اجتماعيات

داروين في السعودية

داروين في السعودية
mm

دخلت حمَّام أحد الأسواق التجارية فوجدت العبارة التالية مكتوبة على الباب بخط واضح التمويه: ”تشارلز داروين أنقذني من الطين الذي كاد يخنقني.. نظرية التطور حقيقة يا ملاعين“.

تتبعت التعليقات على نفس الباب فوجدت أحدهم قد مد سهما باتجاه العبارة وكتب بثقة: ”لو كانت نظرية التطور صحيحة فهل تستطيع أن تخلق نملة في المختبر؟“

الاختلاف حول نظرية التطور ظاهرة عالمية، بإمكانكم البحث في غوغل بكل اللغات عن ”التطور ضد الخلق“ وستجدون بلا شك جدلا محتدما بين الناس من كل الثقافات. فإذا كان لدى رجال العلم الكثير من الكتب والمقالات العلمية التي تؤيد نظرية التطور، فإن لدى العامة أضعافها من القصص والأساطير التي تعزز إيمانهم بقصة الخلق، لكن هل حصل السيد تشارلز داروين أخيرا على تذكرة سفر إلى السعودية؟

قبل عشر سنوات، لم أكن أعرف من هو داروين، بل لم أسمع يوما باسمه وبفكرة تطور الأنواع، وكأي مواطن سعودي كنت أتوهم أن البشر جميعا خُلقوا من طين سعودي بواسطة إله سعودي. لم يكن البحث في الإنترنت سهلا كما هو اليوم، ولم يكن الناس يكثرون الكلام عن أصل البشر بقدر ما يتكلمون عن أصل جهنم ومن هم وقودها من الكفار والعُصاة.

لكن الأمر يختلف الآن، فقد دخل اسم داروين إلى السعودية بطريقة ما، ودخل مصحوبا بالكثير من التحريف، فبعضهم يسميه ”داريون“ وبعضهم يسميه ”دارُوْن“. لكنه دخل حتما وسلك طريق ”غير المسلمين“ وولج إلى عقول معظم الناس. صرت أسمع عنه كثيرا، في المقاهي وصالونات الحلاقة والجلسات البحرية، لا أزعم أن الكل يتحدث عنه، لكني متأكد من أن الكل سمع عنه ومستعد لتأييده أو تفنيده.

غير المسلمين

قال لي أحد أصدقائي السعوديين ذات مرة: ”يتمتع داروين بكل خصال الأنبياء حسبما أتخيل. فهو مُلْتحٍ ومعقَّد وله تلك النظرة المخيفة الإقصائية. داروين هو نبيِّي، داروين هو مخلِّصي“. وقال لي آخر: ”أي جنون نقترفه؟ إننا نحب أنفسنا ولا نقتلها، نداعب القردة ولا نقذفها، ننتمي إلى الوزغ ولا نضربه بأيدينا العارية طلبا للثواب“. وسمعت مراهقا يقول: ”لو أن نظرية التطور صحيحة فلماذا لم تتطور القردة التي نراها الآن لتصير بشرا؟“

هذا هو الحال في السعودية يا عالم!

مع أن مناهجنا تبدأ بالبسملة ولا تشرح التطور، إلا أن طلاب المرحلة المتوسطة يتجادلون بحدة حول أصل الإنسان بين الحصص ويتلاعنون ويتشاجرون ويكفِّرون بعضهم، ومع أن مقرراتنا الجامعية تخلوا من أي ذكر للتطور إلا أن الطلاب الجامعيين هنا يعرفون جيدا ما هو التطور ومن هو داروين بغض النظر عن اختلافاتهم.

إنني أعلم أنكم تنظرون إلينا كجماعة من البدو الذين يقبِّلون الجِمال ويجلدون نساءهم، لكننا نتكلم عن التطور وننتمي إلى القردة ونحب الكلاب، خصوصا العَقُورة منها.

مقال من إعداد

mm

جبران عقيل

طبيب من السعودية، باحث في الطب النفسي وعلم النفس، كاتب علمي وأدبي.

عدد القراءات: 33٬684