in

من أي متجر نبتاع الرب؟

الإيمان بالله أو بأكثر من إله أو حتى عبادة الشيطان، الإيمان في جوهره هو شعور لا يحتاج إلى مبررات ويؤثر على أفعال الناس، كل شخص بما آمن به، أليس كذلك؟ أعني أنه حتى ولو لم تشهد أي معجزات أو تجزم لك أدلة علمية وفلسفية ومنطقية على وجود إلهك، فإن كنت أحد هؤلاء المؤمنين فلن تحتاج إلى كل تلك الأمور طالما هذا الشعور المُريح يجول داخل أعماق روحك، تلك الروح التي تؤمن أيضًا بأنها موجودة بالفعل عن طريق ذات الشعور الذي قدم إليك نشوة الإيمان بأن هناك قوة عظمى تتبع لها وتدين لها بالولاء، وهي قوة الرب مثلًا.

الشعور ببساطة يعني أنك تؤمن بوجود كذا وكذا، وسواء استطعت إثبات ذلك أو لا فلا بأس؛ أنت تشعر بأن ما تؤمن به صحيح تمامًا، وكذلك تشعر بالشفقة على من لا يشعرون بهذا الشعور المُدهش مثلك، وتنظر بحسرة على كل الآخرين الذين خانتهم مشاعرهم ووجهتهم نحو شعور آخر مزيف.. يا لهم من حمقى غير محظوظين.

مسجد وكنيسة

لا أحاول هنا أن أثبت لك وجود إله أو أنفي هذا أو أخبرك قصة مقتله على يد (نيتشه)، أو أستعيذ به لطرد تلك الحوارات السخيفة التي تنال من عظمته من عقلك، ولكن فقط أريد منك أن تتفحص جيدًا تلك ”الكلمة“ التي بسببها قُتل الملايين من البشر في الحروب الدينية، وإن كنت تؤمن بقصة الرُبان نوح فأنت تؤمن أن الأرض قد غرقت بمن فيها يومًا ما لأن قاطنيها لم يخضعوا لنفس تلك ”الكلمة“، وشُتت ملايين آخرون لأن ”كلمتهم“ كانت مزيفة حينما قاموا بتحريفها، وأُعدم الآلاف لأنهم رفضوا هذه ”الكلمة“ أو كفروا بها من بعدها..

الكلمة هي ”الإيمان“.. أليست كلمة مهيبة اهتزت الأرض بشعوبها في معظم المرات التي قيلت فيها واختلف إثنان على طبيعتها؟

ما الضرر إن آمنت بالله ثم مت ولم أجده؟ لا شيء.. في الواقع لن أعرف أصلا بأنه لم يوجد لأنني سأكون في عدم حينها، فيما سأكون في نعيم جمّ إن آمنت به ووجدته، ولكن الضرر بالغ إن أنت لم تؤمن بالله ثم مت ووجدته بالفعل، هكذا كان يسير رهان (باسكال)، وفيما ذهب الكثيرون لنقد الرهان من ناحية أن (باسكال) سطّح الأمور بعدما غض البصر عن آلاف الاحتمالات الأخرى المتعلقة بأن يكون إله آخر في انتظارك غير إلهك الذي آمنت به على سبيل المثال، وجدت نفسي أذهب إلى ناحية أخرى وزاوية نقد أكثر وضوحًا من وجهة نظري:

ها أنا أقوم بالنظر إلى تلك الكلمة ”آمنت“، غير مصدق أن الناس يستخدمونها كفعل يقوم به الإنسان عن عمد، يجب أن تؤمن، آمن تؤجر، آمن تسلم، لماذا لا تؤمن؟ هل تتحدثون بجدية؟ هل تطلبون من أحدهم أن يشعر بشيء ما؟ هل يُمكنني أن أطلب منك أن تحبني مثلًا وأنت لا تحمل لي هذا الشعور؟ هل يُمكنك تغيير مشاعر البغض في نفس رجل شب على كراهية والده الذي اعتاد تعذيبه طفلًا وتجعلها مشاعر حب وامتنان ببساطة؟

الجنة والنار

بما أن الأمر يتعلق أولًا وأخيرًا بالشعور، إذا فلا يُمكنك مطالبة أحدهم به، ولا يصح أن تعاقبه لأنه لا يستطيع الشعور بهذا الشيء المسمى بالإيمان، حتى ولو نطق ما تبغيه ”لا إله إلا الله“ أو ”تمجد اسم يسوع“ أو ”ترانيم شيفا وكريشنا“، كل ذلك لا يعني شيئاً إن لم يكن حقًا يشعر به، وإذا كنت تهدف إلى جعله يكرر تلك الجُمل حتى تصبح عادة لديه، وحينها ربما يظن أن تلك هي مشاعره الحقيقية بعد المرات العديدة التي تفوه فيها بتلك الجملة، فهذا يسمى بالوهم يا عزيزي وليس الإيمان.

أمر آخر يجب أن تفكر فيه كثيرًا عند الحديث عن الإيمان: المشاعر تُكتسب عن طريق؛ إما التجربة الحقيقية مثل أن تخشى النار لأنك شاهدتها تحرق شيئاً ما، أو عن طريق قوة لا دخل لك بطريقة عملها بشكل مادي مثل الوقوع في الحب، خاصة وإن كنت تحب الشخص الخطأ، إذا فالطريق إلى الإيمان الحقيقي، الإيمان الذي يقتحم العقل دون رجعة، إما سيكون بسبب تجربة حقيقية كأن تشهد معجزة ما واضحة لا لبس فيها، أو أن تؤمن لأن قوة لا دخل لك بعملها وضعت بداخلك مشاعر الإيمان، وهذه تحديدًا مهمة الرب إذا أراد أن يؤمن به أحدهم.

لذا فالعدالة تقول بأن من لم يؤمن فلا يجب أن يُعاقب، لا عقوبة دنيوية ولا إلهية، وإلا فإن ذلك يُعد تجنياً على شخص لا حول له ولا قوة، فقط لأنه لم يستطع الشعور بشيء ما، فيما يفر المتسبب الحقيقي في تلك الأزمة هاربًا، وأقصد هنا الرب الذي يمتلك –وفقًا لنظرة المؤمنين– أن يهدي من يشاء إلى طريق الإيمان به.

في النهاية، سيبقى الإيمان مجرد شعور لا يستطيع أحدهم أن يذهب إلى متجر لشرائه أو أن يرتديه صباح كل يوم، وأن تعتقد بأنه يجب أن توجد طريقة ما لردع غير المؤمنين، بالحبس أو الفناء أو بئس المصير، لهو اعتقاد سخيف ينم على أنك لم تفهم من الأساس ما هو معنى الإيمان.. وإلا فلتُشر لغير المؤمنين على هذا المتجر الذي يستطيعون أن يبتاعوا منه رباً يؤمنون به فورًا.

جاري التحميل…

0