اجتماعيات

المثلية الجنسية في نظر معظم الأديان العالمية

المثلية الجنسية
mm
إعداد: لبنى غزال

وجدت المثلية منذ الأزل، وتقلبت أوضاع المثليين في المجتمعات والحضارات على مر العصور مع تقلب النظرة الدينية لهم، فما هي نظرة الأديان للمثليين؟ وكيف ساهمت في تحديد مصيرهم لأجيال طويلة؟

الأديان الإبراهيمية

حرمت الأديان الإبراهيمية المثلية الجنسية إلى حد كبير، ولعنت المثليين وأنزلت بهم أشد العقوبات، واختلفت هذه العقوبات من دين إلى آخر ومن طائفة إلى أخرى، ومن بين هذه العقوبات: الضرب، والقتل، والسجن والتعذيب.

اليهودية:

تعتبر المثلية الجنسية من أكبر الخطايا في الدين اليهودي، ويعاقب عليها بالإعدام كل من تجاوز الثالثة عشر من عمره مثلما جاءت به تعاليم العهد القديم:

”إذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا رجسا كلاهما أنهما يقتلان دمهما عليهما.“ (لاويين 20: 13)

”لا تضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة.“ (لاويين 18: 22).

وليس في العهد القديم أي ذكر لممارسة العلاقة المثلية بين النساء أو عواقبها.

وقد وردت المثلية الجنسية في العديد من قصص التوراة، كقصة النبي لوط وقومه وما أنزله الله عليهم من غضب بسبب ميولهم المثلية، ورغم ذلك، تتقبل بعض الطوائف اليهودية المثليين جنسياً ومزدوجي الميول، مثل الطائفة الارثوذوكسية التي تقول: ”إن كانت المثلية شيء طبيعي ليس للإنسان سلطة عليه، لا يحاسب على أفعاله الجنسية“. إلّا أن هذا الرأي ليس شائعا بين جميع الارثوذوكس ولا يمكن تعميمه.

اليهويدية الإصلاحية واليهودية الليبرالية

صورة: Daniel Dreifuss/Flash 90

وتأتي أيضاً اليهويدية الإصلاحية واليهودية الليبرالية ضمن قائمة الحركات التي تتقبل التعددية الجنسية وتدعم تقبل الآخر ككل، وتعترف نسبياً بشرعية الزواج المثلي الأحادي؛ والذي يعني أن لكل فرد شريك واحد عاطفي وجنسي في كل زمان.

المسيحية:

كما في اليهودية، تعتبر المثلية الجنسية في المسيحية خطيئة تخالف الفطرة التي خلق الله البشر عليها ”حسب معتقداتهم“. رغم أن المثلية لم يؤتى ذكرها بشكل واضح في الإنجيل، إلّا أنها وردت ضمنياً في رسائل بولس، ومن الأمثلة على ذلك:

”لا تضلوا.. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور.“ (1كورنثوس 6: 9-10)

”وكذلك الذكورُ أيضا تاركين استِعمال الأنثى الطبِيعِي، اشتعلوا بِشهوتِهم بعضِهم لبعض، فاعلين الفَحشاء ذكورًا بذكور …أن الذينَ يعمَلونَ مثلَ هذهِ يستوجِبون الموتَ.“ (رو 28-32)

أما عقاب المثلية الجنسية حسب المعتقد المسيحي في عصوير ما قبل التنوير، فهو الإعدام والتعذيب. أمّا في الوقت الراهن فتحاول الكنيسة ”إصلاح المثليين“ بدلاً من قتلهم أو معاقبتهم.

لا تتقبل معظم الكنائس المسيحية المثليين جنسياً كالكنيسة الأرثوذوكسية والكنيسة البروتستانتية والكنيسة القبطية، لكن تختلف طريقة التعامل معهم في الوقت الحاضر من طائفة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال تفرّق الكنيسة الكاثوليكية بين الميول المثلي التي تعتبره توجهاً جنسياً لا إرادياً ولا يدخل ضمن نطاق الخطايا، وبين ممارسة الجنس المثلي الذي يعد خطيئة ضد القانون الطبيعي، حيث أنها تمتنع عن منح المثليين سر الكهنوت، وتمنعهم من أن يصبحوا رهبانا، وترفض قطعاً زواجهم، بينما تبدي كنيسة المسيح المتحدة دعماً لحقوق المثليين وتوافق على زواجهم.

الكنيسة المسيحية تقبل المثليين

ورغم مبادئ الكنيسة الكاثوليكية التي ترفض قبول المثلية، قال البابا فرنسيس في إحدى تصريحاته بعد حادثة إطلاق النار على المثليين في أورلاندو ”من أنا لأحكم على المثليين؟ …إذا كان الشخص مثليًا لكنه مؤمن بالله وبإرادته فمن نحن حتى نصدر حكماً مسبقا بشأنه؟“ داعياً المجتمع المسيحي إلى عدم استقصاء المثليين ووجوب احترامهم، كون الكنيسة حسب تعبيره كبيرة كفاية لاحتضان الجميع بشتى ميولهم وتوجهاتهم.

الإسلام:

لا يختلف رأي الإسلام في المثلية الجنسية كثيراً عن آراء بقية الأديان الإبراهيمية، بل يتعدّاها تشدداً في التعامل الاجتماعي والعقوبات. حيث يؤمن المسلمون أن عقاب ممارسة المثلية الجنسية هو القتل، لكن لا توجد طريقة محددة لتنفيذ العقوبة.

وقد شاعت تسمية المثلية لدى الدين الإسلامي بفعل ”اللواط“ نسبة إلى قوم لوط وتعقيباً على ما جاء في قصة لوط، رغم الالتباس الشديد الذي تحمله بين المفسرين. فبعضهم يقول أن عقوبة قوم لوط جاءت كونهم قوم يقطعون السبيل ويمارسون الخطف والسرقة، وبعضهم يقول أنهم كانوا يتجرون بالجنس، وبعضهم يقول أنهم قوم رجال مارسوا الجنس مع الرجال وفق الآية: ”إِذ قال لقومه أَتأْتون الفَاحشَة وأَنتم تبصرون، أئنكم لتأْتونَ الرجال شهوة من دون النساء، بل أَنتم قوم تجهلون.“ (سورة النمل)

ورغم ذلك، وكما في اليهودية، لم ترد ممارسة المثلية الجنسية بين النساء أو ما يدعى عندهم بفعل ”السحاق“ في أيّ من الآيات القرآنية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ”اتفق الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به جميعًا، لكن تنوعوا في صفة القتل، فبعضهم قال: يرجم، وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدار في القرية ويتبع بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق“. حيث تتراوح عقوبة ممارسة فعل جنسي مثلي بين الرمي من أعلى شاهق، والرجم حتى الموت كعقوبة الزاني.

ولا يوجد خلاف بين غالبية الطوائف المسلمة على هذه الحدود، وعلى الرغم من ذلك يبدي بعض القرآنيون اعتراضهم عليها كونها تتعارض مع مبادئ الإنسانية.

ومع الأسف الشديد فإن هذه العقوبات ما زالت تطبق في غالبية الدول المسلمة من بينها السعودية وإيران والشيشان وموريتانيا وباكستان وأفغانستان. علماً أن العديد من الدول ذات الغالبية المسلمة توقفت عن تطبيق عقوبة الإعدام بحق المثليين، كسوريا والأردن والعراق.

الأديان الأخرى

تعتبر الأديان الآسيوية والهندية أكثر تسامحاً مع المثليين، فبعض هذه الأديان ترفض المثليين لكنها لا تعاقبهم، وبعضها الآخر تتقبلهم داخل مجتمعاتها بشكل سلمي ومتساوٍ.

الهندوسية:

لا يوجد نص صريح في الهندوسية يتحدث عن المثلية، لذلك تختلف الآراء حول هذا الموضوع، فيدين بعض الهندوس المثلية ويعتبرونها شذوذاً عن الحب الحقيقي الذي يتكوّن فقط بين الرجل والمرأة حسب معتقداتهم، بينما يختلف آخرون معهم في الرأي ولا يعترفون بوجود شكل محدد للحب.

إلّا أنه وبشكل عام، لم يتطرق كتاب التشريع ”سيروتي“ الهندوسي إلى المثلية أبداً كقضية اجتماعية، معتبراً أن كل إنسان هو روح مستقلة أبدية، وهدف الحياة هو الحرية المطلقة من الولادة وحتى الموت. كما يعتبر أن المثلي الذي يعرف نفسه ويتمكن من ضبط غرائزه بطريقة منطقية، يعد أقرب إلى الإله من المغاير الذي لا يمتلك قدرة ضبط شهواته وغريزته.

وبالنظر إلى العديد من التماثيل المقدسة لدى الهندوس، فالعديد منها تجسّد علاقات جنسية بين امرأتين أو رجلين، أي علاقة مثلية. وعموماً فإن المثليين يعاملون معاملة المغايرين، حيث لا علاقة للميول الجنسية بالإيمان. وأيضاً يعزى الفضل لعدد من الفئات الهندوسية التي ذكرت في التاريخ في تقبل التعددية الجنسية على نطاق واسع إضافة لتعددية الهوية الجندرية والجنس الثالث. والجدير بالذكر أنه لا توجد أي عقوبة للمثلية الجنسية في الديانة الهندوسية.

البوذية:

مراسم زواج مثليين في الديانة البوذية

ذكرت النصوص البوذية المقدسة بعض العلاقات الغرامية بين الرجال، دون التطرق إلى موضوع الجنس. لكن عموماً لا يوجد رأي محدد بخصوص المثلية أو أي ذكر لها في التعاليم البوذية، وتختلف الآراء عنها بين طائفة وأخرى.

فبالعودة إلى تعاليم بوذا مؤسس الديان البوذية، لم يذكر بوذا أي تعاليم تحرّم المثلية أو تضطهد المثليين، ولهذا تعد المثلية مقبولة نسبياً لدى الفئات البوذية. لكن بعض الطوائف ترفض المثليين وتعترض على زواجهم وذلك بسبب تأثير المجتمع وليس الدين بحد ذاته، علماً أنه لا وجود لأي عقوبات ضد المثلية الجنسية في الديانة البوذية أيضاً.

الكونفوشية:

تعتبر الكونفوشية فلسفة للحياة وليست قواعداً وقوانيناً، ولا تقدم الكونفوشية أي آراء عن الحياة الجنسية بشكل عام.

السيخية:

ما من رأي محدد في النصوص السيخية حول المثلية، إلّا أن فئة من رجال الدين السيخ يعدّون المثلية أمراً منافياً للطبيعة ولا يتناسب مع التعاليم السيخية. لكن المجتمع السيخي لا يتبنى هذه الآراء بشكل حتمي، لأن الهدف الأساسي من وجود السيخية هي عدم حمل الضغينة والكراهية تجاه اي أحد آخر، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه أو ميوله.

كما تستقبل المعابد السيخية المثليين بصدر رحب، وتسمح لهم بالمشاركة بالحياة الاجتماعية والاحتفالات العامة. هذا وقد صوّت نائب السيخ في كندا لصالح زواج المثليين.

مقال من إعداد

mm

لبنى غزال

مهتمة بالعلم بكل فروعه خاصةً الفلك منه، ومحبة للتاريخ والتنكولوجيا.