اجتماعيات

المثلية الجنسية في منطقة نهر النيل (مصر والسودان)

شهدت الأراضي المصرية والسودانية الحالية قديما تعددا حضاريا وثقافيا كبيرين، فلا أحد منا لم يسمع عن الحضارة الفرعونية التي لا تزال آثارها موجودة إلى اليوم، ويعتز بها كل المصريين لكونها بقايا حضارة عريقة تعد من أقوى الحضارات القديمة، كما شهدت المنطقة الواقع بها السودان الحالي تعددا حضاريا متسلسلا، فخلفت الممالك الكوشية والنوبية تنوعا ثقافيا واضحا داخل المجتمع السوداني.

المثلية الجنسية في السودان:

السودان بلد معروف بتعدده الثقافي والديني والعرقي، ولكن المجتمع السوداني معروف بتعصبه الديني (كما غالبية المجتمعات العربية) وربما يتضح لمن يعرف التاريخ السوداني أن هذا التعصب الديني قد زاد بعد استلام الإخوان المسلمين في السودان مقاليد الحكم، وبطبيعة الحال زاد كره المجتمع لكل ما هو مختلف، ولكن بالنسبة للمثلية فلا أعتقد أن المجتمعات العربية عامة كانت متسامحة معها؛ على الأقل في الماضي القريب، فالتاريخ العربي القديم يزخر بأشعار المثلية و”حب الغلمان“ مما يدل على تسامح العرب قديماً مع المثلية.

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو انتشار مقطع فيديو لشاب سوداني يضع بعض مساحيق التجميل على وجهه وحوله مجموعة من الرجال يتحرشون به ويعتدون عليه بالضرب في مشهد مريب، يكاد من يشاهده أن يجزم بأنهم يتحرشون به بطريقتهم الخاصة، وتزامنا مع انتشار هذا المقطع بدأت الدولة المصرية بشن حملات على كل من يدافع عن المثليين والمثليات بسبب رفع علم قوس قزح في حفل فرقة مشروع ليلى.

تحدثت إلى ”أحمد عمر“ في حوار خاص لموقع دخلك بتعرف وهو شاب سوداني يقيم بالنرويج أعلن عن مثليته قبل عامين متحدياً بذلك ما نشأ عليه أو ما تم تلقينه إياه من قبل المجتمع السوداني، وهو من أسرة مشهورة بتدينها وتحفظها وسط هذا المجتمع.

Ahmed Umar

صورة: Ahmed Umar

سؤال 1: هل تعتقد أن المجتمع السوداني على استعداد أن يتقبل المثليين أم بحاجة إلى وقت أطول؟

بطبيعة الحال فإن كل مجتمع مستعد للتغيير في أي وقت، والمجتمع السوداني ليس استثناءا، وأعتقد أن ما نحن عليه الآن كبلد متدهور على كل المستويات تقريبًا، فلا مانع في أن نخطو خطوة إيجابية نحو المساواة والعدالة الإجتماعية. لأن هذا هو السبب الذي دفع بالبلدان المتقدمة نحو الحداثة.

لم ولن تؤدي الحساسية المفرطة غير المبررة منطقياً والتعصب الديني إلى أي شئ سوى ما نحن عليه من حروب وتفرقة، ووجودنا كمثليين ليس ظاهرة جديدة لأننا موجودون بالفعل، ونعمل وندرس ونعيش في السودان.

كاذب هو من يدعي أنه لم يسمع عن مثليين في عائلته، أو بين أقربائه، أو جيرانه، أو من له بهم صلة. كاذب من لم يسمع بوجود العديد من المثليين في الوسط الفني والسياسي. المثلي قد يكون أقرب أقربائك، زميلك في المدرسة أو الجامعة، أو أحد أفراد أسرتك.

أعطونا الأمان والثقة، ولتنظر؛ وستتعجب كيف أنك قد كنت محاطاً بمثليين طوال عمرك. كفانا نفاقا وجبنا وظلما، فلنرفع العقول المدفونة تحت الثرى ولنواجه الواقع والحقائق.

المثليون ينجذبون لبعضهم البعض، فأي ضرر يتسبب به ذلك للغيريين!؟

سؤال 2: هل تعتقد أن للمناهج الدراسية دورا في ما يعيشه المثليون في السودان؟

بالطبع، تحتاج المناهج الدراسية لتحسين فوري وعاجل جداً مما هي عليه من سوء إلى مناهج تعتمد العلم المحايد (غير المؤطر بالدين) والتقنية كوسيلة.

أعتقد أن النظام الأفضل هو نظام تعليمي يأخذ الحقائق والإحصائيات بجدية، ويعطي الأولوية للموهبة والقدرات الفردية، وليس بنظام ينتقي ما يدعم السلطة ويزيد من نفوذها. المجتمعات المتقدمة هي التي استفادت من تنوع قدرات أفرادها وهم من أسهموا في تكوينها.

نحن بحاجة ماسة لقراءة عادلة للتاريخ والأنثروبولوجيا. علينا أن نتعلم ونعلم الأجيال القادمة أنه لا توجد امتيازات لأي فرد بسبب دينه أو عرقه أو مركزه الإجتماعي أو جندره.

سؤال 3: متى كانت أول مرة وقفت فيها أمام المرآة وقلت لنفسك ”نعم، أنا مثلي“؟

لم يكن لدي شك في مثليتي، فعلى امتداد ذاكرتي كان انجذابي لنفس جنسي، ولكن كنت أعاني أكثر في التكيف مع المجتمع الذي فرض عليّ التظاهر بأنني غيري حتى أحظى بالأمان، وبالطبع لم تكن فترة سهلة.

سؤال 4: كيف كان انطباعك عن المثليين قبل أن تستطيع تحديد من تكون؟

لطالما أثار إعجابي من امتلكوا الشجاعة وسعوا لكسر الحواجز للوصول إلى غايتهم، سراً ودون أن أخبر أحدا، كنت من المعجبين بمشاهير عالميين مثل ”إيلين ديجينيريس“، و”توم هانكس“ و”جورج مايكل“.

للأسف الشديد، لم أعلم بوجود مثليين عرب ومسلمين ممن كسروا حاجز الصمت وتحدوا التزمّت والجهل.

سؤال 5: كنت قد كتبت منشورا في اليوم العالمي للمرأة تعتذر فيه لأختك عن تعديك عليها بالضرب قديما، هل هذا يعني أنك كنت ذكوريا أم المجتمع الذي كنت محاطا بأفراده هو من أجبرك على ذلك؟

لم يكن الحجاب وخروج المرأة من المنزل يوماً من الأشياء التي أؤمن بها تماما، لأن الإلتزام بهما موجه للنساء فقط، بينما ينعم الرجال بكامل الحرية في اللبس والخروج من المنزل متى ما شاؤوا.

تفسيري لذلك الموقف المؤلم والسخيف أنه حدث في فترة لم أكن أجرؤ فيها على مخالفة النفوذ الذكوري في مجتمعنا، واضطررت أن أثبت فحولتي وشرقيّتي بـ”ضرب أختي“؛ التي تكبُرني سنّا، لأنها خرجت من المنزل بلا إذن مني.

فعلت ذلك حتى لا يقال عني ديوث، وحتى أظهر بصورة ذلك الرجل الغيور على عرضه. فعلةٌ أندم عليها وتؤرقني حتى اليوم، حتى بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاما.

سؤال 6: ماذا كان يدور في ذهنك حينما قررت أن تهاجر إلى النرويج؟

كنت أحلم بحياة لا زيف ولا نفاق فيها، حياة بلا أقنعة وكذب وتمثيل، حياة أمتلك فيها قراري وأعبر عن أفكاري ورغباتي بصورة طبيعية لا عواقب وخيمة تنتج عنها، فقد أثقل قناع الرجل الغيري كاهلي ونال ما نال من صحتي النفسية والجسدية.

كنت أحلم بمجتمع عادل لا أصنّف فيه وفقاً لأعضائي وميولي الجنسية، كنت أحلم بأن أدرس الفن التشكيلي وأن أمارس مهنتي في مجتمع يُقدَّر ويدعم الفنون وإختلاف الثقافات، ويستمع بأذن صاغية للفنانين ويأخذهم على محمل الجد.

وفٌرت لي النرويج كل ما حلمت به يوما، فازدادت رغبتي واندفاعي في الحياة، وبعد ثمان سنوات فقط كنت قد تخرجت من واحدة من أفضل عشر أكاديميات للفنون عالمياً بدرجة الماجستير. وكان لي عظيم الشرف أن كُرّمت في الآونة الأخيرة بوِسام ”بطل أوسلو“ الذي يُمنح للشباب ذوي التأثير الإيجابي في المجتمع، حدث هذا في نفس الوقت الذي ينقُم فيه المجتمع السوداني وجودي، ويعتبر المثليين معضلة وسخطا من الله.

سؤال 7: هل كان هنالك أحد يعلم بتوجهك الجنسي قبل إعلانك عنه؟ وكيف كان الدعم بعده؟

أكاد أجزم أن الكثيرين ممن كانوا حولي في السودان كانوا على علم بذلك، ولكن نظراً لالتزامي دينياً وطبيعة شخصيتي المتحفظة، ولأن المثلية أمر مكروه ومنبوذ كان الأمر شبه مستبعد للكثيرين؛ في اعتقادي.

كثيراً ما أشار أصدقائي وأفراد عائلتي لاختلاف شخصيتي واهتماماتي البعيدة عن غيري من الأطفال والأصدقاء. منهم من حاول ”تصحيح“ ذلك بإجباري على الرضوخ وتقمُّص أسلوب ذكوري أرعن، ومنهم من نعتني علناً بالمثلية نظراً لأسلوبي العاطفي والمخالف لما هو متوقع مِن الأطفال الذكور من خشونة وصلابة في التعامل.

كانت من أعظم وأجمل المفاجآت وقت إعلاني عن مثليتي هو ردة الفعل الإيجابية من العشرات من السودانيين، من كلا الجنسين، ومن مختلف الفئات العمرية من داخل السودان وخارجه.

لم يهدأ صندوق رسائلي في وسائل التواصل الإجتماعية لقرابة شهر من استقبال رسائل الدعم والتعاطف، وبالطبع كان هناك القليل ممن لم يكن سعيداً بأنني عبثت بسمعة ورفعة شرف الشخصية السودانية.

سؤال 8: هل ندمت في لحظة ما على إعلانك لميولك؟ إذا كانت الإجابة بنعم فما كان السبب؟

إطلاقا! أحسب نفسي واعياً ومتأنياً في اتخاذ قراراتي، ودائماً ما أميل نحو اتخاذ القرارات السليمة، ولكن قرار إعلاني عن مثليتي له النصيب الأكبر في تغيير حياتي للأفضل وتسليم زمام أمور حياتي لنفسي، فهو قرار أعاد لي شخصيتي المسلوبة وأعطاني إحساسا بكمالي كإنسان.

قرار لم أندم عليه حتى ولو لجزء من الثانية.

سؤال 9: تعرضت للإعتداء الجسدي في النرويج، ما انطباعك عن الحادثة؟

المتنمرون والتُعساء موجودون في كل مكان؛ بما في ذلك أوسلو، فيوجد القليل منهم على الرغم من انفتاح المجتمع فكرياً.

كانت تلك الحادثة كمثابة تذكير لي أن هنالك من يتعرضون لهذا النوع من المعاملة يومياً، وأنه يجب أن أدافع عن حقي وحريتي حتى ولو كان ثمن ذلك أن أتصدى لمجموعة من الشباب المستقويين بعدديتهم بينما كنت وحيداً. حقي في حريتي لن يسلبه مني أياً كان، حتى وإن تعرضت للإعتداء الجسدي أو أكثر من ذلك.

وكانت هذه الحادثة أيضاً تذكيراً لي بأن أستمتع بحياتي كما أريد وألا أتوقف يوماً على أن أكون على طبيعتي، حتى اللحظة التي أفارق فيها هذه الحياة.

سؤال 10: كيف كانت حياتك في السودان؟ وما كان رد فعل أصدقائك السودانيين بعد أن عرفوا بأنك مثلي؟

كانت حياتي عادية جداً، كمثل غيري من الشباب، كنت أقضي وقتي بين الدراسة والخروج مع أصدقائي، وكانت تستهويني الحفلات والغناء والرقص، ولكن بين الحين والآخر كان يتسلل إلى قلبي إحساس بالإكتئاب والوحدة لعدم إنتمائي كلياً للمجتمع الذي كنت فيه، بالإضافة لإيماني أن المثلية غضب وابتلاء من الله وبكل ما يُتداول من تُرهات تنادي بقتل المثليين في ذلك الوقت.

كنت وحيداً، وخائفاً ومتردداً جداً.

في بعض الأحيان؛ وفي نوبات الإكتئاب، كنت أفكر جديا بالإختفاء من هذه الحياة والإنتحار، وكم أنا سعيد الآن أني لم أفعل ذلك.

لم أجرؤ يوماً على الإعتراف لأحد من أصدقائي بأنني مثلي خوفاً من أن أُنبذ، وهذا تماماً ما حدث لي مع البعض منهم عندما أعلنت عن مثليتي، فإعلاني كان بمثابة مصفاة لمعرفة من هو الصديق الحق ومن هو الصديق الذي يصادقك بشروط إن زال أحدها يوما ما إنقلب عليك، وأصبح عدوا لك.

سؤال 11: رسالة تريد إيصالها لكل مثلي ومثلية في السودان؟

  • أنت/أنتِ أهل لكل أنواع الحب والإهتمام والحياة الكريمة.
  • أنتِ/أنت لست بظاهرة جديدة سيئة أو سخط من الله.
  • إهتم/إهتمي بصحتك وتفوقك الدراسي وصادقِْ من يستحق صداقتك.
  • هناك من يهتم لأمرك حتى وإن لم تصادف أحدا منهم حتى الآن.
  • كل شي يسير نحو الأفضل، أقول ذلك واثقاً وعن تجربة شخصية.

سؤال 12: قررت أن تعلن عن مثليتك، فهل كان قرارا شخصيا أم بدعم من أشخاص آخرين؟

كان هذا قرارا شخصيا اتخذته بعد سنوات من التنوير والتفكير. هنا في أوروبا لم أكن بحاجة لإعلان ذلك لأنني أحببت وقوبلت بترحاب من طرف كل من تربطني بهم صلة، فكان من محفزات إعلان مثليتي في مواقع التواصل الإجتماعي هو تلك القيود الناتجة عن إخفاء حقيقتي، كما سئمت من الأسئلة حول موعد زواجي وما إذا كان لي عشيقة أم لا.

أما الدافع الثاني فقد كان نقاشا مع أحد أقاربي على مقطع فيديو قام بنشره، وعلق فيه عن المثليين بكراهية، وختم بأنه ”لا توجد خنازير قذرة في عائلتنا الشريفة“، فأجبت: ”فلتعتبرني أولهم إذا“.

سؤال 13: تتعرض لهجوم من الشباب السودانيين بسبب مثليتك، هل تريد أن تخصهم برسالة؟

عندما تكون سعيداً بحياتك، تأكل ما تشاء، وتؤمن أو لا تؤمن بما تشاء، وترتدي ما تشاء، وتُحب من تشاء، فالتدخل في حياة غيرك قد يكون أدنى إهتماماتك. أتمنى لهم من كل قلبي السعادة والإستقرار النفسي.

سؤال 14: أنت حاليا فنان، ما نوع الفن الذي تمارسه؟

غالباً ما يتم تعريفي كفنان متعدد التخصصات، فقد كانت دراستي في أكاديمية الفنون من أجمل المغامرات وأكثرها تنوعا، فقبل أن أبدأ مشواري الأكاديمي كنت أرسم وألوّن كثيراً. تخصصي الأول هو النحت، ولكنني درست أيضا الطباعة الفنية، وفن الأداء، وتصميم المجوهرات، والتصوير الفوتوغرافي، وتصميم الأنسجة، بالإضافة لدورة تكوينية في تصميم الأزياء في باريس.

سؤال 15: بالرغم من كونك تحديت العادات والتقاليد لكنك ما تزال متمسكا بالتراث السوداني، ما هو السبب؟

ليست كل العادات والتقاليد سلبية ومضرة، ومن دواعي التحضر أن ننظر بعين ناقدة لموروثاتنا وأن نتناول ونعالج كل ما فيه خلل بالنسبة للزمان الذي نعيش فيه، فكل ما يتعلق بصحة الإنسان وحياته مثلاً يجب تغييره فوراً، وخير أمثلة على ذلك ختان الإناث (الخفاض) ورهاب المثلية، وتزويج القاصرات.

التراث السوداني دائماً ما كان من اهتماماتي ومن أهم مصادر إلهامي كفنان. أعتز جداً بسودانيتي، وبأنني مثلي ولن يستطيع أحد أن يغير ذلك.

Ahmed Umar

صورة: Ahmed Umar

سؤال 16: قد تسمع أشخاصا يقولون أن المثليين يعيشون حياتهم أفضل من الغيريين، أي أنك تستطيع أخذ رجل معك إلى المنزل، لكنك لا تستطيع أن تصطحب فتاة. ما رأيك في هذا التفكير؟

يحزنني هذا الهوس الجنسي في مجتمعنا الذي يدعي كذباً الفضيلة والتديّن، المثلية الجنسية هو أن تكون عواطف الإنجذاب والحب متجهة نحو فرد من نفس الجنس، فما يحدث بين بالغين في غرفة نومهم ليس من شأن أي أحد، ولا يصح التدخل فيه وأن يكون موضعاً للنقاش.

المثلية الجنسية في مصر:

أثارت الصورة التي انتشرت في الآونة الأخيرة لبعض الشباب المصريين وهم يرفعون علم المثلية حفيظة الشعب المصري بصورة غير متوقعة، فالشباب الذين قاموا برفع العلم بذاتهم لم يتوقعوا أن تثير قطعة قماش ملونة كل هذه البلبلة الإعلامية.

قال أحد أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر أن المثلية تتعارض مع الدينين المسيحي والإسلامي، وأنهم أيدوا القرار الذي اتخذته مصر عام 2014 برفض بعض توصيات المجلس الدولي لحقوق الإنسان، من بينها حقوق المثليين، وعندما سئل عن قرار حبس بعض الشباب الذين قاموا برفع العلم أجاب بأن موقفهم من المثلية واضح ولا تراجع فيه حسب موقع ”اليوم السابع“.

وبشأن هذا، تحدثت إلى ”داليا الفغال“ في حوار خاص لموقع دخلك بتعرف، وهي شابة مصرية أعلنت عبر صفحتها على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك أنها ارتبطت بصديقتها وقام والدها بتهنئتها، إلا أن ذلك بالطبع لم يمر مرور الكرام فأصبحت شخصية معروفة بالنسبة للمجتمع العربي بعد أن انتشر خبر ارتباطها بصديقتها، وتلقت ووالدها تهديدات بالقتل وانتشرت عنها شائعات مثل كونها عميلة وغير مصرية، وأنها ولدت خارج مصر وبالتالي لم تتربى على قيم المجتمع المصري، لكنها ردت على ذلك من خلال مقطع فيديو نشرته صفحة ”BuzzFeed LGBT“ تحدثت فيه داليا عن التهديدات والشتائم التي وصلتها.

Dalia Alfaghal

داليا الفغال Dalia Alfaghal – صورة: Buzzfeed

سؤال 1: ما هو موقف أسرتك تجاه المثلية الجنسية قبل وبعد إعلانكِ عن ميولك؟

أنا لست على اتصال وثيق مع كامل أفراد أسرتي، إنما على اتصال مع والدي فقط، وبالنسبة لإعلاني عن مثليتي فلم يكن شيئاً جديدا بالنسبة لهم.

لقد قمت بالإعلان عن هويتي منذ سنين، وقام والدي بدعمي، وهو شيء لم أختبره من قبل، فقد كان لديه العديد من الإعتراضات على استقلاليتي وسفري وما إلى ذلك.

سؤال 2: بعض العلمانيين (كأفراد) لديهم مواقف معادية للمثلية، ما تفسيرك لهذا الأمر؟ هل هي علمانية شكلية يريدون بها الوصول لشيء معين؟ أم ما رأيك؟

كون الشخص علمانيا أحيانا لا يلغي كونه ذكوريا أو عنصريا، أو لديه توجهات ومعتقدات خاطئة، فنحن جميعا كبشر مختلفون في الأفكار وطريقة استيعابنا وتطبيقنا لها، وقد نكون متحيزين مجتمعيا أو ثقافيا أو دينيا لبعض المعتقدات التي تتنافى مع مُثُل العلمانية، فكون الشخص علمانيا لا يعني دائما ألا يكون ذكوريا أو يضطهد فئة معينة، فهناك أشخاص يتبنون الفكر العلماني إسما فقط، لكنهم لا يطبقون مبادئها ولا يحترمون حقوق الأفراد بغض النظر عن اللون والعرق والفكر …إلخ.

بالإضافة إلى أن بعضهم يعتبرون أن هنالك قضايا لها أولوية أكثر من حقوق الفرد الشخصية، ولكنه على العكس تماما، فهذا هو صميم القضية أن يكون للفرد حرية التصرف في جسده، فلا ضرر ولا ضرار.

ومفهوم الضرر نفسه مغلوط في ثقافتنا، فالضرر مصطلح مرن جدا في مجتمعنا الذي يتسلط على حرية وحقوق الجميع. أما بالنسبة للتغير فسوف يتطلب الكثير من العمل والتوعية، وقد يصبح التغيير ملحوظا في الأجيال القادمة.

سؤال 3: كيف يمكن أن يؤثر تغيير المناهج الدراسية في طريقة تفكير الأجيال القادمة؟

ليس فقط المناهج التعليمية، أنظر إلى أكثر الوسائل تأثيراً، فالإعلام والسينما عاملان مؤثران للغاية، كما أن لغة الشارع متأثرة بالإعلام وكل ما هو مرئي ومسموع، ولذلك فلنأخذ كل هذا بعين الإعتبار إلى جانب التعليم لأن كل ذلك مهم. لكننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد [أي مرحلة تغيير المناهج الدراسية] حتى نعلم الأطفال كيفية تقبل الآخر، حتى وإن كان مختلفا عما هو سائد.

سؤال 4: قام بعض الأشخاص بنشر صورة لفتاة محجبة وزعموا أنها لك عندما كنت تنتمين لجماعة الإخوان المسلمين. ما قصة هذه الصورة وهل هي بالفعل تخصك؟

نعم، تلك الصورة تخصني وأنا قمت بنشرها بنفسي، فقد كنت أغطي كل جسدي لكني لم أنتمي قط إلى أي جماعات دينية أو أحزاب سياسية.

سؤال 5: حدث لغط في مصر بسبب رفع بعض الشباب لعلم قوس قزح المعبر عن المثلية، ما تعليقك؟

هنالك حالة ذعر عام من كل ما هو مختلف، كما يخدم تحويل هذه القضية إلى قضية رأي عام مصالح النظام الحاكم حاليا خصوصا مع اقتراب فترة الإنتخابات، وما يحدث الآن تعودنا عليه؛ ففي عام 2013 تم القبض على بعض الشباب المثليين بتهمة ”ممارسة الدعارة والفجور“، وهذه هي التهمة الوحيدة التي يمكن توجيهها للشخص المثلي، فلا يوجد قانون في مصر يجرم المثلية لكن كان كل هذا في سبيل مجاراة الرأي العام، وجعل الناس يشعرون بأنهم يرعون الفضيلة ويحرصون على قيم المجتمع.

وكون أفراد المجتمع يحاربون المثلية ويريدون تطهير المجتمع من المثليين لا يعني أنها شيء دخيل، فالمثلية موجودة منذ القدم ومع ذلك فإن هناك حرب شعواء ضدها، لأن للأمر علاقة بثوابت المجتمع والأطر التي يجب أن يلتزم بها.

سؤال 6: يتهمك بعض الأشخاص أنت وكل من قاموا برفع علم المثلية بأنكم ”مأجورون“ لتفسدوا أخلاق المجتمع المصري. كيف تردين؟

في مصر، يتم إتهام كل شخص يدافع عن قضية معينة بأنه مأجور فكثير من الناشطين دفعوا حياتهم ثمنا للدفاع عن قضية يؤمنون بها، أو عن حقوقهم وقيل عنهم أنهم مأجورون.

Dalia Alfaghal

داليا الفغال Dalia Alfaghal – صورة: Buzzfeed

سؤال 7: هل ترين أن ما قام به أولئك الشباب خطوة غير موفقة أم أنها خطوة جريئة وبداية طريق الألف ميل؟

لا أستطيع أن أحكم على شخص بأنه قام بخطوة موفقة أم لا، فلكل شخص الحرية في أن يفعل ما يشاء، وبالطبع ليس من حقي أن أعترض أو أحكم على أفعالهم فما حدث كان حتما سيحدث، وكون هنالك ضغطا كبيرا على هذه الفئة جعله من الضروري أن يقوم أشخاص (سواءً مثليين أو غير مثليين) بالدفاع عنهم لأنهم يرون أنها حرية شخصية، بل وحقوق أساسية من حقوق الفرد.

سؤال 8: هل تعتقدين أن المجتمع يتقبل مثلية الإناث أكثر من مثلية الذكور؟ خاصة وأن بعض الشباب يقولون أنهم يقبلون مشاهدة أفلام إباحية لمثليات، ولا يحتملون مشاهدة المشاهد الخاص بالذكور.

من الصعب أن نحدد هذا الشيء لأن السيدات بشكل عام يتعرضن لعنف ممنهج، فالكل يستتر في عباءة عادات وتقاليد المجتمع، فالذكور إن لم يظهر في سلوكهم أنهم مثليون من السهل أن يجتازوا التصنيف المجتمعي بسبب ”أفضلية الذكور“، لكن قهر النساء مقبول بشكل كبير وليس بالضرورة أن يكون بالحبس، فله أشكال عدة وبطبيعة الحال هذا يجعل المثليات يواجهن اضطهادا مضاعفا لأنهن سيدات أولا، ولأنهن مثليات ثانيا.

فعلى سبيل المثال، عندما أعلنت عن مثليتي تعرضت لكراهية وشتائم وتهديدات كما لو كنت رجلا مثليا، وأنا فتاة لذلك لا نستطيع أن نقول أن المجتمع يتقبل المثليات أكثر من المثليين.

أما بالنسبة للأفلام الإباحية، فالأفلام التي تظهر فيها المثليات لم تصنع من أجل المثليات، إنما لإرضاء الذكور الغيريين فهذا ليس جنس مثليات حقيقي، ولا يعبر عن المثليات.

سؤال 9: رسالة تودين توجيهها للمجتمع المصري بشكل خاص وللمجتمع العربي بشكل عام؟

الرسالة التي أريد أن أوجهها أننا في مجتمعنا أغلب المشاكل التي تواجهنا متعلقة بشكل رئيسي بالكراهية المبنية على الجهل والتضليل من السياسيين، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام.

جمعيات تهتم:

– مبادرة أو جمعية مساحات:

هي جمعية غير حكومية تهتم بشؤون مجتمع الميم في مصر والسودان (LGBTQI community) تأسست قبل عامين بجهود فردية.

– مبادرة بداية:

هي جمعية غير حكومية وغير ربحية تهتم بحقوق مجتمع الميم في مصر والسودان أنشئت منذ ستة أعوام، والتي قادت الكثير من الحملات المناهضة للعنف ضد مجتمع الميم وآخرها حملة #العلم_هزكم بعد الهجوم الأخير على الشباب الذين قاموا برفع علم قوس قزح تعبيرا عن دعمهم لحقوق المثليين. نقول لهم أن العلم هز دولة بكامل مؤسساتها وليس شعبا فقط.

ما تقوم به السلطات المصرية هو أمر لا أخلاقي وانتهاك واضح لحقوق وخصوصيات الشباب المصري، وخرق واضح للمعاهدات الدولية الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للإنسان، فكل هذه السياسات تعبر عن دكتاتورية الدولة المصرية التي يثبتها توجيه جهود قوات أمن الدولة لمراقبة حسابات الأشخاص الإلكترونية، هذه الدولة التي تنقض ما تعتبر طرفا فيه من اتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية

لن يضر المثلي الدولة المصرية أو الشعب المصري أكثر مما سيفعل السياسي الفاسد والطبيب المدلّس الذي يكذب باسم العلم حسب مواقفه الشخصية، أو الإعلامي الرعديد الذي يتنازل عن رأيه الشخصي لصالح رأي الجماعة في الوقت الذي لا يصلح فيه السكوت عن الحق، فكل هؤلاء الذين يحاربون فئة لقلتها سيذهبون إلى مزبلة التاريخ بعد كل أساليب التحريض، والمواقف الجبانة التي اتخذوها خوفا على وظائفهم ومكانتهم الإجتماعية.

عدد القراءات: 31٬670