أقصوصة

الشياطين والأرواح الشريرة تنقذني

Rwandan genocide
Rwandan genocide

السابع من أبريل/نيسان عام 1994، على الهضبة المطلة على قريتنا الوادعة الخضراء، على ضفاف نهر ”نيابرونغو“ والمتاخمة لحدود دولة بوروندي، كنت أحاول جعل طائرتي الورقية تحلّق في السماء عالياً كي ترى—نيابة عني—أبانا الذي في السماوات، الحمل الذي افتدى نفسه ليغسل خطايا المؤمنين أو هكذا أردت ببراءة الطفولة.

طائرتي الورقية

في ظهيرة ذلك اليوم، كان الخوف الوحيد الذي أعرفه هو أن تعلم أمي مسألة ذهابي للهضبة مرة أخرى، ففي المرة الأخيرة تلقّيت صفعة مدوّية على وجهي ”كي اتذكّرها في كل مرة أفكّر في تكرار الذهاب إلى هناك“ هكذا قالت أمي. أصدقائي لم يرغبوا أبداً بمرافقتي إلى هناك، ليس خوفاً من ذويهم والعقاب المنتظر، ولكن لسبب آخر هو ما جعل أمي أيضاً تكره فكرة اللعب عند الهضبة، وذلك لأن المقبرة هناك؛ فنحن سكّان رواندا من قبائل ”توتسي“ لدينا اعتقاد بأن المقابر تسكنها الأرواح الشريرة والشياطين التي سرقت أرواح الأموات من أجسادهم، وهذا معتقد شاماني موغلٌ في القدم، لم يستطع المستعمر البلجيكي طمسهُ من ذاكرة الهوية الراوندية حتى بعد أن اعتنقنا المسيحية الكاثوليكية التي جاؤوا بها إلينا.

بعد عدة محاولات وبمساعدة الرياح الغربية اللطيفة نجحت في جعل الطائرة تحلّق عالياً الى درجة أنني لم أعد أستطيع رؤيتها بوضوح، كنت ممسكاً بالخيط بسعادة غامرة تبددت سريعاً عندما سمعت صراخاً مرعباً يأتي من كل منازل القرية المتواضعة، ألقيت نظرة نحوها، تسمّرت مكاني أشاهد ما يحدث عن كثب، حتى أصبحت فيما بعد الشاهد الوحيد على مجزرة نيابرونغو التي كانت واحدة من عشرات المجازر التي ارتكبت في شتى أنحاء البلاد بيد قبائل الهوتو، والتي تعتبر قبيلة الأغلبية مقارنة بقبائلنا، استمرت مئة يومٍ أو أقل بقليل، كانت كافية للوحوش البشرية لتنفيذ حملة تصفية عرقية شنيعة، ذهب ضحيّتها 75% من أفراد قبيلة توتسي، مئة يومٍ فقط أو أقل بقليل، كانت كافية للقضاء على قرابة 850 ألف روح أو أكثر بكثير.

غارت الوحوش البشرية على قريتنا بالفؤوس والمناجل، في موسم لحصاد الأرواح، كانوا يصطادون كل شيء أمامهم، يذبحون الرجال كالخراف ويكبّلون النساء بالحبال ويجمعونهن في وسط القرية، بعض الرجال كانوا يهربون كالحيوانات البرية المصابة بالصرع، حتى يتمكن منه ثلاثة أو أربعة رجال من الهوتو ويفصلون رأسه عن جسده، البعض الآخر لم يبرح مكانه ولم تقوى قدميه على الحراك من شدة الخوف والهلع، أولئك كانوا ينتظرون الذبح بهدوء، كانوا يقتلون الأطفال أمام أمهاتهم بلا أدنى رأفة أو رحمة، أحرقوا المنازل والمحاصيل، كما أحرقوا الكنيسة بكل من أحتمى بداخلها، ثم جمعوا النساء وبدؤوا باغتصابهن وهن مكبلاتٍ بالحبال، كانوا يتعاقبون على كل امرأة، عشرة رجال على الأقل، ثم يلقونها في النهر كي تموت غرقاً وهي المُكبلة المُغتصبة، ربما طلبن الموت من الرب في تلك اللحظة…

أحرقوا الكنيسة

عندما حط الليل رحائله، كانت القرية قد أبيدت عن بكرة ابيها، لازلت أذكر وجوههم، كنت أعرفهم، أبي وأمي وأخوتي وأقاربي وأصدقائي وجيراني، كلٌّ منهم مات على الطريقة التي أختارها الجزّارون، لم أترك مكاني طيلة أسبوع، الخوف والصدمة كانت أقوى من التفكير بالهرب، شربت المياه من النبع القريب من المقبرة، وتناولت ثمار شجيرات المقبرة القليلة حتى انتهت، فأصبحت أملأ بطني من أوراقها ومن أي شيء أراه قد يصلح للأكل.

مع نهاية الأسبوع، سمعت صوت محرّك سيارة يقترب من القرية التي تحوّلت إلى مرتع مريع للجثث وبحر من دم العذارى والأطفال والأبرياء، نزل من السيارة رجلين من أصحاب البشرة البيضاء، رأيت أحدهم يضع طاقية رأسه على وجهه ويبكي، نزلت من الهضبة مسرعاً إليهما، كانا صحفيان فرنسيان يعملان لأحد وكالات الأنباء العالمية، عندما علما بأمري، وضعا جسدي النحيل في صندوق السيارة وأخرجاني من رواندا حتى وصلنا إلى سويسرا في غضون ساعات، هناك، كان العالم مزدهراً ينام في سلام، يعيش ليله في صخب الحانات واللهو، بقعة جغرافية بعيدة جداً عن قريتي، لم يحرّك العالم ساكناً لإنقاذ شعبي طيلة تلك المدة، كانت نشرات الأخبار في سويسرا تمر على ذكرنا مرور الكرام، وفي مؤتمر صحفي لبطرس غالي—الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك—وعلى هامش تكريمه وحصوله على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة كارلوس في مدريد، سأله أحد الصحفيين عن إمكانية إرسال قوات الى رواندا لإيقاف المجازر هناك، فلم يرد ”غالي“ على السؤال واكتفى بالتعبير عن قلقه.

عندما كنت صغيراً، لم أفهم أبداً سبب ما يحدث، لم أفهم لماذا قام التوهو بقتلنا بهذه الوحشية، لم أكن أعرف شيئاُ عن السياسة، والمثير للسخرية في الأمر أنني درست السياسة وحقوق الإنسان فيما بعد، وقدّمت عدة بحوث عن حرب رواندا، لكنني وإلى اليوم، لم أفهم لماذا قُتلت عائلتي وكل قومي! قوم البسطاء؛ أقصى أفكارهم جموحاً تقتصر على كمية المطر في هذا العام.

اليوم، وقد اتممت دراستي العليا في جامعات سويسرا، حتى حصلت على وظيفة مرموقة في أحد الجمعيات التابعة للأمم المتحدة والتي تُعنى بحقوق الإنسان، جلست أمام التلفاز أشاهد ما يحدث في سوريا، بالتحديد في مدينة حلب، وذلك لأن مديري كلّفني بإعداد تقرير مقتضبٍ عنها، علمت أن الأطراف المتنازعة هناك قد قتلت—الى الآن—قرابة 300 ألف إنسان في غضون خمسة سنوات، بالإضافة إلى ملايين المشردين واللاجئين وآلاف المفقودين.

بالطبع، عبّرت عن قلقي في التقرير أكثر من مرة، وذلك كرمٌ كبير من طرفي، فكيف ونحن الذين خسرنا عشرات أضعاف هذه الخسائر في مئة يوم فقط ولم يحرك العالم ساكناً، فهل يتحرّك لأجلهم؟!

لم أتذكّر أبداً متى تركت خيط الطائرة يفلت من يدي لتحلّق دون رقيب، ولكنني لا أظنها وصلت حيث يقع أبانا الذي في السماء، فلو حدث ذلك ربما تفطّن لحجم المأساة التي تحدث، ونزل الى الأرض ليملأها قسطاً وعدلاً بعد أن امتلأت قتلاً وجورا.. لكنني حقاً أشعر بالامتنان الشديد لشياطين المقبرة، فلو لا خوف مليشيات قبائل التوهو منها لما وصلت إلى حيث أنا، لقد أنقذتني الشياطين والأرواح الشريرة، وترك الرب قريتي تهلك، لأن راهباً سويسرياً أخبرني فيما بعد أن هذه هي بالضبط طريقة الرب لتمييز الخبيث من الطيب! ولكنني لم افهم منطق الرب الى الآن.

تُباد حلب كي يميّز الرب الخبيث من الطيب، ونحن علينا فقط أن نعبر عن قلقنا.. قلقنا الشديد!

عدد القراءات: 2٬088