اجتماعيات

إنهن بنات؛ وليس من الأدب التحدث معهن… فذلك ”حرام“

بنات في المدرسة

عملت طيلة خمس سنوات كمعلمة لغة إنجليزية، وتعاملت خلال ذاك الوقت مع جميع المراحل التعليمية ومختلف الطبقات الاجتماعية، كما ورد عليَّ الكثير من الشخصيات. كان لدي هدف واحد حينها، وهو أن أجعل مادتي الدراسية ممتعة، وأغرس شغف التعلم والتعرف على الجديد في نفوسِ طلابي وطالباتي.

لكن مع مرور الوقت، وجدت نفسي أطيل مدة الدرس لأشرح للطلاب الكثير من الأشياء البعيدة تماماً عن المنهاج الموضوع، وأتصيد أي كلمة لها علاقة بموضوعٍ عام لأستفيض في شرحِ الكثير من الحقائق الجلية لكل الناس، ولكن بحكم عقم المناهج الدراسية وتفكير الأهل لا يلقوا لها بالاً.

هل أناقض الأهل وزملائي أم أقول ما يُمليه عليَّ عقلي وضميري؟

أنا لا أفرض وجهة نظري الشخصية على طلابي ولا أحجم عقولهم، ولن أسمح لنفسي بأن أستغل حبهم وتقديرهم لي لأجعلهم ينتهجون طريقة تفكيري وحكمي على الأمور. لكنني أبرز لهم ما يخفي الآخرون عنهم، وأضع أمامهم كل المتناقضات وأجيب على جميع أسئلتهم بما لدي من معلومات صادقة، وأتركهم يختارون ما يريدوه. أجدهم يختارون بفطرتهم النقية كل ما يرنو إلى الحرية وإلى تقبل الآخر، ويسعون إلى السعادة والفرح الغائب في كثيرٍ من الأحيان.

حين تسألني فتاة عمَّا قاله والدها بأن انشاء صداقات مع المسيحين غير مستحب، أو بأن وضع العطور ”حرام“ أو بأن الحجاب في سن صغير سترة ووقاية للفتاة، تتملكني الحيرة! هل أقوض لها كل ما قاله والدها؟ أم أتغاضى عما قالته وأكمل الدرس؟ لكن حين أنظر إلى وجوههم التي تنتظر الحقيقة، الحقيقة التي يميلون إليها، والتي تجعل لنا جميعاً مُتسع للحياة والتشارك، عيونهم التي تراني بحب وتقدير وثقة تامة بأني لن أخبرهم سوى الحقيقة.

أصبحت أتجنب المواجهة المباشرة مع ما يقوله الوالدان، لكن أشرح لهم كل وجهات النظر وأجعلهم يرون جميع الجوانب للموضوع وأخيّرهم فيختارون، أجدهم يختارون الأجمل والأرق، يختارون أن ينشؤوا صداقات مع جميع الفتيات، وأجدهم يريدون ارتداء الفساتين، وأجدهم يشمئزون من اللباس الأسود أو فكرة تحجيب الصغيرات، ويرون أن لهم كل الحق في ارتداء الألوان المبهجة واللعب وركوب الدراجات.

وأضفت لهن أني لا أهاجم طريقة تفكير، ولا أحكم على شخصٍ من طريقة لبسه، لكن حين أرى فتاة لا تتعدى أربع سنوات ترتدي خماراً يتملكني الغضب، وأصرخ بداخلي لأن هذا تعدي سافر على حقها في الحياة، حقها بالاختيار في أن تعيش طفولتها كما ينبغي لها. أراهم يعبرون عن ذلك قبل أن يسمعوا رأيي، أراهم يختلسون بضع دقائق قبل الدرس أو بعده ليمرحن ويلعبن لأنه من غير المسموح لهن أن يلعبن فقد تخطوا سن اللعب! وهل للعب والمرح سن!؟

أعدهم كل فترة بحفلة أتعهد فيها للأهل بأني سأوصلهن حتى باب البيت، نظل طوال الحفل نلعب ونركض ونرقص ونغني، أرى اندفاعاً في اللعب والركض وكأنها آخر مرة لهن يردن أن يلعبن كل شيء في وقت واحد.

أحاول كثيراً تغيير نظرة طلابي الذكور للإناث زميلاتهم في المدرسة لأن المعلمين والمعلمات أخبروهم أن هؤلاء بنات وليس من الأدب التحدث معهن فهو ”حرام“. وحين يخبرني أي طالب بذلك أجد نفسي أقول ”الله يحرم عليهم العيشة“ فيضحك؛ لأسترسل وأقول ”يا حبيبي، هذه أختك وصديقتك ليس عيباً أو حراماً أن تتحدث معها، إن رأيت من يتعرض لها في الشارع هل ستتركها؟“ يرد بالنفي وبأنه سيدافع عنها.

وأجد أنا من يستنكر كلام المعلمين والمعلمات بل ويسخرون منهم، هؤلاء لا يعلمون كم هم ”مضحكة“ لطلابهم، فهم يرونهم على حقيقتهم الكاملة لأنهم لا يمتلكون المنطق ولا علاقة صداقة معهم ولا حتى احترام لعقول وذكاء الطلاب، بل فقط يملون عليهم الأوامر فضلاً عن أن كل طلابهم يعرفون تلقيهم الرشاوى لجعل أحد زملائهم ينجح.

ثم بعد ذلك حين تكون صورتهم وتقديرهم ”صفر“ أمام طلابهم وينتظرون منهم السمع والطاعة، لا يعرفون كم الألقاب التي يطلقها عليهم طلابهم وكم الكره الذي يكنونه لهم، وكيف أنهم يشعرون بتفاهتهم وانحطاط أخلاقهم. الأمل ليس معدوماً، فهؤلاء الطلاب أعطوني درساً جليلاً وأرى أنه حسب حكمهم على الأشياء والسماح لفطرتهم السليمة في الاختيار، ومدى قرب علاقاتهم ببعضهم البعض وكم الشهامة الذي يتعاملون به بعضهم البعض، أن ما لم يستطع جيلي ممن هم في العشرينات تحقيقه، سيحققه هؤلاء المراهقون بكل تلك الجسارة التي يتعاملون بها مع واقعٍ مرهق ومؤذي، فيطوعونه حسب رؤيتهم ويخضعونه في آخر الآمر لفطرتهم البِكر.

مقال من إعداد

mm

فاطمة الزهراء سعيد

مترجمة ومهتمة بعلم النفس والفلسفة، وحاصلة على دبلوم الترجمة القانونية وترجمة الأمم المتحدة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

عدد القراءات: 2٬569