أقصوصة

المرتبك رقم 42

المرتبك رقم ٤٢

إرتديت حذائي، لونه أسود وعليه بقع صفراء لازمته يوم نزف عليه جدار برلين، وقفت في وسط القاعة الممتلئة بالأشواك والوسادات المصبوغة بلون المني وأحمر الشفاه.

أمعنت نظري من نافذة الغرفة، جذبني صوت العصافير التي اجتمعت في كنف شجرة البلوط القريبة. اسرعت إلى الغرفة المجاورة وأحضرت البندقية، صوّبت نحو الشجرة وأطلقت النار.

لم أقتل هذه العصافير بهدف الحصول على الطعام ولا لإنزعاجي من صوتها، إنما ارتكبت جريمتي بدافع الغيرة من حريتها، ارتكبت جريمتي بدافع الغيرة من هشاشة عظامها وسرعة موتها بلا ألم.

مجرمٌ أنا، بندقيتي أبت أن تطلق بارودها في أحشائي، فموتي يعني بعض الراحة وهذا ما لن تقبله عدالةٌ في الأرض أو في السماء.

ها أنا وسط اللاشيء أقضم أظافري ومعصمي وآخر قطعةٍ من قلبي المهترئ. أمامي عجوزٌ فقد زوجته يوم المحرقة في ألمانيا، صوت نحيبه يملأ زوايا القاعة فينطرب الفأر الذي نجى مثله من لهيب النار.

عن يساري يجلس يمينيٌّ متطرف قرر حرق ما تبقى من أشجار الحرش الذي يقع خلف المبنى الذي كتب فيه توباك أغنيته الأولى.

عن يميني يجلس يساريٌّ، ولد في كنف عائلة فاحشة الثراء، أنفق المال الذي ورثه على إنشاء مدرسةٍ للأطفال الفقراء، حين شارف على الإفلاس بنى مصرفاً وأحكم قبضته على مدخرات كل بشري في قريته.

خلفي يجلس عزرائيل ينتظرني، أخبرني أنه سيعيدني إلى مملكة الإله وأنني لن أشعر بالألم، همس في أذني بكل كلمات الحب والطمأنينة ولكن صوت سلسلته المعدنية حين يلامس الأرض يسحب مني لون وجهي، حين لمحته شابَ شعري، أحسست بأنني عدت طفلاً يسرق الخبز من الباعة وينثره في الطريق لتلتهمه الطائرات التي تحلّق في سماء مدينتنا الفاضلة.

أغمضت جفوني، في جيبي بوصلةٌ تخبرني أن طريق الألف ميل مقطوع، تزيّن رقبتي قلادةٌ مكتوبٌ عليها ملعونةٌ هذه الأرض دائماً وأبدا.

عدد القراءات: 719