in

مدينة جنيف السويسرية تؤنث إشارات المرور لتشجع على المساواة الجندرية

منذ 100 سنة وأكثر، لم يكن للنساء –على الأقل في المجتمع الغربي –دورٌ كبير، ولم تحظ المرأة بالمساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع الرجال. كان عالمنا، ولا يزال حتى الآن في بعض المناطق، عالماً ذكورياً بامتياز. ولكن حتى مع حدوث تغيرات اجتماعية كبيرة أعطت المرأة الكثير من الحقوق، لا تستطيع أي دولة في العالم الادعاء بأنها حققت المساواة الجندرية بشكل تام وعادل.

صورة: ville_de_geneve

منحت سويسرا المرأة حقها في الاقتراع عام 1971، وكانت بذلك إحدى أواخر الدول الأوروبية التي تحذو حذو نيوزيلاندا التي كانت أول دولة تمنح المرأة حقها في الاقتراع، وذلك قبل قرون من الزمن. لكن كأي قانون في العالم، ما يُكتب على الورق لا يُنفذ على أكمل وجه، حتى في سويسرا.

صورة: ville_de_geneve

فعلى سبيل المثال، تكسب النساء السويسريات أقل بنحو 20 بالمئة مما يكسبه الرجال، وتعج وسائل الإعلام السويسرية بالإضرابات النسائية المطالبة بتقليص الفجوة الهائلة في الأجور بين الرجال والنساء، بالإضافة أيضاً إلى أمور أخرى كالحد من العنف والمزيد من الاعتراف بحقوق المرأة.

يبدو أيضاً أن الحكومة السويسرية مهتمة بهذا الموضوع، وتحديداً مدينة جنيف التي قامت بإزالة نصف الإشارات المرورية والتحذيرية واستبدلتها بنسخ أخرى ”أنثوية“.

على مر التاريخ، كان الرجال يصممون الأماكن العامة ويبنوها، بالتالي، احتوت جميع الإشارات واللوافت الطرقية على شخصيات يجسدها رجال، فلنأخذ مثلاً لافتة أعمال الحفريات، التي تحوي رجلاً يجرف الرمل. هل لاحظتم في بلدكم لافتة تحوي امرأة؟ بالطبع سيكون الجواب هو لا.

صورة: ville_de_geneve

وباعتبار أن هذه اللافتات ”ذكورية“، حتى تلك اللافتات المحايدة مثل لافتة عبور الشارع، قررت الحكومة أن تزيل نصفها وتستبدلها بلافتات أخرى عليها صور نساء. فنصبت الحكومة 250 لافتة تحوي أشكال نساء في جميع معابر المشاة في مدينة جنيف، ثاني أكبر مدينة في سويسرا.

تحدثت عمدة المدينة (ساندرين ساليرنو) في مؤتمر صحفي التالي: ”أدى الحضور النمطي للافتات التي تجسد ذكوراً في الأماكن العامة، تحديداً لافتات المرور، إلى خلق فكرة لدى بعض الناس، خاصة النساء وبالإضافة إلى أقليات أخرى، مفادها أن هؤلاء لا ينتمون إلى المدينة كباقي الناس“.

صورة: ville_de_geneve

يهدف هذا المشروع الرائد، الذي تم بالتعاون مع مديرية البنية التحتية في مقاطعة جنيف، إلى زيادة الوعي تجاه المساواة والتنوع، ومحاربة الصور النمطية عن طريق زيادة بروز وحضور المرأة في الأماكن العامة. وهذا المشروع جزء فقط من استراتيجية أكبر للمدينة من أجل محاربة عدم المساواة بين الرجال والنساء، واضطهاد مجتمع الميم LGBTQ.

قُدرت التكلفة الأولى لهذا المشروع بـ 56 ألف فرنك سويسري (ما يعادل 52 ألف يورو). أما الخطوة التالية من أجل تعزيز المساواة الجندرية فهي تأنيث أسماء الشوارع التي تحمل أسماءً ذكورية في مدينة جنيف.

صورة: ville_de_geneve

لا تظهر هذه اللافتات والإشارات الطرقية المساواة بين الرجال والنساء فحسب، بل تحتفي بالتنوع أيضاً. فهناك اللافتات التي تجسد امرأة حبلى وأخرى عليها صورة امرأة طاعنة في السن ممسكة بعكاز، وهناك ثنائي مثلي وسيدة أفريقية أمريكية. على أي حال، لم يتم الإعلان عن أي تغييرات ستطرأ على اللافتات الذكورية، بينما قالت (ساليرنو) أن الذكور لن يتم إقصاؤهم أيضاً.

لكن، هل ستساهم هذه اللافتات الجديدة في توجيه المجتمع نحو المسار السليم فيما يخص المساواة؟ يتحدث الجميع عن المساواة الجندرية، لكن الموضوع يبقى حساساً. فكل فعل يسهم في قضية المساواة، تحديداً عندما تمتزج الأمور الاجتماعية بالقرارات السياسية، يصبح محل جدل وتدقيق وتمحيص: والسبب هو الشعرة الرفيعة التي تفصل بين النسوية والنسوية الزائفة.

صورة: Keystone

أشعلت هذه الأخبار نقاشاً حامياً على الإنترنت، حيث دعم بعض الناس الخطوة الإيجابية تلك، بينما أشار بعضهم الآخر إلى الأخطاء والعيوب التي تشوب هذا المشروع، وانتقدوا الطريقة التي يتم التعامل بها مع موضوع المساواة.

وفوق ذلك، ذكر بعض الناس التنميط الذي مارسته الحكومة في جنيف، فجميع اللافتات تصور النساء مرتديات ثوباً وحذاءً بكعب عالٍ، وتلك صورة نمطية واضحة عما يجب أن تكون عليه النساء. وانتقد البعض أيضاً التصميم الغريب والمبهم للشخصيات في اللافتات، والتي يجب أن تكون أكثر تعقيداً كي توضح التنوع الذي تحدثت عنه الحكومة.

صورة: ville_de_geneve

وصل الأمر ببعض الناس إلى اتهام الحكومة المحلية بتبذير المال العام ومحاولة كسب رضا الناس بطرق سهلة عبر ”الإسهام في المساواة“ بدلاً من اتخاذ إجراءات جدية لتحقيق وضمان المساواة على أرض الواقع، وليس عن طريق الرسومات فقط.

فقال حساب باسم Lukewarm5: ”لا أفهم تماماً الجهود التي بذلتها الحكومة. ما الخطأ في رسم الإنسان الذي كان موضوعاً على اللافتات؟ لماذا علينا أن نكون دقيقين ونمثّل أشخاصاً بعينهم؟“. قال شخص آخر: ”أليس ذلك نوعاً من الاعتراف بأن الشكل الطبيعي للإنسان هو على هيئة ذكر؟ لا ينبغي لهذه الرسومات أن تمثل جنساً أو جندراً بعينه. يبدو أن المسؤولين أنفسهم يعانون من مشاكل في جنسانيتهم“.

اعتبر شخص آخر أن هذه الفكرة لم تكن مهمة وضرورية من الأساس، فقال: ”أعجبتني نية الحكومة، لكن ليس بالضرورة أن تجسد تلك الشخصيات على اللافتات ذكوراً أو رجالاً. فهي مجرد تمثيل بصري لأي كائن بشري. ومن المفترض بها أن تكون عالمية وليست مخصصة لنوع معين من الناس. برأيي أن هذا يجعل اللافتة مشوشة، لأن الإنسان في العادة يفترض وجود سبب وراء تلك الرسومات على اللافتات حتى تمثل نوعاً معيناً من البشر“.

لم تكن بعض الردود حيادية مثل تلك، بل جاءت غاضبة ومستاءة من فكرة هذا المشروع ككل. حيث قال حساب باسم lorin_fortuna: ”إذاً، وفقاً لمنطق هؤلاء، جميع النساء يرتدين التنانير، إلا إذا كانت المرأة حبلى؟ عن أي تنوعٍ تتحدثون؟ ماذا لو كان الشخص مجرد ذكر بدين وبشعر طويل؟ أتطلع حقاً لرؤية كيف ستمثلون الأقليات الإثنية، لن يكون ذلك ممتعاً“.

وقال آخر: ”لا أستطيع حقاً وصف غباء هذه الفكرة. إذا كان علينا تقبل ذلك، فلنرفع أيها الرجال صوتنا ونطالب بتمثيلنا أيضاً برسومات واقعية مثلما هو الحال عند النساء“.

تقول السلطات في المدينة أن تلك مجرد خطوة صغيرة ضمن مشروع كبير لإحداث تغيير اجتماعي تجاه المساواة في الأماكن العامة، وتشجيع المدن الأخرى لاتخاذ الخطوات ذاتها. يقول مستشار الدولة المسؤول عن البنية التحتية (سيرغي دال بوسكو): ”نميل نحو إحداث تغيير ضروري في عقلية الناس فيما يخص المساواة في جميع جوانب مجتمعنا: إظهار التنوع على اللافتات ليس بالأمر السخيف، إنه حجر الأساس، وهو إسهام واضح وصريح في سبيل اتخاذ خطوات عالمية من أجل تحقيق المساواة“.

وبصرف النظر عما إذا كان الرجال غير ممثلين بشكل واضح كما النساء… هل تعتقدون أن هذا المشروع حقاً يساهم في قضية المساواة؟ أخبرونا آرائكم في التعليقات!