علوم

هل يجعل التوتر والقلق الأشخاص مهووسين بالتنظيف؟

الأشخاص مهووسين بالتنظيف

سواء كنت ممن يقضمون أظافرهم خلال مقابلة عمل مهمة، أو كنت دبا يعض على قضبان قفصه؛ تقوم الحيوانات المتوترة غالبا بتكرار نفس السلوكات مرارا وتكرارا، كما تظهر هذه الحالات من التكرار المبالغ فيه للسلوكات لدى الأشخاص المصابين باضطراب الوسواس القهري، أو المصابين بالتوحد.

الآن، أشار الباحثون إلى أن حتى أكثر التجارب المثيرة للتوتر بساطة بإمكانها أن تقود الإنسان العادي أو الطبيعي إلى التصرف بطريقة متكررة وشعائرية.

يقول (مارتن لانغ) طالب دراسات عليا في جامعة (كونيكتيكيت): ”لطالما أشار العديد من الخبراء الإجتماعيين إلى العلاقة بين القلق وتكرار السلوكات“، ويضيف: ”…إلا أنه لم تكن هناك؛ على حد علمنا، أية تجارب علمية أو دراسات على البشر التي من شأنها أن تثبت هذه العلاقة“.

ومن هنا قام لانغ ومساعدوه في بحثه هذا بالتوجه نحو فئة موضوع الدراسات الأكثر شعبية في ميدان علم النفس: ألا وهم الطلبة الجامعيون، ولإثارة فزع هؤلاء وتوترهم، قام الباحثون باللجوء إلى أكثر أنواع الخوف شيوعا، وهو خوف إلقاء الخطابات، أو التحدث أمام الجمهور.

شملت هذه الدراسة 62 طالبا من جامعة (مازاريك) في جمهورية التشيك، مختلطين بين ذكور وإناث، والذين يقدر معدل أعمارهم بأربعة وعشرين سنة أو أقل، وعندما تمت تهيأتهم من أجل الدراسة، تم تجهيز كل واحد وواحدة منهم على حدى بجهاز قياس معدل نبضات القلب، وجهاز قياس السرعة Accelerometer موصول في معصم كل واحد منهم كذلك، ثم جلسوا جميعا حول طاولة كان موضوعا فوقها ”غرض معدني ديكوري“، وقد تم إخطار نصف هؤلاء الطلبة على أنه يتعين على كل واحد منهم أن يقدم خطابا مدته خمسة دقائق حول هذا الغرض أمام خبير في الفنون، كما كانت هناك لائحة بسبعة أسئلة كان يتعين عليهم الإجابة عنها خلال خطاباتهم تلك، أسئلة من نوع: ”كم برأيك يبلغ عمر هذا الغرض؟“ و”في أي صنف من أصناف الفنون يندرج هذا الغرض؟“، وكان أمامهم ثلاث دقائق فقط للتحضير.

غرض معدني ديكوري

غرض معدني ديكوري

ثم طلب من النصف الآخر من العينة أن ينظروا إلى نفس الغرض ويفكروا في نفس لائحة الأسئلة، لكنه لم يكن هناك أي خطر بإلقاء خطاب أمام خبير في الفنون.

وفي نهاية المهمة، طلب الباحثون من المشاركين أن يحمل كل واحد منهم قطعة من القماش المبللة ويقوم بمسح الغرض حتى يتراءى له أن صار نظيفا تماما، ثم تم بعد هذا إعلام النصف الذي كان مقررا عليه إلقاء خطاب بأن ذلك لم يعد متاحا بعد الآن، لأن الخبير قد ألغى موعده معهم، ثم طلب منهم ملء استبيان.

أفاد المشاركون الذين كان يتحضرون لإلقاء خطاب بأنهم شعروا بقلق كبير، كما أن أجهزة قياس نبضات القلب لديهم أظهرت تسارعا كبيرا في معدلاته، وبفضل أجهزة قياس السرعة الموصولة بمعصم كل شخص في التجربة، كان بإمكان الباحثين قياس سرعة الحركة التي كانوا يقومون بها أثناء تنظيفهم الغرض المعدني، وهو الأمر الذي تبينوا فيه فروقات كبيرة بين المشاركين الذين انتابهم شعور بالقلقن، وغيرهم الآخرون غير القلقين.

وبسبب حجم وشكل الغرض، قال لانغ أنه كانت هناك الكثير من الطرق التي من خلالها بإمكانك تنظيفه، حيث يمكنك تغطيته كله، أو يمكنك تغطية بقعة صغيرة منه وفركها ذهابا وإيابا.

عكف المشاركون الذين لم ينتبهم القلق على تنويع حركات التنظيف التي قاموا بها، حيث كانوا ينتقلون من حركات طويلة إلى حركات قصيرة، إلا أن الأشخاص القلقين كانوا أكثر تكرارا لنفس الحركات، وكان بإمكان توقع حركاتهم بسهولة.

يقول لانغ في هذا الشأن: ”بصفة عامة، ركز الأشخاص القلقون على مناطق صغيرة من الغرض وقاموا بمسحها بصورة متكررة وبدقة كبيرة، وكان هذا لا شعوريا حيث أنهم لم يكونوا يدرون تماما ما هم بصدد فعله، كما أن بعضهم لم يكن حتى يعلم أنه كان يشعر بالقلق.

قد يشير هذا إلى أن تصرفنا بطريقة متكررة عندما نشعر بالقلق هو سلوك متأصل بعمق لدينا، فيقول لانغ: ”إذا كانت السلوكات المتكررة استجابة طبيعية للقلق، فإنه يصبح بذلك متاحا أمامنا تطوير تقنيات فعالة لمساعدة الناس على التعامل مع القلق المزمن.“

كما أن تعلم المزيد حول هذه العلاقة قد يساعد الباحثين على فهم السبب الذي يدفع الأشخاص المصابين بالوسواس القهري والتوحد إلى التصرف بشكل متكرر اندفاعي، كما كيفية معالجة ذلك.

وإذا لم يفد أي من ذلك في شيء، فعلى الأقل أحد أغراض الديكور المعدنية الخاصة بأحدهم هي الآن أنظف غرض في العالم.

المصادر

عدد القراءات: 284