أقصوصة

ظلال سوداء

ظلال سوداء
صورة: Jesse Draxler

يوم الإثنين، الساعة السابعة مساءًا (دون ذِكر التاريخ)، كُنت أحاور نفسي كثيرًا وطويلاً وعميقًا قبل الخروج، وككل مرة؛ أفتح باب الغرفة، لكنني لا أفتحه، فهو يتمسك بعضه ببعض كأنه لا يريد أن يفتح، وكأنه هو الآخر لا يريد لي أن أخرج وإنما أبقي وراءه، وراء هذه المقبرة، لكي أشعر كل يوم بمعجزة الميلاد. ففي كل ليلة أصلي على نفسي فقد أموت غدا أو قبل طلوع الفجر، فإذا صحوت شكرت الله أن أطال في عمري يوما آخر.

وأمام الباب، وبالضبط عند انفتاحه، تنهال على حواسي الخمسة فيضانات من الإحساسات، أقاومها وتغرقني قطره، إنها لا تدخل حواسي وإنما تغتصبها وتقتحمها بالقوة، وكأن حواسي مثل هذا الباب لابد من فسخها عند الدخول وعند الخروج أيضا. وكأن فضيحة أو عاراً كونياً يبدأ من هذه اللحظة، وكل عناصر الحياة تتعاون على ستر هذه الفضيحة، فضيحة أنّ شخصاً مثلي كان قوياً جداً، ثم قويا، ثم أقل قوة، ثم بلا قوة، ومنهكاً، ثم شعرت بالضعف، ثم أصحبت ضعيفاً، فأقل ضعفاً، ثم هشاً، ثم أصبحت قاسياً كالموت وشاهدا على العصر الذي أريده ولا يريدني.

يسحب المساء ظله علينا، وتختلط ظلالنا بعتمة المساء. لا أثر على الأرض الشامخة سوى قصة عاشقين لم تكتب بعد، أول لقاء متأخر بيننا، يا امرأة تكتب أنفاسي على الحنين. عائد أنا من أزمة السرداب، من مدينة الأحلام المليئة بالوهم. عائد لوجع البوح الأبدي، حزينا منساقا خلف ظلي، مبعثرا كضباب خريف غازلته غيمة أحزان، لأخلع وجهك عن وجهي وأروي الحكاية. شهر مضى، سنة، سنتين وأولى ساعات الليل وها هو الجرح ينفتح من جديد، وفي ذاكرتي ألف حكاية فراق أتلوها على قلبي في كل ليلة.

إنها العاشرة والنصف ليلا؟ تقول الساعة بتحدّ. أفرك يدي وألقي نظرة على الجدار، لا ظلال لي على الجدار، الجدار خاو من الذكريات ومن الألحان ومن الكلمات ومن الصور. كانت ظلالي على الجدار تفوح بذكرى اللحن المفقود. أما في هذا المساء – والساعة تواجهني بعناد – فقد وضعت يدها في يده ورحلت.

هذه الليلة؛ أنا لست واثقا من أنا، فلم أعد أعرف الكثير عن نفسي، ويبدو أنني نسيت ذلك الظل لولا الأثر الرطب الذي خطه في قلبي، غابت الشمس عن سمائي، فأصبح الكون كلّه ظلامٌ دامس، أصبح الكون كلّه من دون أيّ ألوان، وملامح، وأصوات، لم يعد سوى صدى صوتك يرنّ في أذني، لم أعد أرى سوى صورة وجهك الحبيب، لم أعد أتذكّر إلّا صورة وجهك، ونظرات عينيك عند كل تقاطع طريق.

لعل بعض الماء البارد سيحث ذلك اللحن المدوزن للعودة ثانية أو سيجارة افيون تدلني على طريق بيتك، لعل بعض القهوة المرة ستمحو آثار الضباب عن عيني، ولكن السؤال لا يستجيب لنداء القهوة ولا تلك السيجارة، ها هو يشق طريقه في لا مبالاة متكيفا مع تداعيات حمقي. اليوم فقط، سأمد روحي جسرا أو أملا لقراءة الماضي. سأسرج للرحيل دموعي وألملم شهادة الميلاد، وأمضي أبحث عن شتاء ينزف مطرا، لأغسل من على وجهك لون المأساة، اليوم فقط، سأنسج من الأمس قبرا وأكتب على بابه بالدم والدموع:

”كنت أحب هُيام وكانت هُيام تحبني“.

هكذا سيسحب المساء ظله علينا، وتختلط ظلالنا بالعتمة، إلا ظلي التائه عني لايزال ككل يوم خارج الرقعة ينتظر قدومك يا أنتِ، ليخبرك أني عدت من الضباب أحمل الثورة في بطن الكلمات أني عدت وأنا ابن الهزائم الكبرى. القادم من كل النكبات والنكسات لأكتب عني وعنك وعن رجال احترفوا التسول بعد أن صنعوا استقلالا وحرية، وعن المنسيين على هوامش الحرب. عن الجثث التي لا اسم لها ولا حتى رقم، وعن آلاف القصص التي يتوسدونها فوق ’كرتونهم‘ المضجر بالملاحم والذكريات، لكن عبثا أتجرع أشواك الانتظار.

ليال سهرتُ وسهرتُ، وفي غمرة كل أرق يطفح من عروقي شيء ما لأحمله من ذكرياتي المضيئة على الورقة، اختزل كل همسة شوق إليك في كلمات، حتى الأيام ظلت تطاردني مثقلة بالحكايات، تعتصر من ذاكرتي آخر الآهات، فطوال هذا العمر المضجر أحببت امرأة واحدة وجربت مئات النساء وأحبتني امرأة واحدة وهجرتني مئات النساء، إلى أن رسا على باب قلبي الصدأ، وحدث ما كنت أخشاه. تعودت غيابك وانطفئ الشوق فأصبح شعري أبيض وشاخت كلماتي وصرت لا أحسن غير السأم والضجر.

فعندما تغيبين عني ينفرد الحزن بي، وينشرني كضباب على بحيرة من دموع فيمضي الفجر البارد إلى حيث أنت ولا يعود، ليزداد حنيني إليك، إلى امرأة من هذا العالم تسكنني، وتمسح من على مواسم الحزن دمعتي، فقد كان ممتعا أن يأكلني الشوق حبا وحنينا للقاء. كم كان ممتعا أن أحيا الغد وأبنيه على همسات الأمس وبقاياه، لكن سيدتي أنا ما عدت أطيق الانتظار ولا أحسن عد الأيام، إنما أصبحت محترفا في نبش الأحزان عند كل مساء لألقاك يا أنت، نائمة في عمق المواجع والطعنات.

خريفية العينين كنتِ، ترسمين التاريخ بالكحل والإنتماء بالبراءة، بأنامل يديك سمفونية الحياة على مسرح النسيان.‎ بالأمس القريب، روت لي عيناك بدموع الهمس: هذا الوطن حزين واليوم، ها أنت امرأة أخرى مضت، ومضت معها كل الفصول وانتحر اللقاء. لازلت أذكر جيدا، أذكر أنه كان يوما غريبا تكاثرت فيه الألوان، ذاك الذي رسمنا فيه لوحة للتحدي واخرى للفراق. حتى القدر كان حاضرا ووضع عليهما آخر ’الرتوش‘.

يومها حاولت صنع القرار ونسيت أن أول شيء قادني إليك، هو ذاك التحدي الذي استوطن عينيك. فقلت لك: ”أنا لم أكن ابحث يوما عن امرأة بحجم أسفار قلبي ولا عن وجه امرأة باتساع أحلام الطفولة“، لذلك سيدتي سنرحل نحو مواسم أخرى لم تصبها الجراح.

فقالت لي: ”الجرح بداخلنا يا سيدي، وسنرحل من البعيد إلى البعيد، لنكتشف أن نهاية الجرح هي بدايته، لذلك فارحل إن شئت فذاكرتي صفصافة تعوي بها ريح النسيان. فلن ارحل معك، لن ارحل. حتى وأنت قادم نحوي تبدو بغاية الذهاب“.

كان المساء يهب من كل الجهات، وأنا أحزم آخر الذكريات في الحقيبة لأمضي، وكان نداء الرحيل أكبر مني ومنك. لم تكن الطائرة وهي تصعد بي أقدر من كبريائي على منعي من الرجوع إليك، أنا الرجل المنحط في هرم الجاهلية منذ آلاف العصور. آخر كلماتكِ ظلت ترقد بذاكرة حقيبتي بين طيات الورقة التي دفعتِ بها إلي وأنا أصعد سلم الطائرة قائلا لها: ”أنتِ لا تعرفين قدر ما عانيته من (حياة) في سنوات عمري التي لم تتخط الثلاثين بعد، فلا تخبرنني أن الحياة محملة بالورود والوعود، فهذه الجملة بها من الحماقة ما يفوق قدرتي على الاحتمال“.

فصارحتني بقولها: ”اسمع، لن أدعي المثالية والعِفة، أنا مليئة بالذنوب ومتأكدة أن أصدقائي الشباب أكثر من أصدقائك أنت! لقد تكلمت مع رجال كعدد شعر رأس أختي الكثيف، ودخلت الكثير من العلاقات. لم تستمر مدة أي علاقة عندي أكثر من ثلاثة أشهر على الأغلب، وأقصر علاقة أسبوعان ونصف، أقارنك دائما بمن عرفت قبلك في رأسي وهذا يسبب لي الكثير من الألم و’التفكير الزائد‘، كنت واثقة أنني لن أرتبط بأحد ممن عرفت ارتباطا رسميا ونهايتي ستكون رجلا شرقيا يتزوجني لأنني على ذوق أمه، ومتأكدة أن له ماضي مثلي تماما.

لقد اكتسبت الخبرة بمعرفة طريقة تفكير الرجال، أصبحت أحلل الشخصيات وأكره أن يروق لي أحدهم فأطيل التفكير به، أنا الآن على ذمتك لكن عقلي على ذمة الكثيرين وأخونك كل ليلة بالتفكير وتذكر أصحاب الماضي، لقد أنهكت قلبي بهم حتى أصبح حائر من منهم يحب فعلا. في الصباح أجدني أشتاق لواحد وفي المساء لأخر، وأمثل أنني مشتاقة لك أمام العائلة لأنك تروق لهم فقط؛ فارحل فانا لا أريد الرحيل معك.“

عدد القراءات: 695