اجتماعيات

أنا إنسان مثلي، وسأخرج يوماً ما..

انسان مثلي بلا حقوق
الصورة غير مرتبطة بكاتب المقال

مرحباً، سأبدأ حديثي بالتعريف عن نفسي. أنا ”ميم“، إسم مزيّف، وُلدت وترعرعتُ في طرابلس منذ سنة ١٩٩٨. أنا إنسان مثلكم أمارسُ حياتي بشكل روتيني كسائر البشر، ولكنّني أخفي سراً يُعتبر خطيراً بالنسبة للأغلبية المُطلقة من الشعب العربي وقد يتسبّب بقتلي.

أنا مثليّ…

منذ بلوغي، وأنا أجدُ صعوبةً في الاقتناع وتقبّل قوانين المجتمع الصارمة حول الهويات الجنسية وأدوار الذكر والأنثى المختلفة داخل ذلك السجن. منذ صِغري وهُم يخبروني أنّ الفتيات هن اللواتي يحقُ لهنّ اللعب بالدمى البلاستكية أمّا الصبيان فعليهم لعب كرة القدم مع أولاد الجيران فقط. أخبروني أنّه ليس من حقّي أن أبكي إذا كنت مستاءً، فالبكاء للفتيات فقط.. فكبتُوا أفكاري ومشاعري ومنعوني من التعبير عن استيائي وحزني بكلّ ما هو حولي وبكلّ ما يُكَوّن مجتمعي.

سكتُّ حينها و لم أستطع إخبارهم بشيء لفترةٍ طويلة. رُحت أشتري الدمية البلاستكية من محلّ البقالة الموجود في حارتنا، فاللعب بها كان يحلو لي أكثر من الهرولة في الشوارع خلف كرةٍ لا تعني لي شيئاً.

بعيداً عن حبّي السابق والخطير للدمية، أخبرتكم أنّي مثلي.. لم يكُن بالأمر السهل، لأنّني واجهت صعوبات في فهم نفسي وميولي الجنسية وتقبّلها.

بدأتُ عملية اكتشافي لجسدي ورغباتي الجسديّة والعاطفيّة حين كنتُ أبلغ الـ١١ من عمري. استمرّت تلك الفترة طويلاً حتى عمر الـ١٣ وتمثّلت بالضياع. علّموني أنّ الصبيّ والفتاة يقعان في الحب ويتزوّجان ويعيشان بسعادة، ولكن لم يخبروني أنّه بإمكان شابّين وفتاتين أيضاً الوقوع في الحب. بدأت أشعر بأمور لم أستطع تفسيرها وبدأت أرى أحلاماً لم أستطع تقبّلها..

رُحت أبحث عن أمورٍ معيّنة على الإنترنت، كصور لفنانّين ذكور في مجلاّت الموضة مثلاً… وأخبر نفسي بأنّني أبحث عن تلك الصور لكي أحسّن جسدي ليصبح مثالياً كأجساد هؤلاء الفنانين الأجانب. لم أقدر على استيعاب ما كان يجري، كنتُ ضائعاً..

في عالمنا العربي التوعيةُ الجنسية في المدارس ممنوعة، فالجنس ”حرام“ و”عيب“. واستمرّت هذه الحالة حتى اكتشفتُ الأفلام الإباحية المثلية وأُعجبت بها بشكل غريب وغير متوقّع صراحةً، فاكتشفتُ حينها المثلية ومعناها. ولكنّني لم أعترف بوجود المثلية في داخلي، ما مثّل أمراً مفزعاً بالنسبة لي. بدأتُ أبحث عن سبب يُفسّر انجذابي لهكذا نوع من العلاقات بعيداً عمّا يُسمّى بالمثلية المُفزعة الكافرة ذات المصير المتمثّل بجهنم، ولكن عبثاً.. لم أستطع إيجاد أيّ تفسير آخر للموضوع فخضعتُ للواقع وارتبكت أموري، وضعتُ أكثر.

أأنا مثلي؟ لم أستطع استيعاب ما كان يحدث، فرُحت أصلّي لربّي لعلّه يشفيني من تلك الخطيئة وأصوم وأقرأ في الكتب المقدّسة.

ولكنّ الله لم يستجب لدعواتي، لم يشفِني، ممّا زادني قناعةً حينها أنّ الربّ يريدني أن أقاوم تلك الميول، الربّ يريدني أن أتخلّى عن تلك الميول الشريرة. ”سأقاطع رغباتي“ هكذا أقنعتُ نفسي، ولكنّني لم أستطع تحمّل أكثر من يومٍ واحد، فالأمر مستحيل، كنتُ أحاول إلغاء جزءٍ كبيرٍ من حياتي (الجزء العاطفي والجنسي).

وهنا استسلمتُ للأمر الواقع، ولجأت للصلاة وطلبِ المغفرة في كلّ مرّة وجدتُ نفسي أقوم بشيء قد يسيء إلى أخلاق ديني العزيز. وأقنعتُ نفسي أنّ الحسنات قد تلغي السيئات عند الله وأنّ ربّي غفور.

استمرّت حالتي على ما هي عليه لفترة إلى حين بدأتُ باللجوء إلى الفنانين الأجانب وأعمالهم الداعمة لحقوق المثليين مثل ”ألين دي جينيرس“ و”ليدي غاغا“ و”ديمي لوفاتو“ وغيرهنّ من الفنانات والفنانين المنفتحين الّذين شكّلوا بالنسبة لي نوعاً من الدعم النفسي والمعنوي. بدأت أتقبّل ميولي الجنسية ”على أقلّ من مهلي“ حتى قرّرت وأخيراً إخبار والديّ.

كلا لم أكن عبيطاً وساذجاً لإخبارهما، ولكنّني شعرتُ بحاجةٍ للقيام بذلك في تلك الفترة. كانت معنويّاتي مرتفعةً في ذاك الوقت، رغم أنّني أعلمُ أنّ أهلي كغيرهم من العرب، غير مؤمنين بحقوق المثليين، ناهيك عن وجودهم، غير أنّني كنتُ أرغب في معرفة رأيهم في موضوعي. فطلبتُ منهم الجلوس معي لوحدنا بعيداً عن إخوتي لكي نتناقش. وحين صارحتهم، كانت ردّة فعل والدتي باختصار ”كيف بدنا نرفع راسنا قدام العالم بعد هيك!“ ووالدي عبّر عن عدم قناعة في حديثي. فهو يعتقد أنّ المثلي لا يمكن أن يكون جسده مشعراً، ولكنّني رغم ردّة الفعل البشعة، بقيتُ مصرّاً على صحّة الأمر. فعبّروا عن رفضهم لحقوقي.

المشكلة أنّ أهلي يحبّونني وباعتقادهم أنّ المثلي الممارس لمثليته مصيره جهنم. بنظرهم، أهلي منعوا عنّي حقوقي لأن إلهاً (لم يره أحدٌ قط) قال أنّه ليس لي حقوق وأنّني سأعذّب عذاباً شديداً. لم تتأثّر معاملة أهلي لي بذلك النقاش ولكنّ ذلك لا يعني أنّهم يتقبّلوني كما أنا أو أنّهم جاهزون للتخلّي عن مفاهيم كتابهم المقدس من أجل سعادتي وحقوقي.

بعيداً عن أهلي؛ سوف أعطيكم نبذةً صغيرة عن نظرة المجتمع العربي للشاب غير الـ”ماتشو“ ”الرجال“ ومن ثم المثلي. كشابٍّ غير ماتشو أولاً، تعرضّتُ في حياتي لسخرية الكثيرين من محيطي (في المدرسة ومن ثم الجامعة) وذلك بسبب طغيان العقلية الذكورية على مجتمعي العزيز، فتنتشر النكت التي تستهدف الشاب المثلي مُعتبرين أنّ كلّ المثليين غير ماتشو، فها هو ”عادل كرم“ الشهير في نكته عن المثليّة من خلال شخصيتيّ ”مجدي ووجدي“ المسيئة لنا. وبما يخصّ الشاب المثلي أو الشابة المثلية، فينظر المجتمع إلينا ويعاملنا ككفّار مفسدين للمجتمع والقيم التي تربّى عليها، ممّا يمنعنا من الاستمتاع بحياة طبيعية مثلهم، فنلجأ إلى الفرار والهرب من ظلمهم، ونحلم بالاستقلالية والعيش في مناطق حيث يحترمون حقوق الإنسان وخصوصيّاته. نحن شعبٌ مغصوبةٌ حقوقه…

كمثليّ، من الضروري أخذ الحذر عندما أقرّر إخبار أحدهم عن مثليّتي. لقد أخبرتُ البعض من أصدقائي الفتيات ولكنّني لم أخبر أيّ شاب، فأغلبية الذكور العرب يعتقدون أنّ المثليّ سيقعُ في حبّهم فوراً ”وكأنّ المثلي يقع بحبّ كلّ شاب يراه“ فيشمئزون منه. كانت كل تجاربي في الخروج من تلك الخزانة ناجحة الى حدٍّ ما، رغم أنّني لم أخبر أحداً خارج عائلتي حتى كنتُ قد أتممتُ الـ١٨ ( أي ٣ سنوات بعد التجربة مع أهلي).

تقبّلني صديقاتي فلم يُطلقن الأحكام المُسبقة أو ما شابه، فكُنّ مصدراً مهماً للدعم المعنوي الجميل.

رغم تقبّل أصدقائي لي ولكنّ رفض أهلي لحقوقي منعني من إخبارهم (أهلي) بإيماني بحقوقي كإنسانٍ أن أمارس حياتي بالطريقة التي تحلو لي، ولكن لم يمنعني ذلك من ممارستها في السر، فاكتشفتُ عالماً غريباً.

قرّرت التعرّف على المجتمع المثليّ، فاشتركت بأحد مواقع التعارف للمثليين وأخذتُ أبحثُ في إحدى الصفحات فلاحظت ما لم أتوقّعه. أغلب الناس على تلك الصفحات يبحثون عن العلاقة الجنسية فقط.. وكلّ هذا نتيجةٌ للكبت الذي يولّد جيلاً مثلي يبحثُ عن الأمور بطريقة سرّية خفيّة، مبتعدين عن كل ما هو حقيقي وطبيعي، كالعلاقة الحقيقية التي إذا ”لا سمح الله“ لاحظها المجتمع أمرَ بإعدام الطرفين فوراً.

رغم الجوّ السائد، وجدتُ العديد من الشباب الراغبين في تكوين صداقات والذهاب في نزهة أو موعد وغيرها من الأمور الطبيعية، خرجتُ برفقة البعض منهم، ووجدتُ من خضع للأمر ولم يتقبله، ووجدتُ من هو ثائر ومطالب بحقوق المثليين، وتعرّفت على من أضحى عمره ٥٠ عاماً وهو نادمٌ لأنّه لم يمارس حقّه الطبيعي في الحياة منذ شبابه. رأيتُ الأوجه المظلومة المهمّشة، دعوني أخبركم أنّ المجتمع المثلي هو المهمّش الأوّل في الدول العربية ”المحافظة“.

أنا مثليّ مؤمن بحقوقي وأسعى إلى الخروج من تلك الخزانة المظلمة الكئيبة يوماً ما، أرجوكم ساعدونا…

١٣: هو عدد الناس اللذين يعرفون عن مثليتي.

كاتب المقال تعمد عدم نشر اسمه لاسباب كثيرة، وقد تم نشر المقال تحت اسم طاقم الموقع.

عدد القراءات: 30٬062