اجتماعيات

صليب وهلال.. في ميزان طفلة

جلست أراقب نظراتهم نحوي بحذر، كان عددهم أكثر بكثيرٍ ممّا توقّعت، معظمهم يتكلّم لهجةً غريبةً بنغمةٍ مميّزةٍ لم أعهدها من قبل، أخبرتني والدتي أنَّ هذه لهجة أهل المنطقة هنا وانهم أشخاصٌ طيبون..

”كم يوم حبيبتي وكل شي رح يصير أحلى“

حسناً ما أسوأ ما قد يحدث لفتاةٍ صغيرةٍ في أوّل يومٍ لها في الصّفّ الثّاني على أيّ حال؟

تمرّ الحصّة الأولى بسلام….

بعض القراءة و الحساب كان كفيلاً بكسب ودّ معلمتي الجديدة التي بدت لطيفةً للغاية مع الجميع.

جورج كان أوّل من تحدّث إليّ يومها، كنت أستمع إليه بدهشةٍ وأحاول فهم بعضاً من مصطلحاته الغريبة دون جدوى.

متابعةً النّظر إليه والابتسام..

”يالله نطلع عالفرصة وبكملّك برّا“

دقائق و يرنّ جرس الاصطفاف.

بعض طلاب الصّف بقي في الخارج و البعض الآخر هرع مسرعاً ليحضر دفتراً و قلماً ليعود و يخرج مجدّداً.

عدت للصف لأجد عدداً لا بأس به كان قد بقي جالساً في مكانه…

”لارا يالله ع حصة الديانة“.

ينده جورج.

تقف المعلمة في باب الصّفّ و تقول.

”يالله المسيحيّة يلحقوني لبرا بسرعة الحصة بدأت“.

لينقسم الطّلاب إلى مجموعتين مباشرةً.

”ماذا عن طالبتنا الجديدة مسيحيّة أنتِ أم مسلمة؟“

أذكر أنّني وقفت مذهولةً أحاول استيعاب سؤالها دون أن أظهر أيّة علاماتٍ لجهلي التّام بما قالته لي للتّو.. على الأغلب هذه واحدة من مصطلحات أهل المنطقة، فكلّ طلاب الصّف هنا مدركين تماماً إن كانوا إسلاماً أم.

مسيحيّين إلا أنا.

”آنسة ماني متأكدة… بس عالأغلب مسيحيّة“

حصّة دراسية في الهواء الطلق من يقول لا لهذا؟

”آنسة شو يعني مو متأكدة.. في حدا ما بيعرف دينو؟”“

تقولها وهي تضحك

”أتذهبون للكنيسة أم الجامع؟“

نعم أنا أعرف الجواب على هذا السؤال!

”نذهب للاثنين معاً!“

تنظر إليّ مطولاً و تبدو منزعجة

قد خاب أمل هذه المدرّسة الطّيبة بي لحدٍ كبير

استُدعي والديّ للمدرسة لأعلم بعدها مع أيّة مجموعةٍ قد قُدّر لي حضور حصّة الدّيانة.

لتبدأ مغامرتي الأولى بين الواقع والخيال ورغبتي الملحّة بالانتماء.

مرّت سنواتٌ على هذه الحادثة حتّى علّمت من والدتي أنّ أوّل جملةٍ قوبلت بها من المديرة كانت:

”الله يسامحكون بس… هيك عاملين بالبنت!“

فوالديّ و لسخرية القدر يمتلكان أكثر اسمين مثيرين للجدل على الإطلاق إذا ما فكرت بهما كزوجين فلكلٍّ منهما دلالة دينيّةٌ واضحةُ مختلفةُ عن الآخر على إثرها تكهّنت المديرة بطبيعة الحال و عبّرت عن أساها على حالي

مسكينةٌ أنا فتاةٌ في السّابعة لم تحدّد انتماءها الدّينيّ بعد

كارثة والله..

لربما هي كارثةٌ فعلاً إذا ما فكّرت فيها من وجهة نظر إنسانٍ متديّنٍ..

فأنا على كلٍّ لم أكن واثقةً من موقفي تجاه الدّين لفترةٍ طويلةٍ حتّى بعد أن علمت تصنيفي باسم القانون المتّبع..

والديّ كانا مقتنعين تماماً أنّ رحلتي هذه عليّ خوضها بمفردي دون أن يؤثّرا هما بالذّات في قراري

و المحيط كان دوماً يبدو واثقاً أكثر من اللازم لدرجةٍ تشعر معها أنّ أحدهم لم يستعمل عقله كفاية في الآونة الأخيرة…

كلّ فترة كنت أشعر برغبةٍ ملحّةٍ لتجربة طقسٍ دينيٍّ ما كنت أقابل بكلٰ الدّعم الممكن من عائلتي

على الرّغم من عدم اقتناعهما بأيٍّ من تلك الطقوس فهما لم يقفا يوماً في طريق أدائي لها أو حتّى محاولتي للاقتناع بها

و بعد محاولاتي في تحصيل الحقيقة بناءً على تجارب و آراء من حولي أدركت أخيراً أنّه قد آن الآوان لي لأبحث بنفسي دون قيود، أو أفكار مسبقة مجتزأة بمعظمها، فتلك الصّفحة البيضاء التي حاول والديّ جاهدين أن يحافظا لي على نقائها إلى أن يحين الوقت المناسب و بالرّغم من كلّ محاولات المجتمع لطمس معالمها بقيت موجودة وها أنا على وشك أن أخطّ أولى كلماتي عليها.

اليوم وقد انقضت ثلاث سنواتٍ عندما أنظر للوراء أشعر بالفخر والامتنان

و كثيرٍ جدّاً من الانتماء لأولئك الطيبين المدركين أنه لمن غير الصحيّ لطفلٍ في السّابعة من عمره أن يطلق عليه صفة مسيحيٍّ أو مسلم.

أولئك الذين ضحّوا براحة بالهم مقابل أن يبنوا إنساناً في واحد من أكثر المجتمعات اضطراباً عوضاً عن استنساخ أنفسهم إلى ما لا نهاية .

عدد القراءات: 1٬396