أقصوصة

ملاك الموت قد أخذ روحي أنا؛ لا روحك أنت

صورة لـNoell Oszvald

في منتصف عمري الضائع الذي قضيت معظمه أتسكع على رصيف المعاكسات والتضاربات، فقدت أمي وأودعت روحها بين أضلاعي المعلقة بين منارات ذاك الرصيف. هناك، تتقاطع الأحلام وتضمحل وتذوب لتصير أوهام وأطياف تطارد وعيي وتتلمس ذاكرتي بمخالبها الرعناء.

في بعض الأوقات أشعر أنني يجب أن أعيش لأكثر من مليون عام كي أبقى وأنال عقابي لأنني لم أكن مكانها في ذلك التابوت. أردت ذكرى أخيرة منها، فأخدت قرطها الذي كانت قد أضاعته ونسيت أن تبحث عنه. الآن أشعر أنها أمست ذكرى لا أكثر؛ والحياة ومتاعبها لم ولن تقصر في حقي.

لم أطأ مثواها منذ أكثر من عشر سنوات، لم يكن لدي الوقت لأذهب إليها وأشكو لها همي وأبكي وأتذكر كيف كانت تعاملني وترعاني، وغيرها من الأمور التي كنت أعتبرها تافهة، لكن الآن أعترف أنها كانت تبني لي مستقبلي البعيد والقريب في آن…

الشعور بالندم يقتلني، أشعر به يحز أوردتي فيذبحني. كم لاقيت في خسارتها من آلام وأتراح! أتوق إلى إخبارها كيف حصلت على شهادتي الجامعية.. أريد أن أخبرها عن طفلي الذي أسميته تيمنا بإسم أخي الذي سكن أحشاءها ولم يذق طعم الحياة.

يا صديقة العمر، لماذا تبدين خجولة؟ دعيني أغفو على كتفك فتحملينني إلى سريري وتسردين لي قصة قبل النوم، لن أنسى قصة الطفل الذي ضاع من أمه وبكى عندما وجدها بكاء شديدا، فمتى أجدك؟!

آه كم أشتاق لعطرك، ولرائحة الطعام الذي كنت تحضرينه. لا تحملي هما… فقد وجدت الآن من يهتم بي، ويحتمل شربي الكثير من القهوة وإدماني على السجائر.
وجدت زوجة ترعاني كما لو كنت طفلا، وقد رزقنا بطفلة ورثت سحر عينيك ونعومة أناملك وهدوءك، وحنانك وابتسامتك…

أمي… كم كانت ابتسامتك تعزي أحزاني، كم كانت ضلوعك دافئة حتى في قر الشتاء وعصفه، لكني الآن لا أشعر بدفء كاف ولو كنت أحترق بلهيب سام.

أتساءل في بعض الأحيان إن كنت قد اشتقت لي، لكنني أتذكر أن ملاك الموت قد أخذ روحي أنا لا روحك! فها أنت تبقين و ها أنا أرحل…

عدد القراءات: 2٬764