اجتماعيات

كيف يقود الدين نحو العنف؟

مسجد الازهر القاهرة
صورة لخليل حمرا.

كان القس الفرنسي آخر الضحايا الذين تمت تصفيتهم جسديا على يد قاتل يصيح (الله أكبر). تتابع هذه الهجمات جعل شيوخ المسلمين مثل طارق رمضان يصرّحون بعد أحداث باريس الفرنسية أن القاتل ”خائن لتعاليم ديننا“، نفس الموقف تبنّاه الأزهر (وهو أعلى هيئة سنية) حيث أعلن أن ”هذه الجرائم الشنيعة تضرب في عمق سماحة تعاليم الإسلام“.

نفس التصريحات تكررت عقب الهجومات التي كانت أورلاندو الأمريكية ونيس الفرنسية مسرحا لها، مؤكدة أن هذه الأعمال الفظيعة التي يقوم بها مجموعة من المتعصبين المهمشين تعارض إلتزام المسلم بالسلم والمحبة.

الحب والسلام في باريس

ناس يقومون بوضع الورود تعبيرا عن تعاطفهم مع ضحايا هجمات باريس.

أنا أتفهم أسباب هذه التصريحات، لكن يجب أيضا التأكيد على أنه موقف يُبسّط بشكل كبير العلاقة بين الدين وعدم التسامح والعنف الذي قد ينتج عنه.

يدّعي كل من الإسلام والمسيحية أنه الدين الحق وأن تعاليمهما إلهية بعث الله بها، ويجب على الجميع اتباعها. ومنذ بدايتهما، كانت هاتان الديانتان تبشيريتين مكلفتين بتبليغ الحقيقة الإلهية للعالم كله، وقد كان عليهما بالضرورة مواجهة حالة الرافضين لهما ومعرفة درجة التسامح الذي ستعاملان به من يرتكبون خطايا دينية.

في بعض المراحل التاريخية، لم تكن المسيحية والإسلام متسامحتين لا مع بعضهما البعض ولا مع الديانات الأخرى، بل شهد التاريخ عدة مواجهات عنيفة. بالطبع لم يكن ذلك وليد الصدفة ولم يكن بالإمكان تفادي حصول ذلك، فكلتا الديانتين، تعتبران رسالتيهما حقيقة دينية مطلقة وبالتالي، لا يمكن التشكيك فيها ولا إنكارها لا من طرف غير المؤمنين ولا من طرف بعض المؤمنين الذين قد يتملّكهم الشك بين الفينة والأخرى، خصوصا إذا تم تضليلهم من قبل غير المؤمنين.

بوضع هذه الفرضيات، يصبح من السهل استنتاج أنه هناك دائما مبررات لإقصاء غير المؤمنين. قد يعترض البعض بقوله أن هناك معايير أخلاقية تسمح للناس بالتعبد كما يحلو لهم باختلاف دياناتهم، هذا الموقف سيوصلنا إلى المشكلة الجوهرية، وهي أن المؤمنين لا يتقبلون أية معايير أخلاقية إنسانية في تفسيرهم للتعاليم الالهية، فهم يصرّون على الإيمان المطلق بما يعتبرونه وحيا إلهيا حتى عندما يتعارض مع أبسط المعايير الإنسانية. فهم يؤمنون بأن الحقيقة الإلهية تتجاوز قدرة الإنسان على الفهم، فنحن كبشر ليست لدينا امكانية للوصول للحقائق الإلهية بالإعتماد على قدراتنا الطبيعية، ولهذا.. فإن كلمة الله عندما تُنطق، كل ما يمكننا فعله هو الطاعة.

من يتبنّى هذا الطرح، يرفض مبادئ العلمانية ويرفض المبادئ الأخلاقية التقليدية والحس المشترك للمجتمع لأنها تكون متعارضة مع إيمانه، ولهذا لا يمكن العيش بتسامح معها.

الديانة المسيحية لديها تاريخ حافل بأمثلة عن هذا التعصب الديني، مثل الإضطهاد الذي تعرض له اليهود والحملات الصليبية ضد المسلمين وحرب (الثلاثين عام) الدينية، وقد استمر هذا التعصب الديني إلى نهاية القرن 19 (في مرحلة كانت فيها الإمبراطورية العثمانية المسلمة متسامحة مع أغلب البلدان المسيحية).

الحروب الصليبية

الحروب الصليبية

إن تنافس كل من الوطنيين والمتدينين على تدمير أوربا، جعل الأوروبيين في الأخير يبحثون عن سبل للتعايش والتسامح مع الشعوب الأخرى بدل فرض الديانات عليهم بالرغم من أن هذه العملية كانت طويلة ومعقدة تاريخيا. لقد كان لروّاد عصر الأنوار، أمثال فولتير وروسو وهيوم، الدور الأبرز في الإنتقادات التي تم توجيهها للمسيحية والتي كانت تحمل في طياتها أسئلة جدية ذات بعد فكري مهم، وقد ساهمت التغيرات الإجتماعية والإقتصادية (بما فيها الإقتصاد الرأسمالي والتقدم التكنولوجي والديموقراطية) في إضعاف البنيات الإجتماعية التقليدية التي كانت تدعم في ذلك الوقت الفكر الديني التقليدي.

لقد كانت النتيجة الحتمية لهذا التغير هو الإنتشار الواسع للتسامح الديني في أوروبا والولايات المتحدة، وانعكاسه المباشر على التقدم الأخلاقي للمواطنين، بحيث لم تعد الحقيقة الدينية مهمة ولم يعد عدم تقبلها مرفوضا. فقد أصبح يُنظر للمعتقدات والشعائر الدينية على أنها اعتقادات شخصية ولهذا فعلى الدولة إلتزام الحياد، وعدم السعي نحو تأييدها وفرضها على الآخرين. وهذا ما جعل قيمة الإيمان الديني مرتبطة بقيمة السلم في المجتمع العلماني وجعل معظم المسيحيين اليوم متصالحين ومتعايشين مع هذه القاعدة لدرجة تجعل أغلبهم يصرّحون أن هذه الوضعية تعكس بجلاء المعنى الحقيقي لدينهم.

الوضع مغاير عند المسلمين. فقلة ممن ينتمون للأمة الإسلامية يمتلكون قدرا عاليا من التسامح الديني، ويمكن أن نضرب مثلا بسكان ألبانيا وكوسوفو والسينغال وسيراليون. على عكس الأغلبية —مثل سكان المملكة العربية السعودية وإيران وباكستان والعراق وماليزيا— الذين لديهم موقف صارم تجاه معتقدات وشعائر غير المسلمين (وأحيانا تجاه ما يسمونه بالهرطقات الدينية لدى بعض المسلمين)، ومع ذلك، يظن العديد من المسلمين أن مشيئة الله تتطلّب التسامح تجاه الأمور الدينية المغلوطة، لكن للأسف فهناك من يعتقد العكس.

في سنة 2013، وجد الوضع مغاير عند المسلمين أن مسلمي العراق وماليزيا وباكستان ودول إسلامية أخرى يعتقدون بوجوب تطبيق بعض القوانين الإسلامية على سائر بلاد المعمورة، وحسب نفس المركز فإن 76 في المئة من مسلمي جنوب آسيا و56 في المئة من مسلمي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يُؤيّدون إعدام المسلمين المرتدّين، بالإضافة الى أن هناك على الأقل 40 في المئة من سكان عشر دول مسلمة مع تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين.

ملسم من شرق اسيا يحمل لافتة

صورة لـ jambancomel من فليكر

هذا يبيّن أن الحقيقة الدينية للإسلام بالنسبة للعديد من المسلمين ليست فقط مسألة قناعة شخصية بل لها مكانة جوهرية في الفضاء العمومي والنظام الإجتماعي. فلا توجد هناك سلطوية دينية مركزية ولا توافق ساحق مثل الذي يعطي الإسلام للمسلمين.

نتفق جميعا على أن عدم التسامح لا يجب أن يؤدي الى العنف ضد غير المؤمنين، لكن وكما رأينا، فإن منطق قدسية الوحي ينحو بسهولة في هذا الإتجاه، ولا تكون الحالة مغايرة إلا إذا وضعت النصوص المقدسة تحت ضغط إكراهات الواقع والضغوطات العلمانية.

المسلمون المفكرون أمثال ابن سينا كانوا قد قبلوا بمثل هذا المنطق، وقد شهد العصر الوسيط تسامحا من قبل المسلمين أكثر من نظرائهم المسيحيين. لكن الوضع الراهن يشهد بأن الإسلام يجد صعوبة في تبني التسامح أكثر من المسيحية، فالعديد من المسلمين لازالوا يجدون صعوبة في تقبل الضغوطات الأخلاقية التي يتطلبها التسامح الديني، وهناك مجموعة من المسلمين رغم قلتهم يعتبرون العنف ضد غير المؤمنين واجبا إلهيا مقدسا.

قد يكون من الصعب علينا تصديق أن المعتقدات الدينية قد تُحفّز القتلة وقد نصرُّ على أن العنف المبالغ فيه ما هو إلا نتيجة لاختلال عقلي أو لفاشية سياسية، لكن منطق (وتاريخ) الأديان يشهدان بالعكس.

مسجد

قبة مسجد

فهل هذا يعني أن الإسلام هو الشيطان؟ أبدا، لكن يجب في الوقت نفسه الإعتراف بأن الإسلام لم يقم بعد —على عكس المسيحية— باحتواء الخطر الذي يتضمّنه أي دين يدّعي أنه دين سماوي يمتلك الحقيقة الإلهية.

فالإسلام —بكل صراحة في شموليته لم يقم بتقديم تنازلات للقيم العلمانية كما فعلت المسيحية، وكما قال الرئيس أوباما ”بعض التيارات الإسلامية لم تقم بمراجعات تمكّن الناس من التوفيق بين مذاهبهم الدينية والحداثة“. هذا التوفيق سيكون طريقه طويلا وشاقا وسيتطلّب العديد من المجهودات الفكرية والتغيرات السوسيو-اقتصادية، بعضها سيكون نتيجة عوامل خارجية وبعضها الآخر سينشأ نتيجة تصاعد قوة التعاليم الإسلامية حول التسامح والمحبة.

لكن لحين وصول تلك المرحلة ولغاية اكتمال هذا التغير، سيكون من الضلال القول بأن عدم التسامح والعنف هما خيانة للإسلام.

مقال من إعداد

mm

ابتسام فاطمة ابراهيم

مدرسة لغة فرنسية وحاصلة على الاجازة في علم الاجتماع. مهتمة بالمواضيع الاجتماعية والسياسية والدينية.

عدد القراءات: 2٬058