اجتماعيات

التقدم الاجتماعي والرغبة بالقتال لأجل الوطن، هل من رابط؟

القتال لأجل الوطن

أنا لا أتناول هنا الرغبة بالقتال بحد ذاتها، والتي تنخفض بطبيعة الحال كلما ازداد مستوى التقدم الاجتماعي لمجتمع ما، لكن الموضوع هنا هو القتال لأجل الوطن، وهو واحد من أكثر المفاهيم التي تستخدم كمرادف لمصطلح ”الوطنية“، وهنا فالارتباط بين التقدم الاجتماعي والميل للكون ”وطنياً“ ليس واضحاً تماماً ولم يتم تأكيده أو نفيه بعد.

ما هي الوطنية؟

تعرف الوطنية بأنها اتصال قوي بموطن ما (جغرافي عادةً) حيث يمكن النظر لهذا الاتصال بكونه إثنياً (عرقياً) أو ثقافياً أو سياسياً، لكن المشترك عادة هو أن ”الوطني“ هو من لا يمانع التضحية لخدمة وطنه (أياً كان مفهوم الوطن هنا) وبالتالي فهو مستعد لخدمته أو القتال لأجله.

مع كون الوطنية مفهوم مبهمٌ للغاية، فالإحساس الوطني ينبع عادة لأسباب متعددة تختلف باختلاف البلدان، فبينما تأتي الوطنية الأمريكية مثلاً من مصدر اجتماعي ثقافي، والوطنية الألمانية خلال النصف الأول للقرن العشرين كانت تأتي من مصدر إثني (عرقي)، والوطنيات العربية غالباً ما تكون نواتج لمزيج بين القبلية والدين الذي يعد ديناً قومياً إلى حد بعيد، حيث يغيب التوحد العرقي أو الاندماج الثقافي للفئات المتعددة في المجتمعات العربية.

واحد من أهم المؤثرات على ”الوطنية“ هو الوقت، فبينما كان الألمان واليابانيون مثلاً متمسكين بأوطانهم بقوة خلال الحرب العالمية الثانية، فاليوم يعد البلدان من أقل البلدان التي يرغب مواطنوها بالتضحية أو القتال لأجلها، عل الرغم من كونها من أعلى البلدان في مستوى الحياة والخدمات على عكس وضعها السابق.

الوطنية والاشتراكية

يعد الرابط بين الوطنية والاشتراكية متغيراً بشكل كبير وفقاً للفلسفة الاشتراكية المتبعة، فبينما الماركسيون لا تعنيهم الأوطان كون ”العمال لا وطن لهم“؛ فالفلسفة الستالينية والماوية تتضمن ما يسمى بالوطنية الاشتراكية والتي ترتكز على نظرية الاشتراكية في بلد واحد.

العالم الثالث والحرب

عند النظر إلى إحصائيات WIN Gallup العالمية فيما يخص رغبة الأشخاص بالقتال لأجل أوطانهم، فمن الملحوظ أن هذه الرغبة تبدو وكأنها تتناسب عكسياً؛ جزئياً على الأقل، مع مستوى التقدم الاجتماعي للبلدان، فبينما تتصدر بلدان المغرب وفيجي وباكستان وفيتنام قائمة الدول الـ64 المشمولة بالإحصاء، فهي تقع في مراتب متأخرة للغاية في تقارير البطالة والتنمية الاجتماعية والفساد والشفافية. بالمقابل فالبلدان التي تقع في الطليعة في التنمية الاجتماعية والتقدم العلمي تأتي في مراتب متأخرة عند الحديث عن رغبة المواطنين بالقتال لأجل أوطانهم، فـ11% من اليابانيين و15% من الهولنديين قالوا أنهم سيفعلون ذلك مقابل 89% من الباكستانيين و76% من الأفغان.

التقدم الاجتماعي والرغبة بالقتال لأجل الوطن

التقدم الاجتماعي والرغبة بالقتال لأجل الوطن

التقدم الاجتماعي والرغبة بالقتال لأجل الوطن

بطبيعة الحال فالترابط الظاهري لا يعني السببية بالضرورة، لكن كون الرغبة بالقتال والتقدم الاجتماعي يقعان في أماكن متقاربة من حيث المسببات والدوافع المحتملة فوجود رابط بين التقدم الاجتماعي وتناقص ”الوطنية“ أمر ممكن للغاية، خصوصاً مع كون العالم اليوم في أدنى مستويات الوطنية والقبلية بعد عقود وقرون من التطور الاجتماعي الذي ربما قد يكون السبب في ذلك.

تنويه: مع كون الإحصائية أجريت على عينة لا تتجاوز 62,398 شخصاً في 64 دولة فهي لا تعبر بدقة كاملة عن التوجه المجتمعي للبلدان المذكورة بالدراسة وإن كانت تعطي نظرة تقريبية لذلك، هذا يعني أن الاستنتاجات التي تبنى على هذه الإحصائية تبقى في قيد التخمين والتحليل ولا يمكن التأكد منها بعد.

عدد القراءات: 3٬880