اجتماعيات

قامت هذه المرأة الهندية باستجواب مائة محكوم بتهمة الإغتصاب، لنقرأ سويةً ما سمعته

ماذوميتا باندي

قامت ”ماذوميتا باندي“ ذات الستة والعشرين عاما باستجواب وعقد لقاءات مع مائة محكوم بتهمة الإغتصاب في الهند. وقد كانت ماذوميتا باندي تبلغ من العمر 22 سنة فقط عندما قصدت سجن ”تيهار“ في نيودلهي بالهند من أجل الإلتقاء بالمغتصبين الذين ثبتت إدانتهم واستجوابهم، وخلال السنوات الثلاث الماضية، قامت باستجواب مائة منهم من أجل رسالة التخرج لشهادة الدكتواره خاصتها في قسم ”السلوكات الإجرامية“ في جامعة ”أنغليا راسكين“ في المملكة المتحدة.

بدأ الأمر كله في سنة 2013، بعد مرور عدة أشهر عن حادثة الإغتصاب الجماعي الشهير الذي تعرضت له امرأة تعرف الآن باسم ”نيربهايا“ Nirbhaya (والذي يعني ”التي لا تخشى شيئا“) وهي شابة تدرس في كلية الطب، والتي كانت قد تعرضت لهذا الإعتداء المشين على إثر عودتها ليلا من مشاهدتها لفيلم ”لايف أوف باي“ Life of Pi؛ الذي كان يعرض آنذاك، مع صديقة لها، ووفقا لمكتب سجلات الجرائم الوطني في الهند، كان ذلك العام الأكثر تسجيلا من ناحية ارتكاب الجرائم، والذي تجاوزه عام 2015 من ناحية قضايا الإغتصاب بمجموع 34651 امرأة تعرضت للإغتصاب، وهي أكثر السنوات حداثة من حيث الإحصاء والتسجيل.

أخرجت ”نيربهايا“ الآلاف إلى الشوارع في حركات احتجاجية واسعة ضد استفحال ظاهرة الإغتصاب والعنف ضد النساء بشكل رهيب في الهند في سنة 2012، وفي نفس السنة قام الحقوقيون المختصون في الجنس والمساواة بين الرجل والمرأة بتصنيف الهند ضمن أسوأ عشرين دولة لتعيش فيها المرأة، أسوأ حتى من المملكة العربية السعودية، أين يتعين على النساء العيش تحت رقابة وإشراف الرجال ”الراعين“ لهن.

تقول الباحثة ”باندي“ التي كانت آنذاك في الجهة الأخرى من العالم؛ في إنجلترا بالتحديد بصدد إنهاء شهادة الماستر: ”كان الجميع يفكر في الأمر نفسه“، وتضيف: ”لماذا يقوم هؤلاء الرجال بما يقومون به من هذه الأفعال الشنيعة؟ نحن نفكر فيهم كوحوش بشرية، لا نعتقد بوجود أي كائن ينتمي إلى الجنس البشري بمقدوره القيام بما يقومون به.“

أدت هذه الإحتجاجات إلى إرغام الحكومة على عقد مؤتمرات طارئة من أجل مناقشة قضية الإغتصاب المتفحلة في المجتمع الهندي، وهو الموضوع الذي مازال يحمل بين طياته وصمة عار في الهند. قالت باندي؛ التي نشأت في نيودلهي والتي رأت مدينتها الأصلية تحت أضواء جديدة بعد قضية ”نيربهايا“: ”قلت في نفسي، ما الذي يحفز هؤلاء الرجال؟ ما هي الظروف التي تهيء لظهور رجال مثل هؤلاء؟ ففكرت بالتوجه نحو المصدر مباشرة وتوجيه السؤال له.“

ومنذ ذلك الحين أمضت أسابيع كاملة تتحدث إلى المغتصبين في سجن ”تيهار“ بنيودلهي، وكان معظم الرجال الذين التقت بهم هناك أميين لم يتلقوا تعليما، وكانت قلة قليلة منهم فقط ممن أكملوا تعليمهم الثانوي، وكان السواد الأعظم منهم كذلك قد ترك المدرسة في الصف الثالث أو الرابع من التعليم الأساسي.

تقول في ذلك باندي: ”عندما بدأت بحثي هذا، كنت مقتنعة بأن أولئك الرجال كانوا وحوشا لا محالة، لكنك عندما تتحدث إليهم فأنت تدرك بأنهم ليسوا أشخاصا خارجين عن العادة، بل هم عاديون للغاية، وكان ما اقترفوه بسبب سوء التربية التي تلقوها لا غير.“

في المنازل الهندية؛ وحتى لدى العائلات الأكثر ثقافة وتحضرا، تشغل النساء أدوارا تقليدية في الغالب، تقول باندي بأن الكثير من النساء لا يستعملن حتى الأسماء الأولى لدى مناداتهن لأزواجهن، وأشارت إلى هذا من خلال قولها: ”تجربة قمت بها، إتصلت ببعض الأصدقاء والصديقات وسألتهن بماذا تدعوا أمهاتهم آبائهم، وكانت الأجوبة التي حصلت عليها: ’هل تسمعني‘، و’إسمعني‘، و’يا أبا روناك‘ (روناك هو اسم الإبن)“.

يتم عقد مجالس قومية وشعبية لحل النزاعات في الهند، تمتد جذور هذه المجالس القومية للقرى والمدن الهندية؛ التي يسطر عليها الرجال تماما، إلى مئات السنين، والتي عرف عنها تسليطها لعقوبات قاسية في كل قضايا تتدخل فيها وتدلي أحكامها. في شهر مارس/آذار، حكم على فتاة تبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة من طرف أحد هذه المجالس بعقوبة الجلد بسبب كونها لم تبلغ عن تعرضها للإغتصاب.

تقول باندي: ”يكوّن الذكور منذ صغرهم أفكارا خاطئة عن الذكورة وعن كونهم رجالا، كما تتعلم الفتيات منذ سن مبكرة أن يكنّ خاضعات تماما لسلطة الرجال، وهذه القيم والمبادئ الخاطئة يتم تلقينها في نفس المنازل“، وتضيف: ”الجميع هناك في الخارج يعمل جاهدا من أجل نشر أن هناك أمرا خاطئا حول المغتصبين، إلا أنهم جزء من مجتمعنا، هم ليسو مخلوقات خارجية أو فضائية تم جلبها من عالم آخر، إنهم وليدوا ثقافتنا ومجتمعنا نفسه.“

تقول باندي أنه لدى سماعها لبعض هؤلاء المحكومين بتهمة الإغتصاب وهم يتحدثون، كان ذلك يذكرها بالقيم المشابهة التي لطالما سمعتها تتكرر حتى في منزلها الذي تربت فيه، فتقول: ”بعدما تتحدث إلى مغتصب، تتعرض لصدمة كبيرة، فهؤلاء الرجال لديهم قوة غريبة على جعلك تشعر بالأسى حيالهم، وكامرأة ليس هذا ما تتوقعين أن تشعري به. كاد الأمر أن يصل بي إلى نسيان أنني أتحدث مع رجل تمت إدانته بتهمة إغتصاب امرأة، ومن خلال تجربتي، لا يعتقد الكثير من هؤلاء أن ما قاموا به هو اغتصاب، فهم ليس لديهم أدنى فكرة عن مفهوم الإغتصاب.“

تقول باندي: ”ثم تجد نفسك تتساءل: ألأمر برمته بسبب هؤلاء الرجال؟ أم أنه بسبب معشر الرجال كلهم؟“

تعتبر المواقف الإجتماعية في الهند محافظة للغاية، فلا يتم تلقين الثقافة الجنسية في جميع أطوار التعليم، حيث يعتقد المشرعون أن مواضيعا من هذه النوع من شأنها إفساد النشأ والشباب، كما إهانة القيم والمبادئ والتقاليد التي يقوم عليها المجتمع الهندي. تتساءل باندي بخصوص ذلك: ”لا يتجرأ الأهالي حتى على نطق كلمات مثل: القضيب، والمهبل، والإغتصاب أو الجنس، فإن لم يكن بمقدورهم حتى تجاوز هذه العقدة المصطلحاتية، فأنّى لهم إذن تلقين أولادهم حول الجنس؟“

خلال الإستجوابات ولقاءاتها مع هؤلاء المغتصبين قام الكثير منهم بتقديم الأعذار أو التبريرات حيال ما اقترفوه، كما أن الكثير منهم قد نفى أن يكون قد اقترف جرم الإغتصاب أساسا، تقول باندي: ”كان هنالك ثلاثة أو أربعة فقط من مجموع من التقيت بهم من اعترفوا بأنهم قد تابوا عما اقترفوه، أما الآخرون فكانوا يختلقون الأعذار لتبرير جرائمهم، أو حتى إلقاء اللوم على الضحية في ذلك.“

في إحدى الحالات الخاصة، التي تخص أحد المشاركين في هذه الدراسة يحمل رقم ”49“، سمعت باندي ما لم تكن تتخيل أنها ستسمعه، حيث قام هذا المغتصب بالتعبير عن ندمه الشديد على اغتصابه لفتاة تبلغ من العمر خمسة سنوات فقط، فقال: ”أجل أنا أشعر بندم وأسى شديدين، لقد أفسدت عليها حياتها، هي لم تعد عذراء بعد الآن، لا أحد سيقبل بتزوجها بعد الآن“، ثم أعقب قوله بـ: ”أنا مستعد لتقبلها، أنا مستعد للتقدم للزواج بها فور خروجي من السجن.“

كانت هذه الإجابة صادمة لباندي لدرجة دفعتها للرغبة في معرفة المزيد عن هذه الضحية المسكينة.

أفصح هذا الرجل عن تفاصيل تتعلق بمكان تواجد الضحية، وعندما التقت باندي بوالدة الضحية، علمت أن العائلة لم تكن تعلم حتى بأن مغتصب ابنتهم يقبع في السجن.

تأمل باندي في نشر فحوى دراستها هذه في الأشهر القادمة، إلا أنها اعترفت أنها قد واجهت بعض المشاكل والمواقف العدائية جراء بحثها هذا، حيث قالت: ”يرونني ويقولون: ها هي نسوية أخرى قادمة، وهم يعتقدون بأن امرأة تقوم ببحث مثل هذا هي لا تقوم سوى بسوء تمثيل الفكر الرجولي، فأنى لك أن تبدأ الحوار مع أشخاص مثل هؤلاء؟“

المصادر

عدد القراءات: 17٬156