أقصوصة

كانت تتوق إلى رؤيتي وأن أخرج إلى العالم، وأنمو أمام عينيها

لوحة زيتية لامرأة حامل
لوحة من رسم Amanda Greavette

أستطيع أن أجزم أني موجود، إلا أنني غير مدرِك في أي مكان أتواجد أو في أي زمن أدركت أنني موجود. فقط، أكثر ما أعرفه هو أني أمكث، منذ مدة لم أستوعبها بعد، في قرار دافيء ومريح يبعث على شعور متكامل من التناغم الحسي المتسامي؛ حتى لا أعرف كيف أصبحتُ هنا، بل لا أعرف لمَ أشعر بالحب والحنان الذي يكنه لي هذا المكان؟

يلف هذا المكان نوع من الهدوء اللذيذ الذي يمنحني نوعا من التركيز واستنباط الأفكار؛ وقد أصبحت قادرا على التفكير وفهم أبعاد تواجدي دون حتى أن أعلم متى بدأت هذه العملية، ثم إني أشعر كما لو أن اتصالا من نوع غريب يربطني مع كينونة أخرى؛ كينونة أقدر على الفهم والتفكير مثلي، بل لها خبرة متألقة وجوارح جياشة أستطيع التواصل من خلالها معها.

الأرجح أن الصلة وثيقة بيننا وشديدة، فتقلب مزاجها بين أحاسيس مختلفة يصيبني بالعدوى الشديدة؛ فعندما تكون سعيدة ومبتهجة فإنني أبتهج بطلاقة وأجرب سعادة لا توصف ولا تقدر الكلمات على وصفها، وبالمقابل عندما تحزن أو يصيبها الإحباط الشديد فإنني أشعر بالغم والكآبة لدرجة يضيق بي هذا المقام الذي يلفني فأشعر بالاختناق وانحسار المعنى المميز للحياة!

إن تدفق هذه المشاعر المتقلبة يجعلني أتساءل: ما الحياة التي تعيشها هذه الكينونة مما يدفعها إلى خوض تجربة هذه الأحاسيس ما بين سعادة وغمّ، يتخللها الخواء والسؤم في لحظات بعينها، والخوف في لحظات أخرى، بالإضافة إلى البغض والكراهية في أحيان متجاوزة؟ إلا أنني لا أفهم مشاعر الكراهية هذه، لأنني لا أدري مَن هذا الذي في محل هذا الشعور، أو ما الدافع الذي جعلها تتفاعل مع هذا الموقف المتكهرب؟

أقول، إن الخبرة المتوفرة لهذه الكينونة منحنتي فكرة بسيطة على أن المكان الذي يحتويني ليس كل شيء في هذه الحياة؛ تواجدي رهن هذه الكينونة، وكأنها هي الواجهة المركزية لخوض الحياة نيابة عني! ثم إن هذه الفكرة جعلتني أستنبط، بناءً على جوهر الفكرة المنبعثة من هذه الكينونة، أنني كائن ضعيف مستلَّب.

لكن الفضول والتوق إلى المعرفة حريّ بجعلي أفكر في نوعية هذه الحياة التي تجابهها الكينونة؛ كيف تبدو؟ كيف يمكن أن أكون قاصرا عن بلوغها؟ ما جدوى أن أمكث في مأوى مريح هنا بينما هناك من يدفع عني تفاعلات الحياة المتقلبة؟ ولعل سيطرة هذه التساؤلات عليّ وتوقي المتزايد دفعني إلى أن أركل بقدمي بتبرم هذا المأوى الذي يحاصرني؛ بيدَ أن حدثاً عجيبا حصل، نبع فجأة شعور البهجة من طرف الكينونة وكأنها طربت لهذا الفعل، سمعت وشوشة عميقة وكأنها محادثة تجري في مكان بعيد، ثم شعرت بتربيتة حنونة كانت كافية لأن أعلم أنها ليست صادرة من الكينونة نفسها، وكأنما غريبا من طرف ثاني صار على تواصل معي الآن.

في الواقع، شعرت بدفء التماس المحدَّث من هذا الغريب، وأدركت سريعا مدى الحب الذي يكنه لي هو الآخر؛ وبواسطة هذا التماس شعرت بصلة من نوع ما تربطني به. في الأخير، هدأت لِوهدته وسرعان ما داعبني النوم.

غالبا ما كانت النبضات التي أتلقاها من الكينونة هادئة ورتيبة لدرجة لا أعلم كيف يمكن لي أن أعيش بدونها، حتى في لحظات الخمول الفكري بيننا تشكل هذه النبضات تواصلا دائما معها. كما أن طراوة المرقد والتنفس الرتيب النابع من ملَّكة الحياة التي تستمدها الكينونة جعلا هذا المثوى مهدا رائقا لدرجة كبيرة يصعب عليّ تخيل فراقه، أو بشكل آخر تخيل نفسي في مكان آخر مختلف! إلا أنني أجزم أن الحياة الخارجية يجب أن تُعاش، ولو كان القرار بيدي لاخترت الانتقال إلى ذلك الحياة التي تعيشها الكينونة حتى أروي فضولي ومن ثم أعود إلى هذا المثوى المريح.

في الواقع، أخبرتني الكينونة في تواصل فكري أنها تتوق إلى رؤيتي، كانت تود لو أخرج إلى العالم الخارجي وأنمو أمام عينيها. لا أعلم ماذا تقصد بالنمو، لكنها رغبت في أن تتلمسني وتحضنني! بيدَ أن فكرة مخيفة استنبطتها من هذا التواصل السريع وهو أنني سأنفصل يوما ما عن الكينونة التي واجهت تفاعلات الحياة نيابة عني.

أرعبتني هذه الفكرة بقدر ما اشتقت إلى خوض الحياة منفصلا عنها؛ أن أعرف، أن أفهم، أن أجيب عن تساؤلاتي، أن أنمو حسب زعمها. ما الذي يمكن أن يحصل إذن؟ سأنتظر أن يحين الوقت.

لم يدوم هذا التمني طويلا، إذ بعد فترة طويلة حصل طاريء قلب كل شيء إلى الأسوء؛ كنت نائما عندما صحوت على وشوشة رغم أنها بدّت بعيدة إلا أنها كانت عنيفة. كان مزاج الكينونة عصبيا وغاضبا، ومع كل انفعال كان يُرتَّج عليَّ؛ بات العالم صاخبا وأخذت أذناي تلتقط بعض جوانب ما بدى أنه حديث مُفضي إلى شجار.

أزعجني هذا وتغير مزاجي بما يتلاءم مع عصبية الكينونة، إلا أن صوت الطرف الآخر كان مألوفا بما خزنته ذاكرتي طوال المدة التي أقامتها هنا، إذ كان هو الطرف الثاني الذي تواصل معي بقدر أن شعرت بمدى حبه المكنون تجاهي، لكنه كان عصبيا هو الآخر، وهذا ما استشفيته من نبرة صوته المرتفعة. أنئذ شعرت بالحيرة؛ لمَ يتشاجر طرفان كلاهما يحبانني، أو بالأحرى لمَ هذا التفاعل المتكهرب المثير للتقزز؟

تصاعدت الحيرة إلى أقصى دراجاتها لما انبثق بغضٌ شديد من أعمق مشاعر الكينونة تجاه الطرف الآخر؛ فإن كان يحبني فـلمَ هي تكرهه؟ ما السبب الذي دفع إلى تخبط المشاعر هذا؟ بيدَ أن مشاعر البغض انتقلت إليّ أنا أيضا؛ فـما إن كانت الكينونة هي التي تحبني وتروم بي وتتوق إلى رؤيتي، تحولت هذه الأحاسيس الرائعة إلى شعور مقيت بات يخنقني؛ فقد جرحتني أفكار بذرت في ذهنها مؤدها أنها لم تعد تعبأ بي، وأن وجودي بات ثقيلا عليها، وأن الحياة التي وهبتني إياه كان فعلا خاطئا تصدره الندم.

كانت هذه الأفكار من الجسارة والعنفوان الانفعالي أن صدمتني؛ هذه الأفكار ولدت شعورا متناميا من نكران الوجود! أي حياة سافلة سأخرج إليها؟ كيف يمكن أن أنمو أمام كينونة ندِمت ذات يوم على حملي؟

ضاق بي هذا المجثم وأخذ يخنقني، ولعل ثقل وجودي أخذ يدفعني إلى الأسفل. تغيرت حالة الكينونة من الكره الخالص إلى الألم والهلع، إلا أن شعور الخيانة المتعاظم أرغمني على قطع أي صلة بهذه الكينونة؛ الانفصال الحتمي، ولا بد أن يحدث.

صرخت الكينونة واستشرى الوجع العظيم في حوضها، وكم سررت لمدى الألم الذي أسببه لها؛ كان انتقاما، ولا بد لها أن تتجرع نفس السقم التي تجرعته أنا من خيانتها لي. أخذ رأسي ينزلق ببطء عبر جوف ضيق، ورغم أنه يشكل ضغطا عنيفا عليّ إلا أنني سأستجلي المعرفة أخيرا، كما سيصبح بإمكاني الانفصال وخوض تفاعلات الحياة بنفسي.

ثم، ولا أعرف حتى كيف، ومتى طال الوضع حتى قُذفت إلى الخارج..

كان العالم الخارجي قاسيا وخاويا، كما كان باردا كانعدام وهج الحرارة الأزلي، مشعا بضوء مُقتحِم لا يعبأ بالاستئذان، بينما كان النفس الأول من الهواء حارقا يغلي بنهم لتمزيق جسدي؛ هل هذه هي الحياة؟ هل هذا هو الانفصال؟

نظرت بعين الدهشة إلى أول رؤية لي في هذا العالم! كنت أتطلع إلى كائن غريب بدى أضخم مني، مسربل بثياب خضراء، وقد فهمت من ملامحه وعينيه متقدتين أنه يفحصني.

– إنه لا يبكي، لكنه على ما يرام.

– هل هذا طبيعي يا دكتور؟

– هناك حالات عدة لعدم بكاء الأطفال بعد الولادة.. اطمئنا، كل علاماته الحيوية على ما يرام.

شعرت بأنني أفقد ترابط الصلات كما لم أعد أستوعب تفاصيل ما يجري، إلا أنني صرت موقنا أن هذه الحياة إنما تدهور مستمر بعد الولادة نحو الموت! خطرت هذه الفكرة في ذهني سرعان ما تلاشت حين داهمني شعور متفاقم من الحاجة لم أستوعب ماهيتها، هنا لم يكن من بد سوى البكاء. وعندما لقموني ثديًا هاج في ذاكرتي أني أعرف صاحبتها منذ زمن بعيد، بيدَ أن ذكرى مشوشة لم تسنح لي بمعرفة متكاملة يقينًا، لذا لم أهتم كثيرا وشرعت في الرضع بنهم حتى أروي حاجتي.

عدد القراءات: 2٬780