض المحافظات.

عبرنا آخر حاجز للنظام، ودخلنا أول حاجز لقوات ما تعرف بالـPKK (القوات الكردية)، طبعاً عفرين وريفها تعتبر دولة مستقلة بكل ما تعنيهِ الكلمة، فأعلامها وقواتها خاصة بها، حتى أنه لديهم فيش أمني خاص بهم، وأرغمونا على دفع وصل لكل شخص 700 ليرة سورية (دخولية) مقابل الدخول.

آنذاك؛ أوقفوا جميع الباصات المتوجهة إلى دارة عزة بحجة ما يسمى بـ”الترفيق“ (وهو خروج بعض قوات الـPKK لترافق كل 20 باص فقط من بين المئات إلى الغزاوية لكيلا يتجرأ أيّ باص للدخول خلسة إلى مدينة عفرين). كان يوماً مزدحماً، وتوقفنا ننتظر قوات الترفيق لكي يأتي دورنا ونحن محاطون بهم، وأي باص يسير يعاقب.

وصلنا عفرين الساعة 11 صباحاً وانتظرنا حتى الساعة 4 مساءً حتى سار الباص بنا، وفي الساعة الـ6 مساءً وصلنا إلى أول حاجز (مدخل دارة عزة أعتقد)، وعندئذٍ بدأ التحقيق على حسب الهوية؛ فأنا من سكان حلب وطلب مني العنصر (من عناصر جبهة النصرة) تأجيلي وقال (إذا بترجعوا لمناطق النظام رح نشقلكن دفتر العسكرية).

دخلنا دارة عزة، وهنا طلب منا السائق أنَ ننزل إلى باص صديقه (موجهاً كلامه للشباب منا فقط) لكي يأخذ طريق آخر، كي لا يسلك مسار حواجز جبهة النصرة التي تمزق دفاتر الخدمة العسكرية؛ كنا 8 شبان والكل ذاهب إلى تركيا. ركبنا في باص صغير (سرفيس) وتركت حقيبتي بنفس الباص الذي انطلقنا منه مع عمي، وكان معنا بالسرفيس أم وابنتها وحفيدتها وامرأة أخرى، انطلق بنا السائق إلى أتارب وبضع قرى مجاورة (لا أعلم بالضبط لأني لا أعرف تلك المناطق جيداً).

الامرأة الوحيدة كانت ذاهبة إلى مدينة إدلب، فطلب منا السائق عدم إظهار دفاتر العسكرية (لأنهم أحياناً يطلبونها وأحياناً لا)، عند مدخل إدلب طَلب منا عناصر الحاجز الهويات واكتفوا بهم ولم يسألونا عن دفاتر خدمة العلم، ثم قام السائق بتوصيل تلك المرأة وكانت الساعة الـ8 مساءً عند الخروج من مدينة إدلب، حيث كان مسؤول الحاجز موجوداً وطلب تفتيش الباص، وتفاجأنا جميعاً أنهم وجدوا عبوة مشروب طاقة.

بدأوا بالهجوم علينا وحجزِنا عند المفرزة، وقالو أن هذا المشروب هو مشروب كحولي، وتم التحقيقُ معنا وكأننا شبيحة للنظام أو مطلوبين، وما كان منا إلا أن ننكر مِلكنا لهذا المشروب. وقال لي أحد الشبان أنَ الأم التي معها ابنتها وحفيدتها هي من وضعت هذا المشروب عند مقاعدنا.

في البداية لم نخبر عناصر الحاجز بهذا الأمر، لكن عندما تم تحويلنا إلى المحكمة الشرعية في إدلب؛ عاملونا بالمحكمة كأننا شبيحة ومخبرين للنظام وهددونا بالسجن والمحاكمة ودورة شرعية لمدة 6 أشهر كأننا كفار ولسنا مسلمين سنة (أعتذر عن هذا الأسلوب ولكن لتوضيح معاملتهم لنا). هنا قام هذا الشاب بالاعتراف، وقال له حقيقة من يملك هذا المشروب، وهنا حجزوا الأم وتركوا ابنتها وحفيدتها وأطلقوا سراحنا بعد احتجازنا لمدة ساعتين، وقمنا بعتاب السائق لما حصل لنا.

سار السرفيس لتوصيل الفتاة وابنتها لمكان سكنهما في كفر تخاريم، وعند المدخل أمر الحاجز الذي يتزعمه ما يسمى بالجبهة الإسلامية (فيلق الشام – جند الأقصى) بتوصيل الفتاة وابنتها واحتفظ بهوياتنا معه، وعند المغادرة قام الحاجز بتفتيشنا واحد تلو الآخر ووجد معنا دفاتر العسكرية والهواتف المحمولة، واستدعى دون جِدال دورية تابعة لهم، وتم تحويلنا للمحكمة الشرعية التابعة لهم للتحقيق كوننا جميعا من سكان مدينة حلب.

هنا وضعونا في غرفة وتم استدعاء كل منا على حدة، فكل شخص يتم استدعائه لا يعود، وعندما تم استدعائي تم اغلاق عينيّ وتم ضربي وإهانتي ووضعت في غرفة بها 7 أو 8 عناصر على ما اعتقد، حيث أنني لم أرهم كون عينيّ مغلقتين. تم التحدث معي باللهجة الساحلية من قبل أحدهم، وقال لي أنني في كفريا والفوعة (قريتان في أدلب تحت سيطرة النظام ومحاصرتان منذ سنوات) وأنني محتجز عند مفرزة للأمن العسكري التابع للنظام، وقال لي تريد أن تذهب لتركيا لكيلا تحارب الإرهابيين؟ وبدأ بتشغيل أغاني لطميات وحسينيات شيعية للإيحاء بكوني حقاً في كفريا والفوعة.

هنا قلت له أنني بكامل وعيي وأصررت على كوني في كفر تخاريم، وكلما تلاعب بأعصابي زاد إصراري بأنني في كفر تخاريم ولست في كفريا والفوعة، وكلما تكلمت أكثر تعرضت للضرب أكثر؛ إلى أن كشف المحقق عن هويته وبدأ يسألني أسئلة دينية وعن القرآن، وعندما جاوبته سألني لماذا ذاهب إلى تركيا؟ نحن نُقتل هنا لمحاربة النظام وأنتم تهربون إلى تركيا!؟ طبعا هنا توترت ولم أستطع الإجابة خصوصاً مع استمرارهم بضربي وإهانتي.

قال المحقق لأحد العناصر أن يقوم بإعدامي، وقام بتلقيم السلاح بجانب رأسي وهنا أحسست أنني بحلم لا أصدق ما يجري حولي؛ لكن الحلم قطع عندما بدأوا يضحكون وقاموا بإخراجي ووضعي في زنزانة ومعي أحد الشبان الذين تم التحقيق معهم قبلي، وكان عمره 15 عاما ومنهاراً بالبكاء، وبعد ساعة تم إخراجنا بعد أن تم تفييشنا وتم توديعنا بالشتم والضرب تمام كما تم استقبالنا.

بعدها أخذنا السائق إلى سلقين ووصلنا الساعة 12 صباحاً من اليوم التالي، حيث التقيت مع عمي وكان معه حقيبتي، وذهبنا إلى أحد الجوامع بالقرب من ساحة وقوف الباصات وجلسنا عند الباب ننتظر صلاة الصبح وطلوع الشمس للتوجه إلى دركوش، حيث كانت ليلة مظلمة باردة جداً.

يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

دركوش إدلب

بلدة دركوش، إدلب

الساعة 6 صباحاً، توجهنا إلى (دركوش) ووصلنا الساعة الـ7 والنصف، هنا استقبلني أحد أصدقاء أولاد عمي، ونمت من شدة تعبي. وعند الساعة الـ2 مساءً قال لي جهز نفسك، ولدى مقابلة المهرب طلب مبلغ 700 دولار أمريكي من كل شخص! ولما سألته عن سبب هذا الغلاء، قال أن طريقه مأمن 100% وعلى كفالتهِ.

الساعة الـ4 مساءً، قمت بشراء خط تركي وركبت سرفيس متوجهاً إلى نقطة التهريب الحدودية، وكان معي عدة عائلات أكثرهم من النساء والأطفال، وكنا حوالي 15 شخصاً ومعنا اثنان من الكشافة (دليل الطريق)؛ مشينا حوالي الـ5 ساعات مرّت وكأنها 5 أعوام بين الجبال والوديان والمطر ينهال علينا والبرد يفتت عظامنا والطين غيّر أشكالنا، فكلما نسير بضع أمتار يقولون لنا الكشافة ها قد وصلنا اصبروا!

سقطت في الوادي الممتلئ بالمياه وتبللت بالكامل وفقدت حقيبتي واحتفظت بملف يحوي على أوراقي من مقابلة السفارة وجواز سفر وغيرها، ولحسن الحظ أنّ هذا الملف ومعه هاتفي كانا مغلفين جيداً بغطاء شفاف يمنع من دخول الماء. وصلنا إلى الزفت ولم تأتي السيارة التي وعدنا بها المهرب وتم الاتصال به، حيث قال لنا أن السيارة لن تأتي بحجة اعتقال سائقها.

عند الساعة الـ11 مساءً، توجه بنا الكشافة إلى ضيعة حدودية، وبقينا بغابة ننتظر فرج الله علينا بينما كان الكشافة يكلمون المهرب لإرسال سيارة أخرى تأخذنا لأننا نموت من البرد. ولكن محاولاتهم كانت غير مجدية مع كون الحجة بأن الأمن التركي مشدد في المنطقة.

يوم 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

الجندرمة التركية

الجندرمة التركية

الساعة 12 صباحاً، سمِع أحد سكان القرية التركية الحدودية أصواتنا، وتوجه إلينا ومعه ضوء وكان عمره حوالي الـ70 عاماً ويتكلم العربية قليلاً، فقمنا بترجّيهِ ألا يخبِّر الأمن التركي بوجودنا، ووعدنا ذلك العجوز بأن لا يكلم أحدا وأنّه سوف يبعث أحدا من أصدقائه ليخرجنا من المنطقة.

جاء بعد نصف ساعة التركي المدعو (أبوعلي) على دراجةٍ نارية وقام بحساب عددنا، وقال أنه سيأتي إلينا بسيارة لتنقلنا؛ وبعد عشر دقائق أتى بسيارة نوع بيك آب فورد مخصصة لنقل الحيوانات (البقر والغنم)، حيث صعدنا بسرعة وكان بالسيارة بقايا من الزبل والعلف، وسار بنا بأقصى سرعة والهواء البارد جعلنا متجمدين لأننا مبللون أصلاً بالمطر والطين.

قام بإيصالنا إلى مزرعته ووضعنا في اسطبل مع الحيوانات وقال أنه يريد من كل شخص 150 دولار أمريكي لكي يوصله إلى المدينة التي يريدها، وما أن بدأنا بنقاشه عن سبب هذه الـ150 دولار حتى قام بتهديدنا بتسليمنا إلى الجندرمة التركي (حرس الحدود) أو لتجار الأعضاء، ورفع سلاحه علينا وقال لنا بالحرف الواحد: ”أنتو بشار كتير عليكن كيف متحملكن؟ مين بدو يخلصكن مني؟ ما حدا سائل فيكن“، وما كان منا إلا أن اعطيناه 150 دولار أمريكي عن كل شخص.

لسوء حظي أنّ جميع الموجودين ذاهبون إلى الريحانية إلا أنا ذاهب إلى أنطاكيا، فأخذ الجميع ولم أستطع أن أذهب للريحانية لأنه لا يوجد لي أحد فيها، ولم يرضى أيَ شخص من مجموعتنا استقبالي. بالنتيجة بقيت في الإسطبل وحيداً لمدة 3 ساعات، وكلما افتح باب الإسطبل لأسأله عني ومتى سيوصلني إلى أنطاكيا؛ يرد علي بأبشع الإهانات والمسبات ويتهجم علي ويصرخ! وكل ساعة تقريباً يأتي بمجموعات من الأشخاص السوريين والعراقيين ويضعهم في الاسطبل.

عند الساعة الـ4 صباحاً، أخرجني المهرب التركي المدعو (أبو علي) ووضعني في الإسطبل المجاور وكان فيه عراقيون يشربون الحشيش والمخدرات، فقد خفت كوني وحيداً ولم أستطع النوم وأنا أراقبهم، عندئذٍ اتصلت بعمتي كوني اشتريت خطاً تركياً، وقالت لي أنها سترسل لي أحد معارفها وهو تركي الجنسية ويدعى (أبو النور) ليأخذني.

أرسلت لي رقمه وتكلمت معه وأرسلت له موقعي من خلال GPS، فقال لي ”سأكون عندك الساعة الـ7 صباحاً“ أي بعد ساعتين؛ جاء أبو النور لهذه الضيعة التي لم أحفظ اسمها فتكلم مع أخ المهرب التركي أبو علي لكن لم يقبل بإخراجي إلا بعد أن يأتي أخوه، فانتظرناهُ حتى الساعة الـ10 صباحاً، وعندما رآني ومعي أبو النور هجم علي وعلى أبو النور، وتم حبسنا في نفس الاسطبل وهدد بتسليمي للجندرمة.

هنا بدأ أبو النور يجادله ويناقشه ولكن باللغة التركية، حيث ما فهمته هو أنه قال له خذ الـ150 دولار ولا نريد شيئا سوى أن تطلق سراحنا، وبعد نقاش حاد أطلق سراحنا بعدما ما أخذ المبلغ منا.

بعد ساعتين من وقتها، الساعة الـ12 مساءً، أطلق سراحنا وتوجهت أنا وأبو النور إلى طريق أنطاكيا، وأعطاني كميليك تركي (هوية) وقال إن أوقفك حاجز أبرز له هذه الهوية، وبعد أقل من 10 دقائق من انطلاقنا أوقفنا حاجز طيار للجيش التركي، مؤلف من عنصرين فقط وطلبوا الهويات أعطيته الكميليك وكانت باسم محمد حاج، فقلت له الاسم وقام العسكري بالنظر والتدقيق وقال الصورة غير مشابهة لصورتك، ومواليد الهوية غير مطابقة لعمرك لان صاحب الهوية مواليده 2000، بينما أنا من مواليد أول التسعينات.

قام بحجزنا وأعلم جنود الجيش التركي الذين أتوا وقيدونا بـ”كلبشة“ بلاستيكية مؤلمة جداً، وانهالوا علينا بالضرب المبرح مع إهانات، وتم تحويلنا لثكنة الجيش وهنا بدأ العساكر بضربنا وإهانتنا، حتى أنني كنت أبكي من شدة الضرب وألم تلك الكلبشة البلاستيكية، وبقينا لمدة ثلاث ساعات حتى جاءت دورية الجندرمة وحولونا إلى المخفر، وأحضروا المترجم وبدأوا بالتحقيق معي، من أين لك هذه الكاميليك؟ وكيف عبرت؟ ومن هو المهرب؟ والكثير من الأسئلة الأخرى.

بعد انتهاء التحقيق قاموا بتفتيش ما تبقى من أغراضي، فوجدوا بعض الأشياء الشخصية مثل كروت ذاكرة ووحدات الذاكرة الومضية (Flash Drives) والتي كانت تحوي أبحاث دراستي وبعض الأدوية لجدتي، فجن جننوهم علي واتهموني بأنني إرهابي كوني مولود في فرنسا وأنني هارب من داعش من الرقة كما اتهموني بالتزوير بسبب الكاميليك، وبالتهريب بسبب بعض الدواء الطبي قانوني التركيب.

قلت لهم أنني أريد التواصل مع السفارة الفرنسية، وأن لدي موعد ويمكنهم التحقق من هويتي، فلم يردوا علي ولم يعيروا لذلك أيّ اهتمام؛ وفي الساعة الـ5 مساءً، تم تحويلي إلى سجن مدينة أنتنوز بتلك التهم التي ذكرتها سابقاً، وتم التحقيق معي بالسجن وتم ضربي واهانتي لدرجة إطفاء السجائر بكتفي، كما قاموا تعذيبي كل 3 ساعات بالعصي والضرب من قبل ضابط تركي، وبقيت في هذا السجن لمدة 5 أيام لم يقدموا لي إلا علبة حمص باليوم، والمياه التي كنت اشربها كانت مياه التواليت.

وفي السجن، تم تفتيشي بدقة وخلع كل ملابسي وأخذوا حزام البنطال ورباطة الحذاء، وصادرو أوراقي من جواز سفر ودفتر عسكري وهاتفي ومتعلقاتي الشخصية الأخرى.

يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

قاعة محكمة تركية

قاعة محكمة تركية

تم تحويلي لمحكمة مدينة أنتنوز وتم عرضي على قاضية سمراء نحيلة أمام مشاهدين ومحامي ومترجم، وبدأت المحكمة بتوجيه الأسئلة إلي: لماذا عبرت تركيا؟ وكيف قمت بذلك؟ قلت للقاضية أني على موعد مع السفارة الفرنسية وأريد الذهاب إلى عائلتي، فما كان منها إلا التجاهل، وقلت لها تم ضربي وإهانتي وتعذيبي من قبل الضباط الأتراك، لكن للأسف لم تحرك ساكناً ولم تقل شيئاً.

بعد انتهاء المحكمة تم تحويلي للسجن العسكري لمدة 3 أيام، وكان معي في الزنزانة شخصان أتراك وشخص سوري من إدلب بدأ يستفسر عن سبب وجودي هنا! قلت له باختصار: ”أنهم اتهموني بالإرهاب، ويقولون لي أنني من داعش“.

بعد ثلاثة أيام في السجن العسكري وفي يوم 2016\11\26 تم تحويلي إلى المخفر الحدودي بمنطقة قربياظ، ووضعوني في خيمة عرضها مترين وطولها ثلاثة أمتار، وكانت ممزقة وأرضيتها من الحصى دون وجود بطانيات، حيث كنا ننام على كثرتنا فوق بعضنا البعض؛ كانت أيام صعبة مليئة بالمعاناة والمرض وحتى القذارة لعدم وجود حمامات، وكل يوم نستيقظ صباحا على صوت العساكر لكي نقوم بتنظيف ساحة المخفر ونغسل السيارات ونقوم بنقل الخشب (التحطيب) مع معاملتنا بإذلال واستحقار.

كانوا عادة ما يمسكون بالسوريين والعراقيين وفي اليوم الأخر يرحلونهم قبل المساء؛ إلا أنا كانوا يقولون لي أن قرار ترحيلي لم يأتي من المحكمة بعد.

يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

سيارة الجندرمة التركية الزرقاء

سيارة الجندرمة الزرقاء

بعد ثلاثة أيام تم استدعائي من قبل ضابط تركي يتحدث العربية، وطلب مني التوقيع على أوراق كثيرة لم أفهم ما كتب فيها، كما تم تصويري وأخذ صورة عن هويتي السورية وجواز السفر وحتى دفتر الخدمة الإلزامية وشهادة السواقة، وتم وضعهم بملف بإسمي، وقال لي أنني ممنوع من دخول تركيا بشكل شرعي أو غير شرعي.

في الساعة الـ8 مساءً تم القرار بترحيلي إلى سوريا، وركبت سيارة الجندرمة الزرقاء وأنزلوني في معبر يسمى معبر (هتيا)، حيث أعطوني ما تبقى من أغراضي، وقال لي الضابط تقدم إلى الأمام لتصل إلى سوريا وكان يوما مظلما جداً! وعندما تفقدت اغراضي، لم أجد كروت الذاكرة وفلاشات أبحاثي أو حتى بطارية هاتفي! تابعت المسير إلى الأمام ولا أعرف أين ذاهب ومن سوف يستقبلني!

بعد ثلث ساعة من المسير، وصلت إلى المعبر الخاضع لقيادة جبهة النصرة، فقمت بتخبئة جوازي ودفتري العسكري بين أغراضي الأخرى، حيث أوقفوني وحققوا معي وقاموا بتفتيش أغراضي، ووجدوا دفتري العسكرية وبدأوا باتهامي بالكذب. وعلى الرغم من أن نتيجة تففيشي أظهرت أن ملفي نظيف تماماً لم يقتنعوا بذلك، وقاموا بحجزي حتى اليوم التالي لتحقق معي الإدارة الأمنية لجبهة النصرة.

يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2016

الحدود السورية اللبنانية

الحدود السورية اللبنانية

تم التحقيق معي وتم الإفراج عني لاحقاً، وقام مسؤول الأمني لمعبر (هتيا) المدعو ابو خالد بإعطائي رقمه لأتواصل معه ليدلني على مهرب من طرفه، وبعدها ذهبت إلى محل لقطع الموبايل واشتريت بطارية وتواصلت مع قريب أبناء عمومي وعدت إلى دركوش مجدداً.

بعدها اتفقت مع سائق من الجبهة ليعيدني إلى الغزاوية وأخذ مني 50 دولار؛ وعدت إلى حلب بعدما تم حبسي قرابة 11 يوماً من الإهانات والمذلة والشتم، كما أن المهرب رفض إعادة المال الذي تقاضاه مني مدعياً أنه ليس له علاقة.

بعدما عدت إلى مدينة حلب، سافرت إلى بيروت لأقابل السفارة، ومن الممكن لمن يقرأ هذا المقال أن يستفسر لماذا لم تذهب إلى لبنان لمقابلة السفارة الفرنسية منذ البداية؟ الجواب هو كوني غير عارف بقبولي من عدمه بالدراسات العليا، ففي حال عدم قبولي يتم طلبي للخدمة الإلزامية ولا أستطيع دخول لبنان، لكن لحسن الحظ تم قبولي وتمكنت من استكمال أوراق التأجيل والسفر إلى لبنان.

المقال عبارة عن سرد لتجربة شخصية، وكاتب المقال لا يريد الافصاح عن اسمه لأسباب أمنية.

عدد القراءات: 3٬956