اجتماعيات

هل يحرض الإسلام على التعصب؟

تفاصيل من لوحة تظهر النبي وعلي والصحابة في مذبحة أسرى قبيلة بني قريظة (ويكيميديا)

هل دين الإسلام (والمقصود هنا الإسلام السني التقليدي) دين متسامح بطبيعته؟ يعتقد الكثير من المسلمين وحتى غير المسلمين ذلك بالفعل، مشيرين عادة إلى وفرة الآيات السلمية في القرآن كدليل واضح على طبيعة الإسلام المتسامحة، وحين يتم ذكر الآيات القرآنية التي تبدو عليها صفة التعصب، يصرّ المدافعون في كثير من الأحيان أن مثل هذه الآيات قد تم ”تفسيرها بشكل خاطئ“ أو أنها لا تنطبق إلا في سياق اجتماعي تاريخي محدد (كزمن محمد على سبيل المثال).

لهذا، وفي سبيل الإجابة على سؤال: ”هل دين الإسلام متسامح بطبيعته؟“ سوف أقوم في هذا المقال بدراسة النصوص والتقاليد الإسلامية الجوهرية، بما في ذلك القرآن والحديث الصحيح والفقه، وبناءً على تلك النصوص سيكون من الممكن تحديد ما إن كان الإسلام بشكل عام هو دين تسامح أو دين تعصب، وخاصةً فيما يتعلق بالأقليات غير المسلمة.

كما نعلم جميعًا، فإن مصدر الإسلام اللاهوتي والأخلاقي والاجتماعي والتشريعي الأول والأساسي هو (كما يعتبره المسلمون) كلمة الله غير القابلة للجدل أو النقاش أو التحريف، ألا وهي المتمثلة في القرآن، لهذا، دعونا نلقي نظرة على الآية الخامسة من سورة التوبة، والملقبة بآية السيف:

{فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} – التوبة 5

إن الآية واضحة تمامًا في نصها: إما أن يعتنق المشركون الإسلام أو أن يموتوا؛ يدّعي بعض المدافعين أن الآية اللاحقة (الآية 6) تنص على بند يسمح للمشركين بالخلاص من هذا المصير المظلم: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}، إلا أن هذا المنظور يتجاهل المعنى السياقي لهذه الآية، والذي وضحه المفسر الإسلامي الشهير جلال الدين السيوطي في تفسير الجلالين:

{وَإِنْ أَحَد مِنْ الْمُشْرِكِينَ} مَرْفُوع بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ {اسْتَجَارَك} اسْتَأْمَنَك مِنْ الْقَتْل {فَأَجِرْهُ} أَمِّنْهُ {حَتَّى يَسْمَع كَلَام اللَّه} الْقُرْآن {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنه} وَهُوَ دَار قَوْمه إنْ لَمْ يُؤْمِن لِيَنْظُر فِي أَمْره {ذَلِكَ} الْمَذْكُور {بِأَنَّهُمْ قَوْم لَا يَعْلَمُونَ} دِين اللَّه فَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْ سَمَاع الْقُرْآن لِيَعْلَمُوا.

وعليه، فإن هذه الآية لا تعفي المشركين من إنذار ”الإسلام أو الموت“ الموجود في الآية الخامسة، وإنما يعطي المشركين فرصة ”لسماع كلمات الله“ والنظر في الإسلام قبل مواجهة ذلك الإنذار النهائي، وهذا ما أكده المفسر والمعلق الشهير ابن كثير الذي أوضح أن هذا الأمر الإلهي عبارة عن أمر عام لكل المسلمين أن يقتلوا المشركين: ”حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أَيْ مِنَ الْأَرْضِ وَهَذَا عَامٌّ“، وبناءً على ذلك أن يهاجم المسلمون المشركين في كل موضع وكل طريق ”حَتَّى تُضَيِّقُوا عَلَيْهِمُ الْوَاسِعَ وَتَضْطَرُّوهُمْ إِلَى الْقَتْلِ أَوِ الْإِسْلَامِ“.

وهذا هو في الواقع الموقف المعياري في العقيدة الإسلامية التقليدية تجاه المشركين، وفقًا للغالبية العظمى من علماء المسلمين، ابتداءً بابن عباس (618 – 687) ”لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وَلَا ذِمَّةٌ مُنْذُ نَزَلَتْ بَرَاءَةُ“، ومرورًا بالعديد من أعلام العقيدة عبر الزمن، من بينهم:

الضحاك بن مزاحم (غير معروف – 723): ”إِنَّهَا نَسَخَتْ كُلَّ عَهْدٍ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أحد من المشركين وكل عقد وَكُلَّ مُدَّةٍ“.

– وابن حزم (994 – 1064)، الذي ذكر مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة قال فيها: ”نسخ الكل بقوله عز وجل: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في سورة التوبة“، بما فيها الآية المشهورة من سورة البقرة {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

والقرطبي (1214 – 1273): ”قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ […] وَاعْلَمْ أَنَّ مُطْلَقَ قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} يَقْتَضِي جَوَازَ قَتْلِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ“.

وابن جزي الكلبي (1294 – 1340): ”ونقدِّم هنا ما جاء من نسخ مسالمة الكفّار والعفو عنهم […] ليُغني ذلك عن تكراره في مواضعه، فإنّه وقع منه في القرآن مائة آية وأربع عشرة آية من أربع وخمسين آية […] نسخ ذلك كله: {اقتلوا المشركين} و{كتب عليكم القتال}“.

والسيوطي (1445 – 1505): ”كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الصَّفْحِ عَنِ الْكُفَّارِ وَالتَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ وَالْكَفِّ عَنْهُمْ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَهِيَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} الآية نَسَخَتْ مِائَةً وَأَرْبَعًا وَعِشْرِينَ آيَةً.“

وبالطبع، كما أوضحت أعلاه، ابن كثير (1300 – 1373) أيضا.

إن آية السيف، كما يروي معظم علماء المسلمين، عبارة عن دعوة شاملة لجميع المسلمين وإلى آخر الدهر تنسخ في أعقابها جميع الآيات المسالمة التي سبقتها، وتعلن الجهاد الدموي ضد ”الوثنيين“ و”المشركين“ أينما كانوا وإلى الأبد.

لا تقتصر هذه المشاعر العدائية تجاه غير المسلمين على القرآن فقط (والذي يصف المشركين كذلك بالنجس – التوبة 28) والشرك بشكل عام بأنها خطية لا تُغفر (نوح 48 و116)، فقد ورد في الصحيحين الحديث القائل: ”أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم.“

وقد كان محمد مسؤولًا كذلك عن تدمير الأوثان المقدسة لدى المشركين في مكة، وقد أمر أتباعه بقتل جميع المشركين من الذكور البالغين، كما ورد في الحديث في سنن أبي داود: ”حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ’اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ“‘. ومع أن الألباني قام بتضعيف هذا الحديث، إلا أن مثل هذه العقلية الدموية تعد مألوفة في السيرة النبوية الصحيحة، كما ورد عن أحداث مجزرة بني قريظة في البداية والنهاية لابن كثير وغيره من المصادر.

تفاصيل من لوحة تظهر النبي وعلي والصحابة في مذبحة أسرى قبيلة بني قريظة (ويكيميديا)

تفاصيل من لوحة تظهر النبي وعلي والصحابة في مذبحة أسرى قبيلة بني قريظة (ويكيميديا)

ولعل أفضل تطبيق عملي لهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية هو الاحتلال الغزنوي للهند في أواخر القرن العاشر، بقيادة أمير الحرب التركي أبي منصور سبکتگین (942 – 997) وابنه محمود بن سبکتگین (971 – 1030) من بعده، فوفقًا للمؤرخ المسلم المعاصر محمد بن عبد الجبار العتبي (غير معروف – 1036)، كان احتلال سبکتگین لولاية (لغمان) –لمغان تاريخيًا– الهندوسية مصحوبًا بحمام دم حقيقي، كما وصفه في كتابه الشهير، ”اليميني“:

وقصد لمغان وهي كورة بحصانة الأطراف، وغزارة الإخلاف مشهورة، فافتتحها عنوة واقتدارًا، وأضرم بعضها على الكفّار نارًا، وهدم بيوت الأصنام، وأقام فيها شعار الإسلام، ومضى عنها قدما يفتتح البلاد، ويقتل الأنجاس والأوغاد، حتى أذلّ المشركين، وشفى صدور قوم مؤمنين. ولمّا أرمى على الغاية في النكاية، وأربى على قدر الإمكان في الإثخان، وبردت يده وأيدي أوليائه بما يغمر العدّ والحدّ من كرائم الأموال وغنائم تلك البلاد، عطف الأعنّة وراءه، كريم الظفر، [حميد الأثر]، ميمون الورد والصدر. وتطايرت كتبه إلى الآفاق بذكر ما فتح الله للإسلام على يده.

ورافقت مستوياتٌ مماثلة من العنف والدم الغزواتِ الإسلامية اللاحقة ضد الهند الوثنية بقيادة سبکتگین الابن، الذي غزا الهند مرارًا وتكرارًا ونهب وسلب ”ما فات حدّ الإحصاء، وجاز جهد الحصر والاستقصاء“، فقد أطلق محمود سبعة عشر غارة كهذه إلى الهند، ساحقًا معه عبادة الأوثان وتعدد الآلهة وكل من اعتنق هذه المعتقدات، وعندما غزا مدينة بهاتيا (بهاطية)، على سبيل المثال، ”أقام ببهاطية إلى أن طهّرها من أنجاس أولئك الأرجاس، وأدناس أولئك الأنكاس، ونصب بها من يعلّم حملة الدين سنن الإسلام، ويبين لهم طرق الحلال والحرام.“

وتلألأت متون القواضب، تلألؤ برق الغيم جنح الغياهب، وفارت ينابيع الدماء كما فاضت مجاديح الأنواء. وتكاثر أولياء الله على جماهير المدابير، يؤزّونهم أزّا، ويحثونهم رقصا وجمزا، فلم ينتصف النهار إلا بانتصاف المسلمين من أعداء الله المشركين، وحكّموا السيوف في زهاء خمسة آلاف رجل، فبسطوهم على العراء، وأطعموهم سباع الأرض وطيور الهواء.

محمود سبکتگین يستلم ثوب الشرف من الخليفة العباسي القادر بالله تقديرًا لجهوده سنة 1000. لوحة توضيحية تعود إلى القرن الرابع عشر من كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني (ويكيميديا)

محمود سبکتگین يستلم ثوب الشرف من الخليفة العباسي القادر بالله تقديرًا لجهوده سنة 1000. لوحة توضيحية تعود إلى القرن الرابع عشر من كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني (ويكيميديا)

في حين أن الوثنيين والمشركين ومتعددي الآلهة هم في عداد الموتى في أعين الإسلام، فإن اليهود والمسيحيين (”أهل الكتاب“) في وضع أقل خطورة بعض الشيء، إذ يشرح عالم الإسلام الفرنسي (دانيال غيماريه) في نصه عن الشرك في دائرة المعارف الإسلامية (المرجع الأكاديمي الأساسي في مجال الدراسات الإسلامية في العالم) موقف الإسلام من الشرك بدقة:

إن الشرك أسوأ أشكال الكفر، والجزاء الذي يجب أن يطبق في الدنيا على المشرك هو ما ورد في الآية الخامسة من سورة التوبة (آية السيف): الموت، وهذا إن لم يتحولوا للإسلام. في حين أن ”أهل الكتاب“، من ناحيتهم، سمح لهم بالحفاظ على دينهم دون الوثنيين مقابل أدائهم الجزية (التوبة، الآية 29).

كما يشير (غيماريه)، فإن القرآن (التوبة 29) يأمر أتباعه بقتال وإخضاع ”أهل الكتاب“ (المسيحيين واليهود) بحيث لا راحة لهم من هذا الاعتداء إلا بعدما يخضعون أذلاء (وَهُمْ صَاغِرُونَ) ويدفعون ضريبة دينهم، الجزية. وقد عُرف اليهود والمسيحيون في ظل الخلافة الإسلامية بمصطلح ”أهل الذمة“ وكان يُسمح لهم بحقوق الإقامة بشرط دفع الجزية؛ ونظرًا لوضعهم كغير مسلمين، تم استبعاد الذميين من عدة مهام مخصصة للمسلمين دونهم، ولم يتمتعوا بحقوق سياسية واجتماعية معينة محفوظة للمسلمين، بما في ذلك أي مناصب حكومية.

بالإضافة إلى ذلك، في حين أنه يمكن للمسلم أن يتزوج امرأة ذمية، لا يحق للذمي الزواج من امرأة مسلمة. وبالمثل، لا يمكن للذمي أن يمتلك عبدًا مسلمًا، في حين أمكن للمسلم أن يمتلك عبدًا ذميًا. كما في القانون الجنائي، حياة الذمي غالبًا ما تقيّم بنصف قيمة حياة المسلم (فديّته في أغلب الأحيان نصف ديّة المسلم). في عالم اليوم، لا يمكن وصف أوضاع الذميين في ظل الخلافة الإسلامية إلا بكونهم مواطنين من الدرجة الثانية.

قد يأتي بعض المدافعين الآن ليقولوا أن الجزية هي ببساطة بديل غير المسلم عن الزكاة، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين الزكاة وشروطها، وبين الجزية، مما يجعل منهما كيانين منفصلين كل منهما مخصص للدرجة ”المناسبة“ من المواطنين، ففي أيام محمد كان سعر الجزية دينارًا واحدًا فرضت على ذميي مكة والمدينة وخيبر واليمن ونجران بغض النظر عن مقدرة الذمي المالية أو مقدار ثرائه أو فقره. وعلى عكس الزكاة، لم يكن هناك مبلغ أو نسبة ثابتة للجزية، وعليه كانت معدلات قيمة الجزية تتفاوت إلى حد كبير — ففي حالة مسيحيي عُمان على سبيل المثال، وثّق البطريرك يشوعيهب الثالث (580 – 659) أنهم: ”اضطروا إلى التنازل عن نصف ممتلكاتهم من أجل البقاء مسيحيين“.

وبالمثل، فرضت ضريبة أخرى على أهل الذمة على وجه الخصوص، ألا وهي ضريبة الخراج (خراج الصلح)، أو ضريبة الأراضي الزراعية، والتي وصل مقدارها في كثير من الأحيان إلى نصف عائد الأرض سنويًا، وعليه فإن الإجحاف في هذا القانون واضح، بينما يكتفي المسلم بدفع 2.5٪ من رأسماله فقط.

في مقابل تكلف عناء دفع الجزية والخراج، سمحت الخلافة الإسلامية لأهل الذمة بالاحتفاظ بدينهم وممارسة شعائره بشكل سري ودون ”إهانة المسلمين“، ولم يُسمح لهم كذلك بالتبشير لدينهم، أو بناء دور عبادة جديدة أو حتى إصلاح ما تضرر منها، كما ورد في العهدة العمرية، التي يعتبرها الكثير من المسلمين قمة في التسامح والعدالة، بينما هي في الحقيقة قمة في الإجحاف والظلم.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: ”كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَلَّا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قِلَّايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خُرِّبَ […] وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا […] وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا سِرْجًا وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ […] وَلَا يُظْهِرُوا صَلِيبًا وَلَا شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ […] وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ […] فَإِنْ خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوهُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ“. (كما وردت في كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم الجوزية).

ومع ذلك، لم يحظَ جميع غير المسلمين بوجه الإسلام السمح (بمعايير الإسلام طبعًا) كما حظي به أهل الذمة، فهناك مجموعة أخرى من الناس على قائمة الصيد الإسلامية، ألا وهم المرتدون – أولئك الذين تركوا الإسلام إما بعد دخوله أو بعد الولادة فيه. فوفقًا للعديد من الأحاديث المسجلة في البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة ومالك وابن حنبل، أمر محمد بعقوبة الإعدام على أي مسلم يرتد عن الإسلام، ولا يستلزم أن يلحق ”جريمة“ الارتداد عن الدين هذه عصيانًا مسلحًا ضد الأمة، بل يكفي ببساطة أن تتخلى عن الإسلام كي تستحق الموت، وهذا ما يلاحَظ في العديد من المواقف في السيرة وتاريخ الصحابة، بما فيها الموقف التالي الموثق في صحيح البخاري:

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَجُلاً، أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ‏،‏ قَالَ لاَ أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا هو حكم المرتد الذكر البالغ بالإجماع، لكن اختلف الفقهاء في تحديد المدة الزمنية التي تعطى للمرتد أن يتوب قبل مواجهة الإعدام، وكذلك على عقوبة المرتدات الإناث، فبينما أبقى الحنابلة والشافعية والمالكية على عقوبة الإعدام للمرتدات الإناث، تُعفى المرتدة عند الحنفية مقابل السجن والضرب حتى التوبة (أو الموت تحت التعذيب)، وعليه، فإن عقوبة الغالبية العظمى لمن تركوا الإسلام كانت الموت.

ولا يمكن اعتبار هذا الخطر الذي يلحق بحياة تاركي الإسلام مجرد حبر على ورق، فاعتبارًا من عام 2018، يواجه من يرتد عن الإسلام من مواطني كل من أفغانستان وإيران وماليزيا وجزر المالديف وموريتانيا ونيجيريا وباكستان وقطر والمملكة العربية السعودية والصومال والسودان والإمارات العربية المتحدة واليمن (جميعهم دول ذات أغلبية إسلامية) عقوبة الإعدام بموجب القوانين المحلية المختصة بترك الإسلام.

بشكل عام، من الواضح أن الإسلام في أساسه دين مبني على التعصب، على الأقل فيما يخص المسيحيين واليهود، وبشكل خاص فيما يتعلق بالوثنيين والمرتدين، وإن أي فرد يدعي عكس ذلك يتجاهل النصوص القرآنية وما ورد في السنة الصحيحة والفقه التقليدي، ناهيك عن الممارسات التاريخية في السيرة والخلافة، وهذا ما نجد أثره اليوم في تعاليم العديد من شيوخ العصر وفي المناهج الدراسية التي تلقن أطفال المسلمين منذ الصغر أساسيات ”عقيدة الولاء والبراء“ السامّة، فمن العدوان والاضطهاد الذي لا يرحم ضد الوثنيين، والضرائب والقيود الخانقة التي فرضت على اليهود والمسيحيين، إلى العقوبات الدموية في حق مرتكبي ”جرائم“ دينية مختلقة كجريمة الردة، إن الإسلام، وبلا شك، دين يفيض بالتعصب.

أحد أمثلة الدروس المدرسية عن عقيدة الولاء والبراء كما ترد في المنهاج التعليمي الفلسطيني، والذي بالرغم من استدلاله بآيات منسوخة للتفريق بين ”الكفار المعادين“ و”الكفار غير المعادين“ إلا أنه لم يسلم من شَرك هذه العقيدة السامّة في أساسها: الحب والبغض على أساس الإيمان. مثل هذا التفريق غير موجود في مناهج بعض الدول الأخرى، كقطر، التي تعتبر البراء واجب من جميع غير المسلمين.

العبرة من هذا المقال هي استعراض الأدلة الموضوعية على مسألة مهمة ألا وهي أصل التعصب في المجتمعات الإسلامية، ففي معرفة مصدر هذا التعصب، تسهل محاربته والتخلص منه؛ عزيزي المسلم، ليس المطلوب هنا هو التخلي عن عقيدتك والتحول إلى دين آخر أو الإلحاد (لكن لك حرية هذا إن شئت)، بل مطلوب منك فهم أساسيات دينك كي تكون أداة تغيير وإصلاح تبدأ من جذور هذا الدين. في فهمك للأسباب الحقيقية وراء ظاهرة التعصب المتفشية في مجتمعك، يصبح بمقدورك توجيه يد الإصلاح نحو قلب المشكلة، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض فقط، في انتظار ظهورها الحتمي من جديد.

عدد القراءات: 1٬759