in

تعرف على منصب «مُزيل الفضلات»، مهنة مساعد الملك الشخصي، والمسؤول عن تنظيف مؤخرته

لقد كانت هذه المهنة حقيقية في يوم من الأيام، وكان متقلدها يحصل على مزايا ومنافع كبيرة!

في الإنجليزية، يشير مصطلح Groom of the Stool إلى خادم الملك المسؤول عن نقل مرحاضه الشخصي وتنظيفه، ولا تعتقدوا أن تلك وظيفة تافهة أبداً، بل كان الخادم مُزيل الفضلات شخصاً يرغب جميع النبلاء بامتلاكه. فهو مسؤول عن الاعتناء بالملك أثناء استخدام المرحاض، وبذلك، لا يعتني الخادم بحاجات الملك الشخصية فحسب، بل يُعتبر واحداً من معاونيه، وكان على دراية بالكثير من الأسرار الملكية.

ازدهر هذا المنصب بشدة في انجلترا أثناء فترة حكم آل تودور، بل تحوّل إلى منصبٍ يرغب جميع نبلاء إنجلترا بالحصول عليه.

المنصب الرفيع

مرحاض شبيه إلى حد ما بالمرحاض الملكي المتنقل الذي اعتنى به مزيل الفضلات. صورة: Wikimedia Commons
مرحاض شبيه إلى حد ما بالمرحاض الملكي المتنقل الذي اعتنى به مزيل الفضلات. صورة: Wikimedia Commons

في أوائل القرن السادس عشر في انجلترا، كان مرحاض ملوك انجلترا فاخراً جداً، فالكرسي مغطى بقماش من المخمل، وقابل للنقل والتحريك، واحتوى أسفل الكرسي على وعاءٍ مغلق ضمن صندوق خشبي.

يبدو أن الملوك لم يحبوا أداء شيء بدون الاعتماد على مساعدين، حتى في أمورهم الخاصة جداً. فمنذ أوائل القرن السادس عشر وحتى القرن السابع عشر، عيّن الملوك الإنجليز والبريطانيون نبلاء محظوظين في منصب «مزيل الفضلات»، تلك الوظيفة الفخمة والراقية، على عكس محتواها المقرف.

بالطبع، لم تكن تلك الوظيفة مماثلة لأعوان الملك الآخرين الموجودين في البلاط الملكي، لكنها وظيفة مفيدة جداً: ففي كل يوم يقرر الملك فيه قضاء حاجته، على كرسيه المغطى بالمخمل، كان يكشف الكثير من الأسرار والأمور الخاصة الأخرى، ومن سيسمعها سوى خادمه، مزيل الفضلات، وهو بالتالي من سيقدم المشورة للملك، ولو بشكل غير رسمي.

لم يكن المنصب بداية في هذه الأهمية، حيث يشير (تريسي بورمان) في كتابه «الحياة الخاصة لآل تودور»، هذه الوظيفة. موضحاً أن أول ذكر لـ «مزيل الفضلات» أو Groom of the Stool كان عام 1497، عن طريق أمر مكتوب أُرسل لـ (هيو دينيس)، وطُلب منه جلب «مرحاض مغطى بالمخمل والشرائط الحريرية، وحوضين من القصدير، وأربع ياردات عريضة من القماش الأصفر الداكن» لصنع المرحاض الملكي. يشير (بورمان) أيضاً إلى تعليمات من أجل صنع هذا المرحاض، مكتوبة في «كتاب التنشئة» من عام 1452، جاءت فيها التعليمات على هيئة كلام مسجوع.

خلال عهد الملك (هنري الثامن) في أوائل القرن السادس عشر، حصل أقرب الرجال في البلاط للملك على تلك الوظيفة، وغالباً ما كانوا يعملون ضمن مجموعة. أي تسكع النبلاء واللوردات مع الملك في حجرته الخاصة، وتصرفوا وكأنهم مستشاروا الملك عندما كان الأخير يقضي حاجته. لاحقاً، حتى خلال عهد الملك (هنري الثامن)، كان الملوك يعينون شخصاً واحداً لأداء هذه المهمة، فكان عليه السفر مع الملك برفقة المرحاض المتنقل إذا أراد الملك الذهاب في رحلة ما. أما الملوك في المنفى، فحُرموا من هذه الميزة، لكنهم كانوا يوظفون خدماً لمساعدتهم في حجرة نومهم الخاصة بشكل عام.

كان مزيل الفضلات مسؤولاً على جميع نشاطات وعلاقات الملك في حجرته الخاصة، والغرف الأخرى الخاصة بالملك أيضاً: فكان مسؤولاً مثلاً على إلباس الملك أفضل الثياب، ومساعدته في الحمام وترتيب سريره، حتى أن مزيل الفضلات كان مسؤولاً عن أمور الملك المالية. كتب (نورمان) أن مزيلي الفضلات، في بعض الأحيان، تمكنوا أيضاً من إنفاق مال الملك الخاص على أمورهم الشخصية.

قبل أن تصبح مسألة الحمام والمرحاض أمراً شخصياً يقوم به المرء لوحده، كان الملوك محاطين بالخدم والمسؤولين عن عنايتهم. بالمناسبة، أبقى بعض الملوك خدمهم في غرفٍ أكثر سرية وخصوصية عن الأخرى.

في المقابل، كان رجال البلاط يخافون من خدم الملك المسؤولين عن تنظيف برازه، فهؤلاء على علمٍ بأمور سرية عن السياسة والعلاقات الشخصية للملك، وفوق ذلك، بوسعهم التأثير عليه بمجرد الكلام. فعلى سبيل المثال، مُنح السير (أنثوني ديني)، مزيل فضلات الملك (هنري الثامن)، مسؤولية ختم الملك الخاص، أي كان بإمكان السير (ديني) التوقيع على أي وثائق يريدها لأنه يملك ختم الملك.

كتبت (لوسي ورسلي) في مؤلفها «لو باستطاعة الجدران الكلام» أن خدم الملك عموماً احتفظوا بمفتاح ذهبي خاص مربوط بشريط أزرق، ولم توجد أي نسخ أخرى عن هذا المفتاح، فهو مصمم لفتح أبواب غرف الملك الخاصة. من الواضح أيضاً أن هؤلاء الخدم افتخروا جداً بمنصبهم والرموز الممنوحة لهم (مثل المفتاح)، وغالباً ما تحدثوا عن وظيفتهم أمام الآخرين. لكن على الرغم من ذلك، لم يكن منصبهم مماثلاً لمنصب مزيل فضلات الملك.

انتشرت فكرة مزيل الفضلات خارج انجلترا أيضاً، فهذا المرحاض مماثلٌ جداً لمرحاض فرانتز جوزيف امبراطور النمسا. صورة: Fine Art Images/Heritage Images/Getty Images

في أوائل القرن السابع عشر، كان السير (توماس إرسكين) رئيس صغار الحرس، وجمع بين هذا المنصب ومنصب مزيل فضلات الملك، الذي كان حينها (جيمس الأول). وفقاً لما كتب (كيث براون) في كتابه عن سلطة النبلاء في اسكوتلندا، فمنصب مزيل الفضلات منح (إرسكين) تأثيراً كبيراً على سلطة الملك وقراراته.

تورط مزيلوا الفضلات هؤلاء في مجالات أخرى من الصراعات السياسية، فمثلاً، دخل السير (هنري نوريس)، مزيل فضلات الملك (هنري الثامن)، في خلاف سياسي مع الملكة (آن بولين)، فانتهت حياتها عندما أُعدمت مع والدها عقب غضب زوجها الملك منها. ووفقاً لـ (ورسلي)، كان الملك (جيمس الأول)، وخليفته (تشارلز الأول)، معتمدين بشكل هائل على نصح وإرشاد مزيل الفضلات الخاص بهما، لدرجة أن النقاشات السياسية التي كانت تجري بين الملك وخادمه ساهمت في إشعال الحرب الأهلية الإنجليزية في القرن السابع عشر.

لاحظت (مورين والر) أن الملكات لم يحبذن توظيف أناسٍ في هذا المنصب الملكي، على الرغم من أن مزيل الفضلات قد يمنحهن مزيداً من السلطة. لكن في القرن السادس عشر، عيّنت الملكة (إليزابيث الأولى) سيدة تدعى (كاثرين آشلي) في هذا المنصب، وكانت الأخيرة رئيسة سيدات الحجرة الخاصة، والتزمت أيضاً بعملها: فكانت تذهب كل يومٍ إلى غرفة الملك الخاصة وتساعدها في الاستحمام وغسيل شعرها. في عصرنا الحالي، فلنقن منذ عام 2006، غالباً ما تقوم الملكة (إليزابيث الثانية) بالاستحمام لوحدها، وفقاً لما أوردته (والر).

رفاق الملوك

الملك هنري الثامن
الملك هنري الثامن، الذي عيّن أغلب أصدقائه في هذا المنصب، جميعهم كانوا من الفرسان. صورة: Wikimedia Commons

تحوّل منصب مزيل الفضلات إلى منصب مهم وبارزٍ جداً خلال عهد آل تودور. فالملك (هنري الثامن) مثلاً، اختار أشخاصاً لشغل هذا المنصب بناءً على مزاجه الخاص قبل كل شيء –فغالباً ما كان هؤلاء من أصدقاء الملك أو شخصيات بارزة من المجتمع ونبيلة. كان الملك الشاب يتصرف في كثير من الأحيان مثل رئيس أخوية في الجامعات والمدارس مثلاً، فكان مزيل الفضلات شخصاً ذا سلطة كبيرة، ويحاول الجميع نيل رضاه.

كان (هيو دينيس) واحداً من أشهر مزيلي فضلات الملك (هنري الثامن)، فكان (دينيس) متزوجاً من عائلة أرستقراطية ذات تأثير كبير على طبقة النبلاء، وتمتع بمزايا كونه أقدم عضوٍ من بين أفراد حاشية الملك.

ولأنهم تمتعوا بسلطة كبيرة، فأصبحوا محط غيرة النبلاء الآخرين. ففي إحدى المرات مثلاً، أوضح أحد الدوقات المنزعجين من الملك، فقال أن الأخير يفضل إعطاء أراضيه ومناصبه وأمواله للفتية بدلاً من النبلاء.

بحلول الفترة التي استولى فيها آل ستوارت على العرش البريطاني خلفاً لآل تودور، ازدادت أهمية منصب مزيل الفضلات لدرجة غير معقولة، إذ يُقال أن الحرب الأهلية الانجليزية اندلعت لسبب إضافي آخر، وهو منصب مزيل الفضلات.

خلال عهد آل ستوارت، طرأت تغييرات طفيفة على منصب مزيل الفضلات، فأصبح يُدعى رسمياً Groom of the Stool، بينما تشير كلمة Stool إلى الفضلات، فهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Stola والتي تعني الثياب، ما يشير إلى أن مزيل الفضلات تدخل أيضاً في ملابس الملك وليس فقط حمامه أو مرحاضه. لكن على الرغم من ذلك، بقيت مهام المرحاض والحمام التقليدية الوظيفة الرئيسة لهذا المنصب.

أسماء شهيرة عملت في منصب مزيل الفضلات

أول إيرل لهولاند، مزيل فضلات الملك تشارلز الأول حتى عام 1643. صورة: Wikimedia Commons

تنوعت واختلفت درجات تأثير مزيل الفضلات على الملك والمجتمع وفقاً لشخصية الرجل الذي شغل هذا المنصب. فمثلاً، امتلك السير (أنثوني ديني) مفتاحاً خاصاً من الذهب معلقاً بشريطة زرقاء، بإمكان هذا المفتاح فتح أو إقفال غرف وحجرات الملك (هنري الثامن) الشخصية والخاصة. كان لـ (ديني) أيضاً قدرة على استخدام ختم الملك الشخصي، أي بإمكانه وضع التوقيع الملكي على أي وثيقة، أي بإمكانه الإمضاء باسم الملك.

في المقابل، لم يكن جميع هؤلاء الرجال الذين شغلوا منصب مزيل الفضلات على نفس القدر من الأهمية. فلنأخذ مثلاً (هنري نوريس)، الذي كان حليفاً سياسياً لـ (آن بولين)، والذي لاقى مصيراً سيئاً مثل حليفته الملكة، ألا وهو الموت بالإعدام.

أخيراً، كان آخر مزيل فضلات هو (جيمس هاملتون)، وهو من خدم أمير ويلز. أُلغي هذا المنصب عندما أصبح أمير ويلز ملكاً، وهو الملك (إدوارد السابع)، وهو الجد الأكبر للملكة (إليزابيث الثانية)، ملكة بريطانيا حالياً.

ساره تشرشل
ساره تشرشل، صديقة الملكة آن بولين، وربما كانت مزيلة الفضلات الخاصة بها. صورة: Wikimedia Commons

بالمناسبة، تحدثنا سابقاً أن هذا المنصب لم يكن حكراً على الرجال فقط. فمثلاً، استعانت الملكة (إليزابيث الأولى) بالسيدة المسؤولة عن حجرة نومها، وألقت على عاتقها مهمة الاستحمام وتسريح الشعر. هناك أيضاً الليدي (ساره تشرشل)، التي كانت صديقة الملك (آن) الحميمة، والتي يُقال أيضاً أنها كانت خادمتها.

وهناك أمرٌ آخر أيضاً، وهو أن المنصب لم يكن حكراً على الإنجليز. فتشير وثائقٌ من أواخر القرن السادس عشر إلى أن منصب مزيل الفضلات كان شائعاً أيضاً في فرنسا.

نجد إذاً أن هذا المنصب المقرف كان حلم الكثير والكثير من النبلاء، الذين رغبوا بالجلوس مع الملك والاختلاء به وتمرير مخططاتهم الخاصة. لكن السياسة ليست الدافع الوحيد، بل كان لهذه الوظيفة عنصر روحي نوعاً ما… فباعتبار أن الملك هو شخصية مختارة من طرف الرب، لذا مساعدة الملك في أموره تنظيف نفسه أشبه بالاعتناء بالله. كما أن الاتصال الذي ينشأ بين الملك ومزيل الفضلات، والناجم عن حاجة طبيعية للإنسان، بالتالي كانت هذه العلاقة حميمة نوعاً ما، بل مقدسة في نظر البعض حينها. وفي النهاية، حينما يُحاط الملك بطبقة من النبلاء والمستشارين، لدى جميعهم مطامح سياسية خفية، فعلى الأرجح أن يضع ثقته بالرجل الذي يمسح مؤخرته…