اجتماعيات

مشكلة الإقتصاد الإسلامي

الاقتصاد الاسلامي

يعود النقاش حول ماهية الإقتصاد الإسلامي إلى حقبة الحرب الباردة، في النصف الثاني من القرن المنصرم، إذ انقسم العالم آن ذاك إلى معسكرين أحدهما شرقي تبنى النموذج الاشتراكي وثانيهما غربي تبني الليبرالية، حاول الاسلاميون حينها أن يكون الاقتصاد الاسلامي ثالثهما. إلا ان هذا النقاش توقف تماما بعد انهيار المنظومة الشرقية، ولم يعد الاسلاميون يتطرقون إليه إلا لماماً، فلم يكن بحثا أصيلا ولا جديا، بل لحظة عابرة لجس الذات المتدهورة.

وإنما نعيد فتح الملف من باب الإلمام بالأشياء من جهة؛ وللكشف عن شكل مهم من العلوم المزيفة من جهة أخرى، فقد كان نقاشا ساخنا يوما ما، ولا سيما في ثمانينيات القرن العشرين، حين انشغل الشرق أوسطيون بمشكلة تحديد الهوية بناء على التفارق والتناقض من الآخر غربيا كان أو شرقيا.

ومن الجدير ذكره أن أحد أهم شعارات الثورة الإسلامية الإيرانية كان (لا شرقية ولا غربية دولة إسلامية) في حين تلقف الإخوان المسلمون التجربة الإيرانية كنموذج محفز تحت شعارات مشابهة، إلى أن انتهت السياسية الانعزالية واعادة اجترار الذات إلى ما تراه..!

ما هو الاقتصاد

لمفهوم الاقتصاد دلالات كثيرة، إنما أعني بالمقال هو الاقتصاد السياسي على وجه التحديد، ويقوم مفهوم الإقتصاد السياسي على أن التحولات الاقتصادية هي الخلفية الواقعية لكل ما هو سياسي، بل التأثير المتبادل والجدل الدائم بين أشكال الإنتاج والنظم السياسية.

أما من ناحية الفرز النظري فينطلق من تحديد الموقف من عدة نقاط من أهمها على الإطلاق مفهومي الحرية الاقتصادية والملكية، وفيما لو امعنت النظر في المفهومين ستجد الترابط الكبير بينهما، ففيما ذهبت الاشتراكية إلى إلغاء الملكيات الخاصة لوسائل الانتاج (وليس جميع الملكيات)، بينما شددت الليبرالية على حق الملكيات الخاصة لوسائل الانتاج، وبالتالي جعلت الاشتراكية حق التصرف بيد الدولة على أنها ممثل للشعب، بينما فتحت الليبرالية حرية التملك والتجارة على أواصرها.

لذا ينبغي التمييز بين مفهوم الاقتصاد الذي يعالجه المقال هنا وبين فروع علم الاقتصاد الاخرى (البنوك، القوانين، الشركات، النظم المحاسبية …الخ) إذن فيما لو تخيلنا النموذج الاقتصادي على مخطط بياني يشمل الحريات الاقتصادية والملكية بالإضافة إلى المصالح الطبقية وتراكم رأس المال، سيكون لدينا على الشكل التالي:

ملاحظة مهمة: الشكل افتراضي؛ بمعنى فيما لو أخذنا كلا من النظامين الاقتصاديين إلي أقصى حد ممكن تصوره في التطرف النظري والعملي، في مجال تخيلي بين 1 حتى 6 وهذا الرقم افتراضي للتوضيح فقط.

 النموذج الاقتصادي على مخطط بياني

على اعتبار أن الليبرالية هي الشكل النظري للنظام الرأسمالي بينما الاشتراكية في الشكل النظري للنظام الشيوعي، وعليه فإن أي نظام اقتصادي مفترض سيكون على هذه الخارطة قربا أو بعدا عن أحدى الطريقتين في إدارة العملية الاقتصادية، كما هو موضح الشكل في مثال الخط الأخضر، الذي يمثل أي نظام اقتصادي مفترض الوجود كالنظام الاسلامي، أو موجود فعلا كالنظم الاقتصادية في الدول المعروفة وتغيراتها التاريخية.

وبعبارة أشد وضوحا فإنه لدينا خط مستقيم أوله الاشتراكية ونهايته الليبرالية، وأي نمط اقتصادي بينهما هو إما قريب من أحدهما أو وسطي.

ففي النظم الاشتراكية تكون المعامل مثلا ملكا للدولة لتعود مرابحها على عموم الشعب وهو ما يسمى (القطاع العام)، وفي النظم الليبرالية تكون المعامل ملكا خاصا وعائداتها ملكية لأصحابها (القطاع الخاص)، بينما أوجدت بعض الدول طريقها إلى (القطاع المشترك) وهي حالة وسط تكون فيه المعامل ملكية مشتركة بين الدولة والمستثمر معا، تنظم القوانين واللوائح التنفيذية هذه الشراكة. بينما تخفف سطوة القطاع الخاص في الحالة الثانية بفرض الضرائب المتناسبة مع حجم الملكية، وتشديد عقوبات التهرب الضريبي.

فاين الاقتصاد الاسلامي من هذا؟

من الناحية العملية:

فجميع الدول الاسلامية اليوم هي ليبرالية الاقتصاد، ترتكن على التبادل التجاري الحر محليا ودوليا وتنقسم سياسيا بين نظم عسكرية أو مَلَكِيّة، ومن الواضح أن كلا النظامين لا يعتمد أي سقف للملكيات والتي تعد امتدادا تاريخيا للإقطاع العسكري التقليدي منذ العصور الوسطى، حين كان يقتطع الخليفة الأراضي لقادته العسكريين فيملكوها بحق الاقتطاع، وإن ظهر نوع آخر من النظم السياسية العربية وهو نظام المحاصصة الطائفية المطبق في لبنان والعراق دستوريا بحيث يتخم قادة الطوائف مالا وجاها وسلطة، بينما يقذف الفقراء في آتون الكراهية الدينية.

أما نظريا:

لم يظهر عربيا سوى محاولتين جادتين لاستنباط نظرية اقتصادية؛ الأولى لمحمد باقر الصدر في مؤلفه (اقتصادنا)، على رغم المجهود المبذول إلا أنه استهلك جل الكتاب في نقد الرأسمالية والشيوعية باستعارة ما قاله كل من الطرفين على الآخر، وضرب هذا بذاك، ناهيك عن ضعف المصادر التي اعتمدت جلها على إصدارات مجلة الطليعة العراقية في فهم الشيوعية، بينما لم تخرج النتائج بملامح واضحة لنموذج اقتصادي مستقل بحيث بنى مخرجاته على الحلول الوسطى، ففي الملكية مثلا نحت الصدر مصلح (الملكية المزدوجة لوسائل الانتاج) علما أن جل النظم الليبرالية الغربية تعمد على هذا الاسلوب، بمعنى رقابة الدولة القانونية على حركة راس المال وهذه الرقابة قد تختلف من دولة لأخرى.

كتاب اقتصادنا لمحمد باقر الصدر

كتاب اقتصادنا لمحمد باقر الصدر

والمحاولة الثانية للمفكر حسن حنفي، الذي حاول صياغة اقتصاد اسلامي يساري، بمعنى محاولة خلق فكر ديني بطابع اشتراكي، أي أن حنفي كان مدركا وبدقة استحالة مهمة الصدر وسواه فطرق باب الايديولوجية لتثوير الواقع الديني لا باتجاه الليبرالية بل باتجاه مصالح الفقراء والمعوزين. ولكن لم تخلو محاولة حنفي عن الانتقائية ودون مبرر فقد انتقى لفكرته النصوص الدينية والآراء الفقهية التي تتناسب مع نتائجه، ولم يتعامل مع النص الديني على أنه مادة علمية على الاطلاق، إنما وسيلة إقناعيه وحسب.

حسن حنفي

المفكر حسن حنفي

وفي الواقع لم تتوقف مشكلة الأسلمة عند الاقتصاد بل تجاوزتها نظريا إلى العلوم التطبيقية ونظرية المعرفة، كما حاول محمد بالقاسم حاج حمد في كتابه (أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية) ومن الطبيعي أنه لم ولن يستطيع أي أحد أن يتبنى فكرة الحاج حمد على الإطلاق، إذ أن فكرته خالية بذاتها، وتساوق قولك فيزياء إسلامية أو كيمياء مسيحية أو مكانيا كم بوذية أو رياضيات هندوسية..!!!

وعليه فلا وجود لشيء يسمى اقتصاد اسلامي وآخر مسيحي وثالث طاوي.. ولربما يطل علينا من يدعي وجود فيزياء كاثوليكية أخرى أرثوذوكسية، والكارثة في تخيل طب (سني) ورياضيات (شيعية)، ومن الطريف حقا أن تمتد يد الطائفية السياسية إلى العقول وتعبث في العلوم الانسانية والطبيعية.

ومطالعة المؤلفات الذكورة أعلاه وسواها تبين لك مدى الجهد والعناء الذي احتمله أصحابها في سبيل لا شيء يذكر، بل قد تؤدي هذه الدعوات إلى مزيد من المذابح الدينية والطائفية، وفعلت على ما نشاهد يوميا، وفيما لو صب ذلك المجهود ذاته في سبيل التطوير الصناعي والتكنولوجية الذكية والتنمية الاقتصادية لما اشتعلت كل هذه الحروب الطائفية من حولنا ولرفع مدخول الانسان العربي اضعاف وأضعاف ما تتخيل.

عدد القراءات: 1٬639